بنقردان تروي حكايات "الإثنين الأسود": حرب حقيقية ضد الإرهاب

بنقردان تروي حكايات "الإثنين الأسود": حرب حقيقية ضد الإرهاب

13 مارس 2016
الصورة
يؤكد الأهالي وقوفهم إلى جانب قوات الأمن(صفحة ولاية قابس)
+ الخط -


بدأت مدينة بنقردان التونسية تستعيد حياتها الطبيعية تدريجياً، بخوف وريبة من تجدد الاشتباكات بين قوات الأمن والعناصر التابعة لتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، خصوصاً أن السلطات التونسية لم تعلن بعد عن انتهاء المواجهات، مع استمرار ملاحقة المشبوهين، وتمشيط الأحياء واقتحام البيوت التي قد يتحصن بها المتشددون التابعون للتنظيم.

ومع عودة الهدوء، بدأت المدينة تتذكر لحظات المواجهات الأولى، وقصص القتلى، وروايات الأهالي حول لحظات الرعب التي عاشها أكثرهم. "العربي الجديد" تحدثت إلى الأهالي، الذين لا يزال بعضهم في وسط المعاناة، ومنهم مبروك الموثق، والد الفتاة سارة (14 عاماً)، التي قُتلت بالمواجهات، وهو الذي أطلق مقولته الشهيرة في وسائل الإعلام التونسية: "بلادي قبل أولادي ووطني قبل بطني". يقول الموثق لـ"العربي الجديد": "قدّمتُ ابنتي شهيدة لأجل تونس. صحيح حزنت كثيراً عليها، لكن هذا ما أراده الخالق، ولن نبخل على تونس بدمائنا ولا بمالنا". ويتذكّر الموثق ما حصل قائلاً: "كنت في عملي كحارس عندما وصلني خبر المواجهات العنيفة قرب مكان سكني، وعلى الرغم من تحذير ابنتي من مغبة الخروج في ذلك الوقت، إلا أن خوفي على عائلتي جعلني أترك العمل وأعود مسرعاً إلى المنزل، لكني فوجئت بنبأ استشهاد ابنتي سارة التي كانت ملقاة على الأرض وأمها تحتضنها". ويوجّه الموثق رسالة إلى الحكومة التونسية قائلاً: "أنا لا أطلب شيئاً لنفسي بل أطلب توفير فرص عمل ومشاريع لشباب بنقردان، لأن الشباب هم مستقبل تونس".

من جهته، يروي زياد، أحد شباب المنطقة الذي رفض إعطاء اسمه بالكامل لأسباب أمنية، ما حصل ذلك اليوم، قائلاً في حديث لـ"العربي الجديد": "بيتنا يبعد حوالي ألفي متر عن المنطقة العسكرية التي أراد الإرهابيون اقتحامها. يوم الحادثة سمعنا أصوات إطلاق النار في الساعة الخامسة صباحاً، فخرجت مع سكان الحي إلى الشارع. في البداية ظننا أنها حادثة عابرة، إلا أننا فوجئنا بهول المواجهات بين الإرهابيين والجيش الوطني، وكأنها حرب حقيقية، خصوصاً أن عدد الإرهابيين كان مهولاً نظراً لحجم إطلاق النار الذي حصل في عدة اتجاهات".

ويضيف: "المواطنون هنا كانوا سنداً حقيقياً للجيش الوطني، فكنا له دليلاً على الأماكن التي يمكن أن تكون مخبأً للإرهابيين، ورفض السكان مساعدة هؤلاء الدواعش الذين طلبوا المؤونة وكذلك المساعدة لإسعاف المصابين منهم، ما جعلهم يفقدون صوابهم ويقتلون بعض المدنيين، حتى أن أحدهم ضرب صديقاً لي بسلاحه على رأسه لأنه رفض إعطاءهم سيارته لاستغلالها في اقتحام مراكز أمنية"، مشيراً إلى أن "المدينة هادئة عادة ولم نعتد على مثل هذه المواجهات الدامية وعلى هذا الكم من الموتى".

أما عن أوضاع بنقردان بعد المواجهات، فيوضح زياد أنها "لا زالت مضطربة شيئاً ما، والكل هنا يتحرك بحذر، والمداهمات الأمنية على أشدها، والمواطنون كلٌ من مكانه يريد مساعدة الأمن والجيش للقضاء على هؤلاء الإرهابيين ليعود الهدوء إلى المدينة وتعود المتاجر إلى عملها، خصوصاً أن اغلب الأهالي في المدينة من التجار، والإرهاب يهدد مورد رزقهم الوحيد": ويضيف: "عند صلاة الجمعة (أول من أمس) في الجامع الذي انطلق من محيطه هجوم الإرهابيين، قمنا بمراقبة كل المصلين حتى لا تخترقنا عناصر إرهابية، خصوصاً أننا فوجئنا بوجود الكثير ممّن نعرفهم في منطقتنا ضمن الخلية التي أرادت احتلال مدينتنا".

وأدى أهالي مدينة بنقردان صلاة الجمعة في ظروف عادية من دون تعزيزات أمنية في جامع "جلّال" الذي حملت جدرانه آثار الرصاص، باعتبار أنه يوجد قبالة ثكنة الجيش الوطني التي شهدت أولى محاولات الاقتحام من قبل عناصر "داعش" يوم الاثنين الماضي. كما فتحت العديد من المحال التجارية والمخابز أبوابها لسكان بنقردان لشراء المستلزمات، فيما ظلت المؤسسات التربوية والمنشآت العامة والأسواق مغلقة لدواعٍ أمنية.

اقرأ أيضاً: هجوم بنقردان يضع العلاقات التونسية الليبية تحت الاختبار

كثيرة هي القصص التي رافقت الأحداث التي عاشتها مدينة بنقردان، كلها قصص تكاد تكون غريبة على التونسيين وعلى أهالي المنطقة، خصوصاً أن مدينة بنقردان الحدودية بين تونس وليبيا منطقة صغيرة تفتقر إلى التنمية الاقتصادية ويقتصر نشاط أهلها على التجارة الموازية منذ عشرات السنوات ولم تعش من قبل مثل هذه المواجهات، على الرغم من قربها الجغرافي من ليبيا.

وتروي مريم، الشابة من بنقردان، لـ"العربي الجديد"، ما جرى معها ذلك اليوم، قائلة: "عشنا أوقاتاً عصيبة جداً والأوضاع لا تزال مقلقة حتى اليوم، ومنذ يومين اقتحم إرهابيان منزل أخي ووجدا زوجته بمفردها فهدداها بالقتل إن لم تمدهما بدليل يؤكد أن زوجها لا يعمل في سلك الأمن، وعندما تأكدا من ذلك دخلا المنزل وأخذا منه كل المؤونة الموجودة وتركا زوجة أخي الحامل في حالة هستيريا وخوف". وتضيف مريم: "تم إبلاغ قوات الأمن التي قامت بالبحث عنهما والقضاء على أحدهما، فيما الثاني لا يزال فاراً"، معلنة أنه "بسبب هذه الحادثة أُجبرنا على مغادرة منزلنا خوفاً من هجوم آخر للإرهابيين". وتؤكد مريم أن "كل رجال منطقتنا يساعدون رجال الأمن والجيش في التعرّف على العناصر الإرهابية، وفي مرافقتهم إلى الأماكن التي من الممكن أن يختبئ فيها هؤلاء المجرمون، كالبنايات المهجورة وإسطبلات الحيوانات".

أما الشابة براءة الجريء، فتتحدث لـ"العربي الجديد" عن مقتل عمّيها يوم الاثنين، "عبد الكريم الجريء، الأمني المتقاعد، ولسعد الجريء، الأستاذ الثانوي والناشط الحقوقي"، مشيرة إلى أنهما "كانا يلاحقان إرهابياً لتسليمه للأمن، لكنه باغتهما وأطلق النار عليهما فأرداهما قتيلين"، مضيفة: "على الرغم من حزني الشديد إلا أنني فخورة بهما لأنهما قاما بحمايتنا من الإرهابي الذي كان يريد اقتحام منزلنا".

أما الشاب عبدالباسط، فيعتبر أنه "لولا إرادة المواطنين في بنقردان وحبهم لتونس لكانت النتائج كارثية"، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن "الأهالي كانوا جنباً إلى جنب على الرغم من الخطر على أرواحهم، في مساندة الجيش والأمن للقضاء على العناصر الإرهابية التي أرادت اغتصاب أرضنا وجعلها إمارة داعشية".

حالة التحدّي التي أظهرها أهالي بنقردان في وجه "داعش"، كانت حاضرة أيضاً عند أهالي العسكريين القتلى في المواجهات، وبدت واضحة في كلام لرقية المري، والدة الجندي عبد الباسط المري (35 عاماً)، الذي قُتل في هجوم بنقردان. رقية خاطبت المشاركين في جنازة ابنها بالقول: "لا تصرخوا ولا تبكوا... زغردوا، فابني روى بدمه تراب بلده الغالية". تقول رقية، التي هي من منطقة مطرش، محافظة قابس، جنوب تونس، لـ"العربي الجديد": "لقد رفع ابني رأس العائلة، لأنه ضحى بنفسه من أجل وطنه. مات وهو يدافع عن بلده، وعلى رغم الألم والحزن، إلا أنني سعيدة وفخورة بابني. لقد أطلقت الزغاريد يوم جنازته، وطلبت من النسوة أن يزغردن ولا يبكين. أردته يوم فرح وليس يوم حزن". وتضيف أنّها كانت سعيدة على الرغم من صعوبة ولوعة الفراق، "سعيدة لأن هناك رجالاً يدافعون عن تونس"، قائلة إنها لا تشعر بالخوف على وطنها، "فالتونسيون يد واحدة ضد الإرهاب".

من جهتها، تقول بشرى، أرملة عبد الباسط، إن زوجها كان في إجازة وعاد يومها للعمل. وتشير إلى أن زوجها لم يكن كعادته في ذلك اليوم، بل "كان قلقاً" وأوصاها عدة مرات بأن تنتبه إلى نفسها وأن تهتم بابنته الرضيعة.

اقرأ أيضاً: تونس: "داعش" يتبنى هجوم بنقردان ويتوعد

المساهمون