بلاغة التدمير

بلاغة التدمير

12 يناير 2020
الصورة
أنسلم كيفر/ ألمانيا
+ الخط -

في حُمّى الصراع الأميركي الإيراني، تشيع، في أيامنا، طيَّ الخطابات والعسكرية، العديدُ من العبارات المشيرة إلى "التدمير الكامل للعدوّ ومحوِهِ الكليّ من الوجود". وقد انتشرت هذه التهديدات على ألسنة قادة مُعسكَريْ البلديْن، بلا استثناء، مما يؤكّد أنها من آليات الخطاب السياسي وأدواته التي تنشطُ خلال الأزمات الكبرى بِتضخيم قوّة الذات ومُساعدتها على تخطّي المَراحل الحَرِجة التي تمرُّ بها الأُمم المتنافسة.

ومن بين تلك العبارات التي صدرت عن قادة "الحرس الثوري" الإيراني، أو تلك التي يُرسلها المسؤولون العسكريون الأميركيون: "قَطع دابِر العدو"، و"توجيه ضربة لا تُبقي ولا تَذَر"، وغيرها من المجازات المستوحاة من نصوص التراث. ولعلها كانت في الأصل مرتبطة بالإنذار الإلهي للأمم العاتية. وأمّا سِجلُّ الصور المُستحدثة، فتسود فيه عباراتٌ أكثرَ مباشرةً ووضوحًا في مداها التهديدي، ومنها: "المحو من الوجود"، و"الإزالة الكلية"، و"إعادة دولةٍ ما إلى العصر الحجري"، ولا ننسى صورة "النار والرماد" التي أطلقها ترامب تهديدًا لكوريا الشمالية... وقائمة المجازات التدميرية طويلة بحيث يمكن أن تؤلِّف "مُدوَّنة" ألسنية كاملة، تصلح للتحليل السيمائي والإناسي لاستخراج نظام الترميز الذي يحكمها.

ولا شكّ في أنّ هذه الشعارات التدميرية تشيع في ظل التوتّرات الكبرى، وهي صورٌ بلاغية فضفاضة، تؤدّي وظيفة الانتقام، الذي غالبًا ما يكون لفظيًا فَقط، وإن رافَقه استعراضٌ للقوة الحقيقيّة، وتتوجَّه إلى جمهور الداخل أكثر من الخارج. فهي خطاباتٌ تُصاغ من أجل الاستهلاك المحلّي ولا تعني البتَّة تحقُّقها في عملٍ واقعي، وإلّا فإنَّ العالم يكون قد مُحِي من عقودٍ، بالنظر إلى الترسانة النووية التي تتوفّر عليها القوى العظمى.

وأمّا الوظيفة التداولية التي تؤدّيها هذه الخطابات فهي التخفيف من ضغوط ضرورة الردّ العسكري على الإهانات التي يلحقها "العدو" بصورة الأمّة، أو القيام بردّ محدود محسوبٍ في عاقبته وتداعياته: فإيران ترى في الولايات المتّحدة قوة "استكبار" شيطانية، بحسب التوصيف الأيديولوجي السائد. والأخيرة ترى في إيران جزءًا من "محور الشر"، حسب التمثيل الحزبي، المتكئ بدوره على مرجعية إنجيلية. ولا بدّ من القضاء على الشرّ والشيطان كِلَيهما قضاءً مبرمًا. وهكذا، تساهم هذه البلاغة التدميرية في استيحاء تراث ديني، ركيزته الرمزية المحو الكلّي لـ "الشرّ" حتى يعمَّ "الخير".

وبفضل هذه الآلية تُصبح التهديدات الخارجية، ليس سلاحًا جيو-سياسيًا حقيقيًا، مندرجًا ضمن الصراعات الإقليمية وتدافع المصالح، بل "بلاغة" ضمن رؤية مِهدوية messianic تسعى إلى تطهير العالم من الفساد وملء "الْأَرْضَ ‏‏ قِسْطًا وعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا".

ويسيطر، في هذه الخطابات، مبدأ "الشعب" الذي سيحمي البلد وسيتدخّل بنفسه للقضاء على العدو وتَدميره. فثمَّةَ ما يشبه النقل الدلالي لمفهوم الشعب من كونه القوة التي "تَحكم نفسها بنفسها"، في زمن السِلْم، إلى كونه القوّة التي "تحمي نفسها بنفسها" في زمن الحرب، حتى وإن وصل الأمر إلى فَسخ العدوّ من الكوكب، عبر إرادة هذا الشعب. ولذلك، يركّز المتحدّثون الأميركيون والإيرانيون على أنّهم يردُّون باسم الشعب ومن أجله. وعليه، تصبح المنظومة العسكرية اللسان الناطق باسم الشعب والمعبّر عن سيادته ومصالحه وأمنه. ولذلك تُصدِر القيادات العسكرية، عادةً، مثل هذه التصريحات تقويةً للُحْمة الأمّة وتأكيدًا على أنَّ الجيش هو الذي يَحميها، ليس فقط بحضوره الدفاعي، وإنما أيضًا بقُدراته الهجومية التي لن تُبقي من العدو شيئًا ولن تَذَر، إن تجرَّأ.

وهكذا تندرج هذه التهديدات والملفوظات في ما يمكن تسميتهُ: "بلاغة التدمير"، وهي جنسٌ من الخطاب لم يلق بعد ما يستحقّه من التحليل والتفكيك. ولا شك في أنَّ مقولة "الباتوس" التي صاغها الألسني الفرنسي باتريك شارودو (1939) تساعد على تحليلها بما هي وظيفة نفسية تقوم على اللعب بأوتار الوجدان الجمعي ومخاطبة الحماسة فيه من أجل خلق آلية وقاية داخلية، تتصدّى للتهديد الخارجي وتحفظ "هيبة الدولة والأمّة".

ولا تخصُّ هذه البلاغة التدميرية الخطابات العربية فحسب، بل يبدو أنّها تسود في كل الثقافات، ضمن سياقات النزاع والحروب. وهي تنشأ حين تنحسر الكفاءات الدبلوماسية والحوارية وتعجز الأطراف المتنازعة على حلّ مشاكلها بالتفاوض. فحين تَغيب، من الخطاب السياسي، البَرهنة العقلية (اللوغوس)، يَلجَأُ إلى الاغتراف من الصور الكلّيانية، ومن وظائفها تَعطيل العقل وتغذية الـمُخَيِّلة الجمعية التي تتحرّك بمثل هذا التضخيم. ولعل الضربة الإيرانية لـ "عَين الأسد" الأخيرة من أبلغ الصور عن التفاوت بين التعامل الاستراتيجي المبني على حسابات معقّدة، ورمزية الخطابات التدميرية التي لا يُراقبها البرهان. بلاغة التدمير تحجب رؤيةَ الواقع.

المساهمون