بكالوريا الجزائر... حفاوة شعبية ورعب لدى التلاميذ

08 يونيو 2017
الصورة
طالب تلاميذ البكالوريا بتغيير زمن الامتحان سابقاً(فاروق باطيش/فرانس برس)
+ الخط -
تحظى شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) في الجزائر بحفاوة شعبية لا تحظى بها حتى الشهادات الجامعية، وهو ما يضع التلاميذ المرشحين لها أمام جملة من الضغوط والمخاوف والارتباكات التي لا تنتهي إلّا بإعلان نجاحهم في الاختبارات

تستأثر شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) وحدها بشغف الجزائريين وحفاوتهم دون كلّ الشهادات الأخرى حتى الجامعية. لأجل البكالوريا تُطلَق الزغاريد، وتقام الأعراس، ويتبادل الأهالي التهاني، ويخصّون الحائزين عليها بالهدايا.

في المدن وفي الأرياف، ولدى العائلات الثرية والفقيرة، تعيش الجزائر أجواء مثيرة تشبه العرس الجماعي مع إعلان نتائج البكالوريا. يمكنك حينها أن تأكل وتشرب في أيّ مكان، وقد يصلك الأكل والشراب إلى بيتك، ممّن تعرف ولا تعرف. فقط عليك أن تعيد الصحون مع شيء من السكّر، دلالة تمنّيك حياة حلوة لصاحبة أو صاحب الفرحة. وتبقى أغنية رابح درياسة "جابوها.. جابوها"، والهاء هنا تعود إلى البكالوريا، أكثر الأغاني التي يسمعها الجزائريون ويرقصون على ألحانها في هذه المناسبة على مدار أربعة عقود.

يفسر مستشار التربية فارس لوماسين هذه الحفاوة الشعبية بشهادة البكالوريا في المجتمع الجزائري لـ"العربي الجديد" بكونها الشهادة التي تؤهل صاحبها للالتحاق بالجامعة، كشرط للحصول على وظيفة مريحة، "وهي بهذا تتوسّط زمنياً الشهادات العلمية في مرحلتي الطفولة والشباب". يضيف: "بعد الحصول على الاستقلال الوطني عام 1962، كان نطاق التعليم ضيقاً، وكانت البكالوريا شهادة نادرة، وبذلك، فالفرح بها اليوم هو امتداد لتلك المرحلة". وإذا أردنا أن نعمّق القراءة، يقول المربّي الجزائري إنّ كلّ شعب من الشعوب يتفق على شهادة معيّنة، ليمارس من خلالها فرحه الجماعي بالإنجازات العلمية لأبنائه، وقد اتفق الجزائريون على البكالوريا لممارسة هذا الفرح.

هذه النظرة الشعبية العامة إلى شهادة البكالوريا، والتي ستجرى دورة 2017 منها ما بين يومي الأحد المقبل 11 يونيو/ حزيران الجاري والخميس المقبل 15 منه، خلقت ضغوطاً تشبه الرعب لدى المرشحين إليها، والذين يزيد عددهم هذا العام عن 700 ألف تلميذ مرشح، مخافة الرسوب فيها. فالرسوب يعني أن يسقطوا من عيون أفراد العائلة والمحيط القريب، وقد يصبحون محلّ سخرية وتندّر ومقارنة سلبية بمن نجح في الحصول عليها.

تقول الخبيرة النفسانية وداد، إنّه آن الأوان للشارع الجزائري، بعد جملة من التحولات الموضوعية، منها انتشار نطاق التعليم، عكس ما كان عليه في السابق، أن يرفع سقف الفرح إلى شهادة أعلى، حتى يجني ثمرتين: "تحرير التلميذ من عقدة البكالوريا، وتحريضه على الاجتهاد أكثر، حتى يحصل على الشهادة الأعلى، وأقترح أن تكون شهادة الليسانس (الإجازة أو البكالوريوس)". تضيف أنّها استقبلت في عيادتها حالات تعاني مما تسميه "رهاب البكالوريا" نتيجة هذا الضغط الأسري والشعبي: "بل إنّ بعضهم حاول مسبقاً تجنّب مضاعفات الرسوب، بالتفكير في الانتحار". تضيف: "على المنظومات المختلفة، خصوصاً المنظومة الأسرية، أن تنتبه إلى أنّ الأمر يتعلّق بمراهق لم ينضج نفسياً وفكرياً بالشكل الكافي، والذي يعصمه عن الإقدام على خطوات غير مدروسة".

إدراك المؤسسات الاستشفائية ومؤسسة الحماية المدنية ومؤسسة الشرطة هذا المعطى جعلها تتخذ إجراءات خاصة، قبيل الإعلان عن النتائج وفي يوم الإعلان، وذلك برفع درجة تأهبها وتكثيف عدد العناصر والسيارات. يقول ضابط الشرطة أمين إنّ "المديرية العامة للأمن الوطني" باتت تنظّم حملات على مستوى المؤسسات التربوية والفضاءات ذات الصلة بهدف المرافقة النفسية للمقبلين على البكالوريا. يسأل: "ما معنى أن تهدّد الأسرة ابنها المرشح بعقوبة ما، أو بحرمانه من مكسب ما، في حالة رسوبه؟".

تسبب هذا الواقع غير المدروس، في انتشار ظواهر جديرة بالمعالجة، منها استغلال نسبة واسعة من المدرسين رغبة المرشحين للبكالوريا في تقوية حظوظهم في النجاح، فراحوا يخصّصون بيوتهم ومحلات يستأجرونها مؤقتًا، لتقديم دروس الدعم بمبالغ معتبرة، خارج أيّ رقابة حكومية. يسأل عمّي عمار، وهو والد اثنين من المرشحين: "لا أفهم أن يقدّم مدرّس دروس الدعم لتلاميذ وهو نفسه يدرّسهم في الثانوية النظامية، إلّا من باب سعيه إلى تحصيل مال إضافي". يسأل: "هل يلجأ التلميذ المرشح إلى دروس الدعم لو حصل على شرح جيّد في الصف؟".

بدوره يقول أحد ابنيه المرشحين حول سبب إقباله على هذه الدروس، على الرغم مما وصفه والده، إنّ ما يهمه هو الاستفادة منها، أما الحكم عليها ومعالجة هامش الابتزاز والغشّ فيها، فمتروك للجهات المعنية بذلك. يلفت الانتباه إلى معطى مهمّ: "عليكم أن تفهموا أنّ الضغط الذي يشعر به المرشح، يجعله يفعل أيّ شيء يعتقد أنّه يقوّي حظوظه في افتكاك هذه الشهادة المصيرية. نحن في الحقيقة نجتهد للحصول عليها من أجل أسرنا، لا من أجل تكويننا العلمي". معطى آخر يشير إليه الشاب هو أنّ الخوف الدفين يدفعه إلى المراجعة الجماعية، والتي توفّرها هذه الدروس. يقول: "كلّما كنت مع مجموعة من الزملاء المرشحين مثلي خفّ عني الإحساس بالضغط".

في الإطار نفسه، تقول سارة من مدينة الأغواط (400 كيلومتر إلى الجنوب من الجزائر العاصمة) لـ"العربي الجديد" إنّها تستقبل ثلاث زميلات في بيتها في يوم على أن تستقبلهنّ واحدة أخرى من المجموعة في يوم آخر وهكذا: "إنّه إجراء لا غنى عنه يجعلنا نتبادل المعلومات، ويساعدنا على استظهار المحفوظ، والأهمّ أنّه يجنّبنا دواعي الارتباك والخوف أيضاً".

يدفع هذا الإحساس بالخوف والارتباك عدداً كبيراً من التلاميذ المرشحين إلى البكالوريا في الجزائر، إلى التزام ديني أكبر من المعتاد كإجراء يكتسبون به الطمأنينة النفسية، ويستمدّون به العون من السماء. ومن مظاهر ذلك التديّن، بحسب عيّنات قابلتها "العربي الجديد" في مدينة بودواو (38 كيلومتراً شرقي العاصمة) والإقلاع عن التدخين، والتخلي عن الألبسة الشبابية المتحررة، والمواظبة على صلاة الفجر في المسجد، والإكثار من التصدّق، وترك الاستماع إلى الموسيقى، عسى أن يحقق كلّ ذلك مسعاهم في نيل الشهادة المظفّرة التي تحظى بمركز الصدارة في المجتمع الجزائري.

المساهمون