بنية تحتية سيئة في مصر

16 ديسمبر 2018
الصورة
"طريق" مستحدث في رأس غارب بالبحر الأحمر (فريد قطب/الأناضول)
+ الخط -
موسم الأمطار يمثل مصيبة كبيرة على مصر وشعبها، على عكس العديد من دول العالم التي يفرح شعبها بالهطول الموسمي. السبب هي الأخبار السيئة التي تعلن عنها الهيئة القومية للأرصاد الجوية، حول غرق البلاد بالمياه، وتحول الشوارع إلى برك ومستنقعات، ما يؤدي بدوره إلى تعطيل حركة المرور وغرق ملايين الأفدنة الزراعية وتضرر المزارعين بسبب ضياع المحصول، بالإضافة إلى حوادث الطرقات وسقوط الأشجار والأعمدة الكهربائية، وصولاً إلى وفاة العشرات، مع كلّ ما في ذلك من ارتباك لأجهزة الدولة في التعامل مع الأمطار التي تمثل حدثاً طبيعياً عادياً.

الأمطار التي تواجهها مصر كلّ عام، ابتداء من نوفمبر/ تشرين الثاني، تكشف عن حالة الترهل في البنية التحتية للدولة، بداية من انسداد البالوعات (قنوات التصريف) في الشوارع الرئيسة، وانكشاف العيوب الكثيرة في تصميم معظم الطرقات، سواء القديمة أو الحديثة، وفشل العديد من الشوارع المزودة بشبكات صرف صحي حديثة في التعامل مع تجمعات المياه، سواء أكانت الأمطار متوسطة أم غزيرة، وتعطل الشبكات، بالرغم من إعلان الحكومة المصرية عاماً بعد عام أنّها في صدد إنفاق مليارات الجنيهات استعداداً لموسم الشتاء. كذلك، تتعطل مخرّات (قنوات تصريف) السيول في كثير من القرى والمدن.




بالرغم من كلّ ذلك، لم تتجه الحكومة المصرية إلى محاسبة من تسبّبوا في هذا الضعف والترهل في أعمال البنية التحتية. وكان أعضاء في مجلس النواب (البرلمان) المصري، قد طالبوا الحكومة بضرورة استبدال شبكة الصرف الصحي الحالية في عدد من المحافظات بأخرى حديثة، نظراً لعدم قدرة الشبكة الحالية على تصريف المياه، وهو ما تسبب في تجمعات مياه كبيرة في مختلف المناطق، مؤكدين في بيانات لهم على أنّ البنية التحتية في كثير من المناطق ضعيفة، وتحتاج إلى إعادة نظر، علاوة على سوء التخطيط وعجز شبكات الصرف الموجودة حالياً عن تصريف مياه الأمطار، خصوصاً في المدن الجديدة، إذ وصف رئيس لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، أحمد السجيني، سقوط الأمطار بأنّه يكشف "عورات المحافظين"، مطالباً الحكومة بتفعيل دور إدارة الأزمات والكوارث في المحافظات لتكون على أتم استعداد لمواجهة الأمطار الغزيرة والسيول، مشيراً إلى أنّ التغيرات المناخية في السنوات الأخيرة تحتم علينا أن نكون على أتم الاستعداد لمواجهة الأمطار والسيول.

وكانت محافظات مصر قد واجهت كميات من الأمطار والسيول في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017 من دون أن تكون عبرة للحكومة في العمل على مواجهتها، وحتى المدن الجديدة لم تستطع الصمود، إذ غرقت "القاهرة الجديدة" المعروفة بحداثة مبانيها وشوارعها وبنيتها التحتية، وارتفاع أسعار العقارات فيها، فضلاً عن أهميتها لقربها من العاصمة الإدارية الجديدة. هناك، غرقت السيارات والشوارع والطوابق السفلى، بعد هطول أمطار غزيرة وغير معتادة، ونُشرت صور على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر الفيضانات والأضرار التي لحقت بإحدى الضواحي الراقية في القاهرة. واشتكى سكان المنطقة بعدما وجدوا أنفسهم محاصرين بالمياه، كما تعرضت مدينة نصر، ومصر الجديدة، وعدد كبير من شوارع شرق القاهرة الراقية، ومدينة 6 أكتوبر، والشيخ زايد، وحي المهندسين، والدقي، لتلك الفيضانات.



الإسكندرية من المحافظات التي تصيبها الكوارث في موسم الأمطار، إذ تغرق سريعاً وتقفل المحلات التجارية، وينقطع التيار الكهربائي، وتسقط أعمدة، ولا يخلو الأمر من مقتل بعض السكان في حوادث مرتبطة. يتكرر ذلك في محافظة البحر الأحمر، ومحافظة أسيوط التي شهدت سقوط ضحايا وغرقت منازل فيها ونفقت مواش. كذلك، تسببت الأمطار التي وقعت من قبل في محافظة البحيرة في وقوع ضحايا وصل عددهم إلى 28، من بينهم 8 لقوا مصرعهم صعقاً بالكهرباء، وانهارت ثلاثة مبانٍ. وفي الدقهلية والغربية تسببت الأمطار في جرف آلاف الأفدنة الزراعية، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة لدى المزارعين، ولم تتحرك الحكومة لتعويضهم.



يقول خبير التخطيط العمراني في جامعة "القاهرة"، الدكتور عباس الزعفراني، إنّ الأمطار في حال استمرارها لمدة ساعة، تكشف مدى حالة التردي التي وصلت إليه البنية التحتية في المحافظات التي على رأسها القاهرة، مشيراً إلى أنّ أغلب الطرقات في مصر فيها عيوب في التصميم والتخطيط، فتغيب البالوعات على جانبي الطريق. يتابع أنّ كميات الأمطار التي تهطل في الشتاء على الدول الأوروبية كفيلة بإغلاقها، لكن، بنتيجة توفر شبكة قوية للصرف الصحي تختفي المياه خلال ثوانٍ معدودة، على عكس ما يحدث في مصر. يلفت إلى أنّ هناك "انعدام ضمير" ويضرب مثالاً على ذلك بغرق القاهرة الجديدة العام الماضي، بالرغم من أنّها من المدن الحديثة التي يجب أن تتوفر فيها بنية تحتية سليمة.



يضيف أنّه بالرغم من أنّ أزمة الأمطار سنوية، فالمسؤولون يتعاملون معها كل مرة بطرق تقليدية، وهو ما لا ينفع، إذ لا يعقل التعامل مع ملايين الأمتار المكعبة من المياه بعربات الشفط فقط. يؤكد: "لا بدّ من حلول أخرى تعرفها الحكومة جيداً، فالبنية التحتية والمرافق بالمدن والمحافظات ما زالت متهالكة ومليئة بالمشاكل، ومتوارثة من حكومة إلى حكومة". ينتقد المطبّات العشوائية التي تزرعها المحليات في الشوارع من دون أي التزام بالمواصفات، ما يُسبّب هبوطاً أرضياً تتجمع فيه المياه، كما أنّ هناك عيوباً فنية في عدد من الشوارع الرئيسة، خصوصاً في المدن الكبرى، ما يتطلب مراجعة وصيانة، لا سيما أنّ مياه الأمطار خلال السنوات الماضية تتسبب في تآكل الطبقة الإسفلتية، وأدى ذلك إلى حفر لم تعالج. يتابع: "هي كوارث كبيرة على الطرقات يجب تحرك الحكومة لعلاجها، وإعادة النظر في بعض الشوارع القديمة وتعديل الجديدة وإصلاح العيوب الفنية فيها، وإنشاء شبكة تصريف لمياه الأمطار فور هطولها على جانبي الطريق كي لا تتكرر المأساة مع كلّ موسم أمطار".

بدوره، يكشف الخبير الاقتصادي الدكتور، رشاد عبده، أنّ مصر في حاجة ماسّة إلى الأمطار التي تسقط كلّ عام خلال فصل الشتاء، خصوصاً في ظل قصور موارد المياه حالياً، لكنّها للأسف تهدر جميعها، كما يقول. يشير إلى أنّ دولاً عربية وإسلامية لديها شبكات لتصريف الأمطار جاهزة طوال الوقت لمواجهة أيّ موجة محتملة من الهطول للاستفادة منها. يتابع أنّ نصيب المواطن المصري من المياه انخفض إلى أقل من 650 متراً مكعباً في العام، بينما يبلغ المتوسط العالمي 1000 متر، وهو ما يجعل الحكومة تفكر في طرق للحفاظ على كمية المياه المهدرة من الأمطار سنوياً كونها كبيرة جداً.




يضيف عبده أنّ بناء سد النهضة الإثيوبي سيؤدي إلى كثير من المخاطر والأزمات المائية لمصر، وسيقلل حصتها المقدرة بـ 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، ومصر تعتمد حالياً بنسبة 97 في المائة من مواردها المائية على نهر النيل، وتعاني من ضغوط مائية لتوفير المياه العذبة. يتابع أنّ فشل الإدارات المحلية بالمحافظات في مواجهة السيول والأمطار المتكررة سنوياً يكبّد الحكومة المصرية خسائر بالمليارات في البنية التحتية، بنتيجة عدم الاستعداد الجيد لسقوط هذه الكميات من المياه.

المساهمون