بغداد لم تخسر نفسها

06 نوفمبر 2019
الصورة
يجد عراقيون كثيرون أنفسهم محرومين من حقِّ، لا بل من واجب المشاركة في ما قد يكون أرقى ثورة يصنعها أهل هذا البلد. يشاهدون بحسرة من الشمال ومن الغرب، من الأنبار وصلاح الدين ونينوى، ذات الغالبية من العرب السنة، بطولات أهل بغداد والجنوب ومحافظات الوسط، وهم يقلبون الطاولة على كل أسباب خرابهم، من طائفية وفساد ووصاية إيرانية وتحويل موطئ أقدم حضارات الأرض إلى ساحة عبث لمليشيات دموية قروسطية، وهم يدركون أن البقاء جانباً يبقى أفضل الخيارات، حتى الآن على الأقل. يعرفون مدى خبث سلطاتهم المركزية، ودرجة استعدادها لتحويل أي صرخة احتجاجية سياسية إلى مناداة لاستعادة نظام بعثي بائد أو إلى مطلب إرهابي على غرار ما فعلته حكومة نوري المالكي وراعيها في طهران عام 2013، فتفتح باب جهنم ينتهي بشبيه لما احترفه المالكي نفسه: كل حركة اعتراضية في "المناطق العربية السنية" هي نواة لولادة داعش جديد يبرر إبادة جماعية من قبل سلطات بغداد وتهجير للملايين واحتلال مليشيات طائفية الرمادي والفلوجة والموصل وتكريت بعد تدميرها عن بكرة أبيها. 
تمكّن حكام بغداد، زمن صدام وأيام ما بعد إسقاطه، من سياسات الفرز الطائفي للمناطق، وإنْ بصورة عكسية. اضطهاد الشيعة قابله اضطهاد السنة، عرباً وأكراداً. سياسة المناطق "الصافية" مذهبياً كانت أصل التخريب بشكل يسمح باستهداف فئة من العراقيين عبر ضرب منطقة جغرافية محددة بما يمنع أي تضامن وطني مع الضحية. "نجح" ذلك مع صدام، إن كان النجاح يُقاس بحجم القتل والتفرقة وبعدد معتقلات التعذيب، ثم "تألقت" لاحقاً السلطات المولودة من ذات التحالف الأميركي ــ الإيراني الضمني بعد غزو 2003، في حال صار معيار التألق يُرصد بتدمير ما بقي من مواطنية وبفرض غلبة طائفية يرعاها النظام الإيراني بشعار "من ليس معنا لا بد أن يكون بعثياً أو داعشياً".
كانت بغداد مختبراً لذلك التخريب المتمادي للاجتماع العراقي، حتى خلنا أنها تحولت إلى تركيبة ريفية لا علاقة لها بما كانته من بنية مدينية تنافس القاهرة حتى. لطالما حكى العراقيون بحسرة شديدة عن كيف أنهم لم يعودوا قادرين على التعرف إلى عاصمتهم: علاقات البشر المتنوعين في المدينة لم تعد تشبه نمط حياة بغداد في شيء، اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وسياسياً. لكن كان لا بد من انتظار ثورة أكتوبر/ تشرين الأول الماضي لكي يدرك العراقيون ومن يتملكه حرص على "استعادة" بغداد، أنها لا تزال، رغم كل التخريب الحاصل في نسيجها وهويتها وتعدُّد سكانها، مصدر الأمل الحقيقي في إعادة هندسة الاجتماع العراقي. نفضت بغداد عن نفسها ثوب الريفية التي ألبسها إياه خصوصاً حكام الاحتلال الأميركي ــ الإيراني بعد 2003، لتجد نفسها عصية على الفرز، طائفياً وإثنياً. القتل يطاول الجميع من دون قدرة القاتل على التمييز بين شيعي وسني ومسيحي، بين عربي وكردي، فكل الوجوه تتشابه في بغداد، وكل الصرخات تذوب في صرخة واحدة تصوّب بوعي على ما أوصل صاحبها إلى الانهيار الشامل. وحدها بغداد فتحت مجال المشاركة في الثورة بالنسبة للممنوعين من الغضب في مناطقهم. لا إحصاءات طبعاً في وسط المقتلة تقدم أرقاماً لمدى تنوّع المشاركين في ثورة العاصمة، لكن المتابعة البسيطة عن بُعد تؤكد أن ثورة بغداد تحديداً تختصر كل البلد من دون أن يتملك الثائرون أي همّ حسابي حقير يفرض سقوط ضحية شيعي في مقابل ضحية سني مثلاً.
يدرك أهل ثورة العراق تماماً لماذا لا يثور اليوم سكان مناطق الشمال والغرب أو من بقي منهم حياً أو غير مهجر أو نازح أو معتقل. يدركون أن هؤلاء ساكنون من أجل نجاح الثورة لا اعتراضاً عليها طبعاً. يدركون أن تقديم الذريعة للسلطة لتطييف الثورة وإلباسها ثوباً بعثياً أو داعشياً هو آخر ما تحتاجه انتفاضتهم السلمية. يدركون تمام الإدراك أن بناء "العراق الجديد" لا يمكن أن يهمّش أي مكوّن عراقي، فهذا ما تنطق به حكمة التاريخ العراقي.