بلجيكا تقاضي نموش وبندرير: محاكمة "تاريخية" على الصعيد الأوروبي

بلجيكا تقاضي نموش وبندرير: محاكمة "تاريخية" على الصعيد الأوروبي

10 يناير 2019
الصورة
يأمل سيباستيان كورتوي، محامي نموش، بتبرئة موكله (فرانس برس)
+ الخط -

بعد أن تمّ اختيار ثمانية رجال وأربع نساء يوم الإثنين الماضي لتشكيل هيئة المحلفين في محاكمة الفرنسيين مهدي نموش وشريكه ناصر بندرير، المتهمين بالاعتداء على المتحف اليهودي في بلجيكا في مايو/ أيار عام 2014، وهو ما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص، تنطلق، اليوم الخميس، أول محاكمة فعلية لمنفذي جرائم تنظيم "داعش" في أوروبا. ويعدّ نموش المتهم الرئيسي في القضية، فيما يتهم بندرير بمساعدته.

جريمة واعتقال بالصدفة

اثنتان وثمانون ثانية هو الوقت الذي كان كافياً لمنفّذ الاعتداء على المتحف اليهودي في بلجيكا، مهدي نموش، لسلب أرواح أربعة أشخاص، يوم السبت في 24 مايو/ أيار 2014. العملية التي سجّلتها كاميرات المراقبة، تمّت في حي كان يشهد، في ذلك اليوم، نشاطاً كبيراً، نظراً للطقس الجيّد حينها، وحفلات ماراثون الجاز التي صادفت في ذلك الوقت أيضاً. وتظهر الصور رجلاً يسحب مسدساً من حقيبة ليطلق النار مرتين في اتجاه زوجين سائحين إسرائيليين كانا يزوران المتحف قبل أن يوجه بندقية إلى امرأة فرنسية تعمل في مكتب الاستقبال وموظّف بلجيكي شاب، ويصيبهما بشكل قاتل. وقالت إحدى زائرات المتحف التي كانت شاهدة على الحادثة، للمحققين، "شعرت وكأنني أرى جندياً. فقد بدا هادئاً جداً ومركّزاً، وكأن شيئاً لم يحدث". وهو ما أكّد عليه العديد من الشهود الذين شاهدوا منفّذ العملية يغادر المكان.

ورغم محاولات الشرطة البلجيكية القبض عليه، فإنها فشلت في اعتقال المتهم في الأيام الأولى التي تلت تنفيذه العملية. وبعد ستة أيام، اعترض ضباط جمارك فرنسيون، بالصدفة، رجلاً في محطة مرسيليا، عند وصول حافلة من أمستردام عبر بروكسل، في إطار تفتيش يتعلّق في الأساس بمهربي المخدرات الذين يستعملون عادة هذا الخط. وتم اعتقال مهدي نموش بعد اكتشاف رجال الجمارك أنّ إحدى حقائبه تحتوي على بندقية ملفوفة في رداء، ليلتزم بعد ذلك الصمت خلال مرحلة اعتقاله في فرنسا، كما هو الحال في بلجيكا عند تسليمه. لكن حقائبه، التي يقول إنه سرقها من سيارة في بروكسل، تحمل الكثير من الدلائل ضده.

فقد تمّ العثور في هذه الحقائب على مسدس أتوماتيكي وبندقية من نوع كلاشينكوف ما زالا يحتويان على ذخيرة. كذلك أبرزت التحليلات وجود آثار من الرصاص على إحدى بدلات المتهم. بالإضافة إلى ذلك، ظهر احتواء جهاز الكمبيوتر الخاص به على سبعة مقاطع فيديو أطولها يدوم 52 ثانية، حيث يسمع صوت لا يبدو طبيعياً، يذكر بالعربية تنظيم "داعش"، ويعلّق على الصور الظاهرة في المقطع بالقول "هذه هي الأسلحة والملابس التي كنت أرتديها يوم الهجوم على المتحف اليهودي في بروكسل"، كما يأسف لأنّ الكاميرا لم تتمكّن يومها من تصوير العملية. ويعلن أخيراً أنّ "هذه ليست سوى بداية سلسلة طويلة من الهجمات على مدينة بروكسل، ولدينا العزم على نشر النار والدم في هذه المدينة".

وفي مقطع فيديو آخر، يسمع صوت يقول "عندما يحين الوقت، سوف أعلمكم بالمجموعة التي أنتمي إليها". ويفترض المحققون أنّ الأمر يتعلّق بتنظيم "داعش". لكنّ المنظمة الإرهابية لم تعلن أبداً عن مسؤوليتها عن هذا الهجوم على اليهود. وتجدر الإشارة إلى أنه في عام 2014، لم تكن لدى "داعش" بعد وكالة دعاية خاصة بها لتمجيد من تعتبرهم "جنودها".

وقد رفض مهدي نموش إجراء اختبار الصوت لتحديد ما إذا كان هو نفسه المتحدث في الفيديو. لكنّ مهندساً مختصاً في الصوت، قدّر احتمال أن يكون التسجيل لنموش، وذلك استناداً إلى مقارنة مع تسجيلات له خلال التحقيقات أثناء فترة اعتقاله.

من جهته، قال سيباستيان كورتوي، أحد محامي نموش، خلال الجلسة التمهيدية لمحاكمته الاثنين، إنه يأمل "بعد أربع سنوات، في رؤية براءته معترفاً بها". وينوي كورتوي مع مجموعة من المحامين من هيئة الدفاع عن نموش، المطالبة بتبرئة رجل تؤكّد كل الدلائل تقريباً أنه مذنب.

 

سجان "داعش"

إلى ذلك، يشدّد عدد من الصحافيين الفرنسيين، وهم ديدييه فرانسوا وبيار توريس وإدوار إلياس ونيكولا هينان، والذين كانوا رهائن لدى تنظيم "داعش" في سورية، على تعرفهم على صوت مهدي نموش، ويقولون إنّه يعود لـ"أبو عمر"، أحد خاطفيهم في سورية من قبل تنظيم "داعش" بين يونيو/ حزيران 2013 وإبريل/ نيسان 2014. ويجمع هؤلاء على أن نموش كان أحد السجانين العنيفين الذي لا يتردد بالإدلاء بتصريحات معادية للسامية. وقد وصف الصحافي نيكولا هينان، "أبو عمر"، بأنه "جهادي عنيف واستفزازي". وقال في تصريحات سابقة "مهدي نموش أساء لي بعد أن حطّم وجهي بضربات بقفازات دراجة نارية، قال إنه اشتراها خصيصاً لتحطيم وجهي". وفي مقابلة مع مجلة فرنسية في سبتمبر/ أيلول 2014، أكد الصحافي نفسه أنّ نموش "عندما لا يردد أغاني شارل أزنافور، فإنه يكون منفذاً لعملية تعذيب"، مضيفاً "كان عضواً في مجموعة صغيرة من الفرنسيين الذين يخيفون الأسرى السوريين. فكل مساء، يبدأ التعذيب في الغرفة التي تم استنطاقي فيها، ليستمرّ طوال الليل حتى صلاة الفجر. ورداً على صرخات السجناء، كانت هناك في بعض الأحيان تهديدات باللغة الفرنسية".

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2017، اتهم القضاء الفرنسي منفذ عملية المتحف اليهودي في بلجيكا "بالخطف والاحتجاز في إطار منظّم، في ما يتعلّق بمخطط إرهابي". وبعد انتهاء محاكمته في بروكسل، سيتم تسليم مهدي نموش إلى فرنسا للردّ على التهم الموجهة إليه بخصوص الجرائم التي ارتكبت في سورية.

وتعدّ هذه المحاكمة الأولى في أوروبا بشأن عملية إرهابية لتنظيم "داعش"، والأولى أيضاً لمنفذ عملية إرهابية بعد عودته من سورية. فالكثير من الدلائل تشير إلى علاقات بين مهدي نموش وعدد من أعضاء "داعش"، إذ بعد عودته من سورية في مارس/ آذار 2014، بعد رحلة قادته من تركيا إلى فرانكفورت بألمانيا، عبر أربع دول آسيوية، كان المتهم على اتصال مباشر مع عبد الحميد أبوعود، قائد هجمات 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 في فرنسا. كما كان نموش على علاقة بنجيم العشراوي، الانتحاري الذي فجر نفسه في مطار بروكسل في 22 مارس/ آذار 2016.

المساهمون