بن سلمان والتصرف العصابي

14 اغسطس 2020
الصورة

بعيداً عن الإطارين، القانوني والقضائي، للدعوى التي رفعها المسؤول الاستخباراتي السعودي السابق، سعد الجابري، ضد ولي العهد محمد بن سلمان، ومسؤولين سعوديين آخرين، في واشنطن، فإن الحيثيات التي حفلت بها تنبئ بأننا أمام منظومة حكم اختطفت دولةً بأكملها، وحوّلتها إلى صيغة أقرب إلى عصابة إجرامية، إن لم تكن مافيا. 

قد يقول قائل إن هذا البعد في سعودية بن سلمان ليس جديداً، إذ تعود بواكيره، على الأقل، إلى سبتمبر/ أيلول 2017، عندما أقدمت الحكومة على اعتقال عشرات من علماء الدين، والمفكرين، والأكاديميين، والكتّاب، والقضاة، والنشطاء الاجتماعيين. تبعت ذلك حملة أخرى، أكثر شراسة وأوسع نطاقا، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، اعتقل بموجبها عشرات الأمراء والمسؤولين الكبار، وعذّب بعضهم، وتمَّ تجريدهم من كثير من ثرواتهم وممتلكاتهم، تحت ستار تسوياتٍ ماليةٍ بتهم الفساد. ويوجد شبه اتفاق أن تلك الاعتقالات والحملات التي وصلت إلى حد تصفية معارضين في الداخل والخارج، كما جرى مع الصحافي جمال خاشقجي، عام 2018 في إسطنبول، وعبد الرحيم الحويطي، هذا العام (2020)، في منطقة تبوك، وأخريات غامضة، إنما جاءت في سياق تعزيز وضع بن سلمان ملكا قادما، بعدما نال ولاية العهد بانقلاب قصر أبيض على ابن عمه محمد بن نايف، في يونيو/ حزيران 2017. وقد بلغت الجرأة ببن سلمان، في مارس/ آذار الماضي، أن يعتقل بن نايف نفسه، وعمه أحمد بن عبد العزيز، الأمر الذي نُظر إليه استعجالا لتولي العرش خلفاً لوالده المريض، وإزالة أي عقبةٍ قد تعترض ذلك الطريق، وخصوصاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الداعم الأكبر له، يواجه انتخاباتٍ صعبة، الخريف المقبل. 

حيثيات دعوى سعد الجابري على بن سلمان تنبئ بأننا أمام منظومة حكم اختطفت دولةً

يأتي استهداف محمد بن سلمان مسؤول الاستخبارات السابق سعد الجابري، ضمن السياق السابق، فالرجل كان مستشاراً لابن نايف ويده اليمنى عندما كان الأخير وزيراً للداخلية، ومهندس العلاقات مع الأجهزة الاستخباراتية الغربية، وتحديداً الأميركية. ولذلك، سارع الجابري، مباشرة بعد عزل بن نايف، إلى مغادرة المملكة خشية البطش به. ومنذ ذلك الحين، لم يدخر بن سلمان جهداً في محاولة إرغامه على العودة إلى المملكة، سواء من الولايات المتحدة، أو من كندا التي هرب إليها مخافة أن تسلمه إدارة ترامب. أما السبب المباشر لإصرار بن سلمان على إعادة الجابري إلى السعودية فلأنه، حسب نص الدعوى، أكثر الناس اطلاعاً، بحكم موقعه الرفيع، سابقاً، في الدولة وفي وزارة الداخلية، على فساد ولي العهد المالي والتجاري، وتوظيفه مرتزقةً لمطاردة خصومه. أضف إلى ذلك، خشية بن سلمان من علاقات الرجل الواسعة والعميقة مع الاستخبارات الأميركية، وخصوصاً أن معلومات تقول إنه قد يكون مصدر وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) في تأكيد أن ابن سلمان هو نفسه الذي أمر بتصفية خاشقجي. وبالتالي، فإن ولي العهد يرى فيه أكبر خطر يتهدد اعتلاءه العرش.

سارع الجابري، مباشرة بعد عزل بن نايف، إلى مغادرة المملكة خشية البطش به

كشف الإطار السابق كنه "دولة العصابة" التي هي عليها السعودية اليوم. لم يقف الأمر عند قرصنة هاتف الجابري عبر برنامج خبيث، بل أيضا تتضمن وثائق الدعوى القضائية رسائل عبر تطبيق واتساب يهدّد فيها بن سلمان الجابري ويتوعده، إن لم يعد طوعاً. وعندما لم تنجح الجهود لاستعادته عبر منظمة الشرطة الجنائية الدولية (إنتربول)، بعدما قرّرت المنظمة أن الطلب السعودي مسيس، ولا أسس قانونية له، لجأ محمد بن سلمان إلى منطق العصابات. كانت البداية في اعتقال ولدي الجابري، عمر (22 عامًا)، وابنته سارة (20 عامًا). كما تم اختطاف شقيقه من دبي، وتسليمه للسعودية وتعذيبه. وتوسع الأمر ليشمل أقارب آخرين للرجل، وتعذيبهم داخل المملكة وخارجها، كما يقول نص الدعوى. ولم تفلح توسلات الجابري لبن سلمان أن يطلق ولديه، إذ ساومه بالعودة مقابل الإفراج عنهما، وهو لا يعرف اليوم ما إذا كانا على قيد الحياة أم قتلا. 

لم تفلح توسلات الجابري لبن سلمان أن يطلق ولديه، إذ ساومه بالعودة مقابل الإفراج عنهما، وهو لا يعرف اليوم ما إذا كانا على قيد الحياة أم قتلا

ولكن منطق العصابات الذي يختزنه ولي العهد السعودي لا يعرف حدوداً. تفصّل مذكرة الدعوى، في 107 صفحات، جهوده للتخلص من الجابري. كانت البداية في إرسال عملاء لتحديد مكان إقامته في أميركا. وعندما حذّره وابنه في مدينة بوسطن جهاز التحقيقات الفدرالي (أف بي آي)، انتقلا إلى العيش في كندا. كان ذلك الخيار الأمثل، فعلاقة ترامب وبن سلمان مريبة، ولا يستبعد أن ترامب كان سيسلمه. وأخطر ما في القضية، والذي يؤكد أننا أمام زعيم عصابة، أو مافيا، لا رجل دولة، يتمثل في تفاصيل توردها مذكرة الدعوى عن إرسال بن سلمان "فرقة النمر" إلى كندا، في الخامس عشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2018، أي بعد أقل من أسبوعين من تصفيتها خاشقجي في إسطنبول، بغرض قتل الجابري. "فرقة النمر"، أو "فرقة الموت"، قوة قوامها 50 شخصاً، أنشأها محمد بن سلمان جهازا يعمل خارج مؤسسات الدولة، بغرض تصفية خصومه في الداخل والخارج، ويشرف عليه أقرب مستشاريه، كالنائب السابق لرئيس المخابرات العامة أحمد عسيري، ومستشاره السابق سعود القحطاني. وكلاهما، وغيرهما، متهمون رسمياً في جريمة اغتيال خاشقجي.

المفارقة أن هذه الفرقة المتوحشة التي يُفترض أنها مكونة من محترفين عسكريين وأمنيين واستخباريين وأطباء شرعيين أثبتت، كما في قضية خاشقجي، غباء منقطع النظير. عند محاولة عناصر القوة دخول كندا بتأشيراتٍ سياحيةٍ شك فيهم مسؤولو الحدود الكنديون، وتفيد معلومات بأن الاستخبارات الأميركية أخطرت نظيرتها الكندية. أنكر الرجال الذين وزّعوا أنفسهم عند محاولتهم الدخول معرفة بعضهم بعضاً. ولكن بعد فحص حقائبهم وجد عناصر الأمن الكنديون صورة مع أحدهم تجمعهم. أبعد من ذلك، احتوت حقيبتان من الحقائب التي تمَّ تفتيشها على معدات وأدوات تحقيق جنائي، وكان من بين العناصر الموقوفة طبيب شرعي يبدو أن دوره كان تنظيف مسرح الجريمة المفترضة. كانت النتيجة أن أبعد جميع العناصر من كندا، باستثناء واحد كان يحمل جواز سفر ديبلوماسي، سُمح له بالدخول. ومن المهم التنبيه هنا إلى أن وقائع هذه المحاولة جرت قبل أيام من انفضاح كيفية تنفيذ جريمة قتل خاشقجي عالمياً.

منطق العصابات الذي يختزنه ولي العهد السعودي لا يعرف حدوداً

 

ما سبق، وهو غيض من فيض، يثبت أننا أمام دولةٍ تحولت إلى منظمةٍ إجراميةٍ تحت حكم محمد بن سلمان. ويمكن إيراد وقائع أخرى هنا، مثل دعم الثورات المضادة عربياً، وتدمير اليمن، وتمويل الانقلاب في مصر، وما كشف عنه الجابري أن بن سلمان شجّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التدخل في سورية، عام 2015، نكايةً بتركيا. أيضاً، هناك حصار قطر في يونيو/ حزيران 2017، وما نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، أخيرا، أن الملك سلمان بن عبد العزيز اقترح على ترامب، في اتصال هاتفي بينهما في السادس من يونيو/ حزيران 2017، غزو قطر، إلا أن الأخير رفض ذلك. هذا ليس أمرا جديدا، وإنما تأكيد لمعلومة تعدّدت مصادرها. ومع ذلك، لا يحظى أيّ مما سبق بالأهمية نفسها مقارنة بأفعال العصابات والمافيات المشار إليها، إذ يمكن لأحدهم أن يجادل بأن سلسلة الأفعال الأخيرة تندرج ضمن سياسات الدول، مهما كانت عدوانية وغير شرعية وغير أخلاقية. 

تبقى إضافة أخيرة متعلقة بغباء نظام بن سلمان الذي لا يقف عند الفضائح الشنيعة لـ"فرقة النمر"، بل تتعدّى ذلك إليه شخصياً. مثلاً، كيف يمكن فهم أن يهدّد هذا الأخير خصما له يقيم في دولة غربية (كندا) علاقات بلاده الديبلوماسية متوترة معها! وكيف يمكن فهم تهديده رجلا وثيق الصلة بالأجهزة الاستخباراتية الغربية، وتحديداً الأميركية منها! وكيف يمكن فهم محاولة تصفية الجابري بعد أقل من أسبوعين من اغتيال خاشقجي، عبر العناصر نفسها، وبالأسلوب نفسه، في وقت كانت فيه المملكة في عين العاصفة! وكيف يمكن فهم أنه أراد ارتكاب تلك الجريمة في حين يضغط الحزبان الأميركيان، الديمقراطي والجمهوري، لأخذ موقف حازم معه. وكيف يمكن فهم أن يراسل بن سلمان الجابري مهدّداً ومتوعداً عبر تطبيق واتساب، وبلاده متهمة باختراق التطبيق أصلاً! بمعنى أن أجهزة استخباراتية أخرى، أكثر تقدماً، لا شك أنها قد قرصنته قبلها.

باختصار، يمثل محمد بن سلمان نموذج قائد العصابة البلطجي الدموي، ولكن منعدم الذكاء، فالسعودية بقيادته كالثور في محل الخزف، أينما استدار حطّم الأواني. في المقابل، يمثل ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، نموذج قائد العصابة البلطجي الدموي، ولكنه أحلس أملس، فالإمارات تحت حكمه كـ"الحية تحت التبن".