بنجامين ستورا والذاكرة الاستعمارية بين الجزائر وفرنسا

31 يوليو 2020
الصورة

المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا في باريس (7/11/2011/Getty)

تتسارع خطوات الجانبين، الجزائري والفرنسي، لتجاوز عقبات الذّاكرة التاريخية المشتركة، بإقرار إنشاء لجنة ثنائية، يقودها من الجانب الجزائري، عبد المجيد شيخي، وهو شخصية أكاديمية وطنية، معترف لها بالقدرات العلمية والمعرفة العميقة بالملف التاريخي، بكل حيثياته، في حين أنّ فرنسا عينت من سيكون الطرف الثاني في اللجنة، ممثلا لهـا، وهو المؤرّخ بنجامين ستورا، صاحب التصانيف الكثيرة في تاريخ الجزائر. ولئن قبلت الجزائر به، إلا أن ثمّة مؤاخذات عليه، يجب عدم السُّكوت عليها، لأنّ الرجل من سيقرّر مستقبل ملّف بحجم الذّاكرة التّاريخية للجزائر، بكل ما يحمله من مآس وجرائم ضد الإنسانية، يجب التّأكيد عليها حتى يكون التفاوض على قدم المساواة. ولكن بعد الاتفاق على مسلّمات عديدة تمنح للذاكرة مكانتها المحورية في تماسك المجتمع الجزائري، وتعيد التوازن إلى العلاقات الجزائرية الفرنسية، بل المغاربية الأوروبية.

لن يتم التفاوض إلا على الإجراءات الكفيلة بتفعيل الاعتراف، الاعتذار ثم التعويض لأنّ مضمون ملف الذاكرة لا يتم التفاوض بشأنه، كونه ينطلق من مسلّماتٍ، جاء الكاتب على ذكر عديد منها في مقالات سابقة في "العربي الجديد"، على غرار تسمية الاستيطان وتجريمه، عدد شهداء الفترة الاستيطانية، الأرشيفين العثماني والفرنسي للفترة السابقة على الوجود الفرنسي في الجزائر والتالية له، جماجم مجاهدي المقاومة المحتجزين في متاحف فرنسية، مجنّدي الحروب الفرنسية في الحربين العالميتين، الأولى والثانية، وحرب الهند الصينية من الجزائريين، وملف الحركى (الجزائريين المتعاونين مع فرنسا في الحرب التحريرية الكبرى والذين تعتبرهم فرنسا مقاومين ضمن صفوف عسكرييها)، وصولا إلى ضحايا التجارب النووية الفرنسية في الصّحراء الجزائرية وضحايا الألغام التي ما زالت تحصد، على الحدود الجزائرية الغربية والشّرقية، مع تونس والمغرب، جزائريين عديدين.

ملف الذاكرة شأن استراتيجي بالنسبة للجزائر، إذا أرادت أن يكون المنطلق في بناء مشروع قوّة

يأتي التّركيز على هذا الأمر، كون صحف جزائرية تحدثت، في هذا المقام، عن انطلاق مسار مفاوضاتٍ عسيرة بشأن الذّاكرة، في حين أن التفاوض لن يكون إلاّ على الثلاثية القانونية التي تم ذكرها. وهنا المؤاخذة الأولى على شخص ستورا الذي صرّح، من دون مواربة، إن الاعتذار عن الجرائم الاستيطانية الفرنسية في الجزائر لا يمكن أن يحدُث، لأن للمسألة صلة بالجرائم، تكييفها، ثمّ كيفية الحديث عنها من دون المرور إلى إقرار معادلة الاعتراف التي سعت إليها فرنسا وجسّدتها بالنّسبة لمسؤولية الدّولة الفرنسية على محرقة اليهود التي انطلقت في 1940، في أثناء الحرب العالمية الثانية، من القبض على اليهود، مساعدة الدّولة الفرنسية بوسائلها في نقلهم إلى أفران المحتشدات في بولندا، على وجه الخصوص، ليتلو ذلك الاعتذار، ثمّ التّعويض لعائلات ضحايا المحرقة، مثل ما حدث في ألمانيا، أيضا، بشأن الملف نفسه.

يُعرف ستورا، في فرنسا، بأنه صديق عديد الرؤساء ومستشارهم في ملف الذاكرة التاريخية بين الجزائر وفرنسا، فقد دخل قصر الاليزيه في عهود ميتران وشيراك وساركوزي وهولاند، ثم ماكرون. وكان مستقرّا في آرائه، عندما يُثار ملف العلاقات الجزائرية الفرنسية، ودور الذاكرة في إعادة التوازن لها، ومركّزا، دوما، على مسائل الجرائم، ظلامية المرحلة الاستيطانية، إضافة إلى وجوب العمل على نزع فتيل هذا الملف، ولكن من دون التعبير، صراحة، عن ثلاثية الاعتراف، الاعتذار ثم التعويض، ليبقى في دائرة من يساوي بين جرائم الاستيطان وما يسميه عنف الجزائريين، أي عنف المستعمَرين (بفتح الميم)، وهو لب ما حاول الوزير الجزائري السابق، سليمان الشيخ، الحديث عنه في رسالته للدكتوراه التي ناقشها في فرنسا، وبيّن فيها خطأ من يفعل ذلك، لأن العنف الاستيطاني هو الأصل والعنف الآخر، من الجزائريين، من 1830 إلى 1962، ردّ فعل للدّفاع عن النفس وتحرير الوطن.

ليس ستورا المفاوض الأمثل في لجنة الذّاكرة بين فرنسا والجزائر، وهو الذي بصدد تحضير تقرير كلّفه به ماكرون، بشأن ملف الذاكرة التاريخية

لا يُراد من هنا الحديث أن ستورا طرف في الذاكرة، لأنه من "الأقدام السوداء"، أي أولئك الفرنسيين الذين استوطنوا الجزائر، مستمتعين بخيراتها، في حين أن الجزائريين كانوا في عداد الأهالي، مواطنين من الدرجة الثانية، في وطنهم. ولا يمكن لستورا أن ينسى كيف غادر الجزائر مع آلاف ممن غادرها من المعمّرين الفرنسيين، غداة الإعلان عن وقف إطلاق النار في الجزائر في مارس/ آذار 1962. وقبل الاستفتاء الذي نظم لإقرار استقلال البلاد عن فرنسا في يوليو/ تموز من العام نفسه. كما لا يُراد هنا الحديث عن شعور الحنين الذي ينتاب المعمّرين الفرنسيين، وما زال، عندما يتذكّرون الجنة التي غادروها والجحيم الذي وصلوا إليه أعواما، في فرنسا، حيث لم يستطع كثيرون منهم هضم مسألة استقلال الجزائر، وتضييعهم ممتلكاتهم، والوطن ظنّوا أنّه ملكهم إلى الأبد، من دون أصحابه الجزائريين.

تلك هي أسباب للتحفظ على تعيين ستورا ممثّلا للدّولة الفرنسية في لجنة الذّاكرة الفرنسية الجزائرية، ولا يمكن أن يرفع هذا التّحفّظ إلاّ المسلّمات أعلاه، والتي يجب أن تكون منطلق العمل من الجانب الجزائري، لأن العمل التفاوضي في ملف حيوي، بحجم الذاكرة التاريخية، يحتاج إلى مسلّماتٍ يعترف بها الجانبان، ثم لا يتم التفاوض إلا على المسائل الإجرائية لتجسيد تلك المسلمات، وخصوصا الاعتذار الفرنسي عن الجرائم الاستيطانية، بل على الاستيطان نفسه، وذلك لأن هذه المقاربة هي أفضل السُّبل لقطع الطّريق أمام جماعات ضغط فرنسية، يمينية ويمينية متطرّفة، معروفة بالعداء لمسألة الذّاكرة. وتنشر، في كل مرّة، الكتب، المجلات، بل وتتصدر البلاتوهات الإعلامية للحديث حول ذاكرة تعاكس خريطة طريق عمل اللجنة التاريخية، تمجيدا للوجود الاستيطاني الفرنسي في الجزائر، كما فعلت إحدى الصحافيات، قبل أيّام، فقط ردّا على حديث الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبّون، لقناة فرنسية، بشأن مستقبل العلاقات الفرنسية الجزائرية، وارتباطها بملف الذاكرة، وخصوصا الاعتذار الفرنسي عن ماضيها الاستعماري.

لا يمكن لستورا أن ينسى كيف غادر الجزائر مع آلاف ممن غادرها من المعمّرين الفرنسيين، غداة الإعلان عن وقف إطلاق النار في الجزائر في 1962

وعلى الرغم من ذلك كله، يجب أن تتضمن لجنة الذاكرة، لتنجح في أعمالها، بالنسبة للجانب الجزائري، مؤرّخين مشهود لهم بالضلوع في المجال، على غرار محمد بلغيث وسليمان الشيخ وغيرهما، إضافة إلى تطعيم اللجنة بمفاوضين يعرفون كيف يربطون المسائل التاريخية بالمسائل الاستراتيجية، انطلاقا من تلك المسلمات، وبقصد الوصول إلى تجسيد الثلاثية المذكورة، وإن كانت مبتورة ببندها الثالث (التعويضات)، إلاّ في ملفين، الديون الفرنسية للجزائر قبل الاستعمار، وضحايا التفجيرات النووية والألغام على الحدود الشرقية والغربية، بل يمكن الرّبط بين تلك المفاوضات وملفات فرض مراجعة اتفاقية الشراكة غير المتوازنة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، وصولا إلى إقرار أنّ غرب المتوسط والساحل امتدادان للعمق الاستراتيجي الجزائري، أي أنّ على المفاوض الجزائري أن يتنازل عن التعويض، ولكن مع مكاسب على مستوى ملفات أثقل، قد تكون خاتمتها إنهاء الوجود الفرنسي في غرب المتوسط ومنطقة الساحل لصالح قوة أخرى قد تنبعث، مستقبلا، عن اتحاد المغرب العربي.

ماكرون سيكون أمام ضغوط الحصول على أصوات اليمين واليمين المتطرّف، ما سيجعل من ملّف الذاكرة إذا تمّ التفاوض بشأنه، تحت هذه الظروف، لصالح فرنسا

بالنتيجة، ليس ستورا هو المفاوض الأمثل في لجنة الذّاكرة بين فرنسا والجزائر، وهو الذي بصدد تحضير تقرير كلّفه به الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بشأن ملف الذاكرة التاريخية (وهو تقرير انتخابي بحت، باعتبار أن ماكرون بصدد التحضير لحملة العهدة الثانية) إضافة إلى عدم التغاضي عن أن 2021 هو العام الذي يسبق الرئاسيات المقرّرة، في فرنسا، في 2022، أي أنّ ماكرون سيكون أمام ضغوط الحصول على أصوات اليمين واليمين المتطرّف، ما سيجعل من ملّف الذاكرة إذا تمّ التفاوض بشأنه، تحت هذه الظروف، لصالح فرنسا أو، على الأقل، سيكون الجانب الجزائري أمام تعنّت فرنسي لدواع انتخابية صرفة، ما يعني أنّ على الجانب الجزائري أن يركّز على المسلمات المذكورة، أهمية الصوت الانتخابي للجالية الجزائرية والمغاربية (زهاء ستة ملايين صوت)، مع المسارعة إلى الضغط بسن قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في البرلمان الجزائري، ويكون ذلك متبوعا بتطبيق مبدأ عدم إقرار أيّ اتّفاق إلا بذلك المضمون، أو تأجيل المفاوضات إلى ما بعد الرئاسيات لمنع لجوء ماكرون، أو مرشّحين آخرين، إلى استغلال ملّف الذاكرة في الحملات الانتخابية، ما يقلّل من شأن مضمونه، بل و يُصعّب، في المستقبل، الوصول إلى اتفاق يرضي الطرف الجزائري، بالمضمون المذكور.

يُعتبر ملف الذاكرة شأنا استراتيجيا بالنسبة للجزائر، إذا أرادت أن يكون المنطلق في بناء مشروع قوّة، أساسه فرض الاعتراف على فرنسا في ملفٍّ حيوي، ثمّ استغلاله للوصول إلى إقرار المكانة المستقبلية للجزائر المغاربية، المتوسطية والساحلية، أو يجب أن يكون كذلك، وهو أمل من قضى من الجزائريين من لدن أوّل شهيد سقط في معارك 1830 إلى من يموت، اليوم، بالسرطان من جرّاء التفجيرات النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، أو الذين يسقطون تحت ألغام زرعها الفرنسيون في الجزائر.