بغداد وأربيل: آليات التطبيق تعرقل اتفاق النفط

بغداد وأربيل: آليات التطبيق تعرقل اتفاق النفط

06 ديسمبر 2014
الصورة
يحتاج العراق مقاتلي البشمركة لتحرير مناطقه الشمالية والغربية (الأناضول)
+ الخط -
على الرغم من التعليقات التي صدرت عن أهميّة الاتفاق الذي وقعته حكومة بغداد مع إقليم كردستان العراق أخيراً، بشأن خلافاتهما حول صادرات النفط والميزانيّة، لكنّ التعقيدات التي تحيط بتنفيذه وتأجيل الطرفين البتّ في تفاصيل متصلة بالموضوع، تخفض سقف التوقّعات حول إمكانيّة أن يطبّق بسلاسة والنتائج المرجوّة منه.

ويرى النائب عن التحالف الوطني، هاشم الموسوي، لـ"العربي الجديد"، أنّ الاتفاق "يشكل بداية صحيحة للحكومة العراقيّة، ولرئيس الوزراء حيدر العبادي ووزير النفط عادل عبد المهدي، لحلّ الخلافات مع الأكراد"، مشيراً إلى أنّه "ربّما يساهم في إبعاد أي تعقيد أو تصعيد في الخلافات بين الطرفين مستقبلاً".

ويعتبر الموسوي أنّ الاتفاق "مقبول وكان مطلوباً من الجانبين، لأن إقليم كردستان ستُعالج مشاكله الاقتصاديّة والعجز المالي وقضيّة الرواتب لديه، وسيتراجع العجز في ميزانيّة الحكومة العراقية بسبب تراجع أسعار النفط عالمياً".

ومن شان الاتفاق، بحسب الموسوي، أن "يعزّز سلطة الحكومة العراقية على القطاع النفطي، من خلال الاشراف على التصدير في أنحاء البلاد وعودة الايرادات إلى خزينة الدولة"، ويبدي تفاؤله حول تأثيرات الاتفاق المستقبلية، مشيراً إلى أنّ "الحكومة العراقية ستظهر بعد الاتفاق، كصاحبة سياسة إيجابيّة، بخلاف الحكومة السابقة التي كانت لها مشاكل وأزمات مع كافة مناطق العراق وكانت تطبق سياسات خاطئة".

على الصعيد الأمني، يعتبر الموسوي أنّ "الاتفاق سيخدم العراق، إذ سيوفّر مزيداً من الأموال التي يمكن بها شراء الأسلحة ومحاربة الارهاب، وتحسين الأمن".

وكانت التعقيدات التي تحيط بعمليّة تطبيق الاتفاق وبقاء مجموعة من الملفات الخلافيّة العالقة بين الطرفين، من دون حسم، قد دفعت برئيس الوفد الكردي المفاوض، نيجيرفان بارزاني، إلى القول إثر تحقيق الاتفاق بوقت وجيز، إنّه "غير نهائي وهناك أمور أخرى سيتم التحدّث عنها، لكن هذه بداية جيدة لحلّ المشاكل العالقة".

ويمر إقليم كردستان العراق، ومنذ أن قرّر رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، مطلع العام الحالي، قطع حصة الاقليم من ميزانية البلاد والتي تُقدّر ووفق معدلات التصدير الحالية للنفط، بـ12 مليار دولار في السنة، بأزمة شديدة. ولم يخفِ كبار المسؤولين في تصريحاتهم أنّ خزينة الحكومة خاوية وأنّهم يريدون أن يقنعوا مصارف أجنبية بالموافقة على منح الاقليم قروضاً مالية بضمان النفط، من دون أن يتمكّنوا من تحقيق تقدم.

وبقيت مسألة دفع رواتب الموظفين في الاقليم والمقدّر عددهم الاجمالي بنحو نصف مليون شخص، من المشاكل الكبيرة التي يواجهها الإقليم، قبل أن تظهر مشكلة أكثر تعقيداً، وهي توفير ميزانيّة للحرب ضدّ تنظيم "داعش"، الذي يقاتل الأكراد على جبهة يمتدّ طولها نحو ألف كيلومتر، تبدأ بالحدود العراقيّة مع إيران وتنتهي بالحدود مع سورية.

في المقابل، لا يبدو حال الحكومة العراقيّة الجديدة أفضل من الإقليم. وعلى الرغم من أنّ الأموال كانت متوفّرة بشكل أفضل ممّا هو لدى الأكراد، لكن الحكومة كانت عاجزة عن فرض سلطاتها على نحو نصف البلاد، حيث يسيطر المسلحون على مساحات في شمالي وغربي البلاد، يضاف لها إقليم كردستان، حيث لا سلطة حقيقية لبغداد عليه.

وتفاقمت أزمة الحكومة في بغداد، في أعقاب التراجع الكبير في أسعار النفط وحاجتها لتعويض ذلك عبر زيادة الصادرات، والمخرج العملي هو الاتفاق مع الأكراد على أن يصدّروا لصالح الخزينة العراقية كميات من النفط، وكان الاتفاق على تصدير 550 ألف برميل يومياً. ودفع هذا الوضع الطرفين، في ظلّ وجود ضغوط خارجيّة وداخليّة، إلى البحث عن اتفاق من دون تأخير.

وفي سياق متّصل، يقول الكاتب السياسي الكردي، ريبوار كريم، لـ"العربي الجديد"، إنّ "كل طرف استنفد أوراق اللعب التي لديه للظهور، وكأنّه ليس بحاجة للآخر وهو غير مكترث به، وكانت النتيجة أن إقليم كردستان عجز عن تصدير نفطه وتوفير الأموال وادارة شؤونه بمعزل عن بغداد، وهو ليس قادراً على توفير ميزانية للحرب المفتوحة التي يخوضها منذ أشهر". ويضيف: "في المقابل، حاولت بغداد محاصرة الاقليم ومنع الأموال عنه ومنع رواتب موظفيه، قبل أن تجد نفسها تواجه عجزاً مالياً كبيراً، وباتت معرّضة لتهديدات حقيقية من "داعش" وتعجز عن استرداد الكثير من مناطقها، ما يعني حاجتها إلى قوات "البشمركة" الكرديّة لإسناد الجيش في تلك المهمة، لذا ذهب الطرفان إلى الاتفاق". ويكشف مصدر كردي أنّ من "أسباب الذهاب إلى الاتفاق بالنسبة لحكومة إقليم كردستان، وجود ضغوط أميركية وأخرى داخلية من الدول الاقليميّة، وبشكل خاص من إيران، دفعت بهذا الاتجاه".

وكمقدمة للاستعانة بقوات البشمركة الكردية في تحرير مناطق كالموصل من سيطرة "داعش"، يتضمّن الاتفاق بين الطرفين صرف مبلغ نحو مليار دولار للبشمركة بشكل فوري. ومن المرجّح أن يضغط الأميركيون أيضاً على الأكراد، للمشاركة في حرب تحرير الموصل، لكنّ يبدو أنّ الأكراد غير متحمّسين لذلك، حتى أن رئيس وزراء الاقليم، قال في تصريح إعلامي أخيراً، إنّ "الأكراد لا يريدون أن يُقتلوا من أجل العرب، ولا يريد العرب أيضاً فعل ذلك من أجل الأكراد"، في إشارة إلى الانقسام الطائفي والقومي الذي يعاني منه العراق.

وتبدو التفاصيل الفنيّة المتعلّقة بتطبيق الاتفاق معقّدة، لأنّ منظومة الأنابيب التي نصبها إقليم كردستان لتصدير نفطه ليست متطورة إلى درجة تلبية رغبة الطرفين بتصدير أكثر من نصف مليون برميل يومياً من نفط الاقليم وكركوك.

ويقترح النائب الكردي في البرلمان العراقي، شورش حاجي، مخرجاً يراه "معقولاً" للخلافات العالقة بين كردستان وبغداد، وهو مبادلة الأرض بالنفط، أي أن تتنازل الحكومة العراقيّة لكردستان عن كركوك وبقية المناطق التي تطالب بها، لقاء أن يذهب عائد النفط والغاز فيها إلى خزينة الدولة العراقية.

ويعتبر في مقال رأي نشرته صحيفة "روداو" الكردية، أنّه "إذا كانت أجندة التفاوض في السابق وبالنسبة إلى الأكراد، تتضمّن مواضيع عديدة، فالموضوع الأساسي والجوهري في المفاوضات الحالية هو الأرض والنفط".

ويرى حاجي أنّه "من الجائز أن نطلب من المسؤولين العراقيين أن يوافقوا على عودة كركوك والمناطق الكرديّة إلى إقليم كردستان على أن نتفق معهم على أنّ نفط تلك المناطق هو ملك للعراقيين جميعاً من كورد وعرب والبقية". ويضيف: "بموجب ذلك، سيحصل الكورد على أراضيهم، وتحصل بغداد على العائدات النفطيّة لكلّ العراق"، لافتاً إلى أنّه "بدون ذلك، ستبقى قضيّة تلك الأراضي مؤجّلة، كالجمر تحت الرماد، ويمكن أن تتحوّل مع أيّة أحداث أو تطورات إلى أزمة وخلاف وسبباً للعنف والتدخل الخارجي حتى".

من جهته، يصف أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة بغداد، إحسان الشمري، لـ"العربي الجديد"، الاتفاق بأنّه "مرحلي"، وهذا ما قاله رئيس الوفد الكردي المفاوض، معتبراً الاعلان بأنّه اتفاق غير نهائي يضفي عليه "نوعاً من الهشاشة".

ويشدّد الشمري على أنّ "التوصّل إلى اتفاق نهائي، يبقى مربوطاً بوضع قانون النفط والغاز الاتحادي، وهو قانون شائك وصعب، على اعتبار أنه قد يصطدم بالكثير من المطبّات السياسية على مستوى مصالح الكتل السياسية". ويشير إلى أنّ "الاتفاق يفتح باب الحوار بين بغداد واقليم كردستان، وهو الباب الذي كان مغلقاً في ظلّ الحكومة السابقة". 

المساهمون