22 فبراير 2015
بغداد بين خنادق المنصور والمالكي
مشهد من بغداد (Getty)
شرع نوري المالكي في حفر خندق حول بغداد، بعرض أربعة أمتار وعمق ثلاثة، لمنع تسلل "الإرهابيين" الذين أخذوا يقضون مضاجعه. ويقول المقربون منه إنه لم يذق النوم منذ سقوط الموصل، لا بانشغاله على فقدها، بل خوفاً من أن يدقوا أبواب بغداد، حتى لو استنجد بالطائرات الأميركية التي رفضت أن تستجيب لتوسلاته. ولأول مرة، تأملت أميركا التي لم تعرف التأمل يوماً في الحالة العراقية، واستدركت مسؤوليتها الأخلاقية، من دون أخلاق، عن المصير الذي قذفت فيه بلاد الرافدين.
خبر حفر المالكي الخنادق حول بغداد ينقلنا إلى أبي جعفر المنصور الذي حفر خندقاً حول بغداد في عام 146هـ (762م)، عندما رغب في بناء عاصمته، فأمر جنوده أن يشعلوا في تلك الخنادق مشاعل النار ليلاً، لكي يرى جماليات مشروع بناء عاصمته، فوجد سحراً خلاباً في تلك المدينة المدوّرة، والتي شاء من أسسها أن تكون أجمل عاصمة عربية ذات يوم. شتان ما بين التاريخين وبين الخندقين، لم يبن المنصور الخنادق ليدافع عن نفسه، وعن جماعته وحزبه، بل لكي يرى الجمال الذي لم يفكر فيه المالكي يوماً، فزرع فيها الأسوار الخرسانية التي جعلت من بغداد أقبح عاصمة على الإطلاق وأقذرها، باعتراف المنظمات العالمية، فبدلاً من الساحات المزروعة بالزهور التي اعتنى بها المنصور شخصياً في حدائقه، نجد مكبّاتٍ لأكوام من القمامة.
تبعث خنادق المالكي على السخرية حقاً، فهو لم يقرأ التاريخ جيداً، ولا يعرف حق المعرفة أنه من دون حاضنة شعبية متعاطفة، لا يمكن لأحد أن يحكم بغداد، لا يكفي أن تنصّبه أكبر قوة في العالم، وتمنحه النياشين والرتب. وهو يفترض مجيء الهجمات من المناطق الغربية والشمالية، السنيّة حصراً، لأن الثوار يعرفون أنها مناطق رأت الويلات من حكم المالكي. كانت التحصينات العسكرية من بين أهم الأعمال التي قام بها المنصور، وتركت أثرها في مستقبل دولة الخلافة العباسية، لكنه لم يشيد تلك الخنادق من أجل صد التمرد الداخلي لأبناء جلدته، بل لصدّ هجمات أعداء الخارج.
كانت بغداد بعيدةً عن متناول العدو، وإذا ما تمّ اجتياز النهر فقط، عندها يمتلك أهالي بغداد مفاتيح الدفاع، فيقدمون على هدم الجسور، ليمنعوا الأعداء من الوصول إلى قلبها، وهذه حكمة استراتيجية قديمة، فلا غرابة، مع بناء الخنادق، أن يقدم المالكي على تدمير جسور بغداد، لكي لا يصل إليه الثوار، لكنه لم يتعلم أن التاريخ لا يصنعه الأفراد، مهما كانوا أقوياء، كما يقول ماركس.
هذه الجسور التي لطالما نسفها المالكي، نظرياً وافتراضياً، لأنها تربط بين الرصافة والكرخ، أي بين الكاظمية، حيث الغالبية الشيعية، والأعظمية حيث الغالبية السنيّة، لكن المناطق الشمالية والغربية خرجت فعلياً عن السيطرة الحكومية، ما يجعل معركة تقسيم بغداد على الأبواب، لكي تذهب بعاصمة الدولة العباسية الأثيرة، واسمها مدينة السلام، الذي استعارته من أحد أسماء الجنة، أو من نهر دجلة الذي يُسمى نهر السلام أيضاً.
لم ينجح المالكي طيلة ثمانية أعوام من عهده في أن يجعل العراقيين يتذوقون السلام الذي أصبح مثل ثمرة عجيبة، غريبة، بعيدة المنال، كأنها تنبت في غابات نائية. فلم يضف هذا الرجل أيّ بناءٍ جديد لهذه المدينة، ولم يبلط شارعاً واحداً، بل نشر فيها الأسوار الخرسانية العملاقة، لتقطع أوصال المدينة، من أجل أمانه، لا أمان الناس، أمان المنطقة الخضراء، وليس أمان بغداد القديمة وأطرافها.
لعله قرأ يوماً أن المنصور جعل من بغداد مركزاً للإشعاع الحضاري، وليس مركزاً للرعب اليومي، القائم على المتفجرات التي أصبحت تفوق الألعاب النارية، والتي لم يعرفها أطفال بغداد والعراق منذ عقود. هو يعلم جيداً أن المنصور كان ينزل إلى الشوارع والطرقات، لكي يتفقد أحوال الرعية، أما هو، فلم يخرج يوماً من قفصه الرخامي في المنطقة الخضراء، بل أصبح سجيناً للمكان الذي استولى عليه عنوة.
تستحق بغداد التي وصلت إلى درجة كبيرة من العمران والرقي الحضاري، حاكماً بقامة المنصور الذي جعلها تشعّ بعلومها وأفكارها على العالم قروناً. وعلى امتداد التاريخ، كانت أوضاعها تنعكس على أوضاع العرب والمسلمين، في قوتهم وضعفهم. يعرف نوري المالكي أن بغداد تعرّضت، عبر تاريخها الطويل، لغزوات الأقوام الأجنبية، أكثر مما تعرضّت أيّ مدينة أُخرى في العالم، فمن غزو بويهي وسلجوقي إلى غزو مغولي وجلائري وتيموري وصفوي فارسي إلى بريطاني وأميركي، إلا أن بغداد وقفت ببطولة في وجه هذه الغزوات، فلماذا لا يجنّبها الخراب المتزايد، بعد أحد عشر عاماً من التخريب؟ هو يدرك، في قرارة نفسه، أن الجيش الذي بذلت عليه أميركا تدريباً كثيراً، يبتلع أكثر من ثلاثة أرباع ميزانية العراق السنوية (12 مليار دولار)، لم يفعل شيئاً، ولم يتحصّن في قلعةٍ، أو يصدّ هجوماً، لأن الجيوش لا يمكن بناؤها بقرار، ولا يمكن حلها بقرار، فهو كائن يتربى في حاضنته الشعبية التي تمدّه بالروح وبالقضية العادلة، وإذا أراد المالكي أن يتمثل بالمنصور، فليعلم أن المنصور حفر الخنادق حول بغداد، من أجل الدفاع عن مدينته من الأعداء الخارجيين، وليس من أجل صّد الثوار الداخليين من أبناء جلدته!
خبر حفر المالكي الخنادق حول بغداد ينقلنا إلى أبي جعفر المنصور الذي حفر خندقاً حول بغداد في عام 146هـ (762م)، عندما رغب في بناء عاصمته، فأمر جنوده أن يشعلوا في تلك الخنادق مشاعل النار ليلاً، لكي يرى جماليات مشروع بناء عاصمته، فوجد سحراً خلاباً في تلك المدينة المدوّرة، والتي شاء من أسسها أن تكون أجمل عاصمة عربية ذات يوم. شتان ما بين التاريخين وبين الخندقين، لم يبن المنصور الخنادق ليدافع عن نفسه، وعن جماعته وحزبه، بل لكي يرى الجمال الذي لم يفكر فيه المالكي يوماً، فزرع فيها الأسوار الخرسانية التي جعلت من بغداد أقبح عاصمة على الإطلاق وأقذرها، باعتراف المنظمات العالمية، فبدلاً من الساحات المزروعة بالزهور التي اعتنى بها المنصور شخصياً في حدائقه، نجد مكبّاتٍ لأكوام من القمامة.
تبعث خنادق المالكي على السخرية حقاً، فهو لم يقرأ التاريخ جيداً، ولا يعرف حق المعرفة أنه من دون حاضنة شعبية متعاطفة، لا يمكن لأحد أن يحكم بغداد، لا يكفي أن تنصّبه أكبر قوة في العالم، وتمنحه النياشين والرتب. وهو يفترض مجيء الهجمات من المناطق الغربية والشمالية، السنيّة حصراً، لأن الثوار يعرفون أنها مناطق رأت الويلات من حكم المالكي. كانت التحصينات العسكرية من بين أهم الأعمال التي قام بها المنصور، وتركت أثرها في مستقبل دولة الخلافة العباسية، لكنه لم يشيد تلك الخنادق من أجل صد التمرد الداخلي لأبناء جلدته، بل لصدّ هجمات أعداء الخارج.
كانت بغداد بعيدةً عن متناول العدو، وإذا ما تمّ اجتياز النهر فقط، عندها يمتلك أهالي بغداد مفاتيح الدفاع، فيقدمون على هدم الجسور، ليمنعوا الأعداء من الوصول إلى قلبها، وهذه حكمة استراتيجية قديمة، فلا غرابة، مع بناء الخنادق، أن يقدم المالكي على تدمير جسور بغداد، لكي لا يصل إليه الثوار، لكنه لم يتعلم أن التاريخ لا يصنعه الأفراد، مهما كانوا أقوياء، كما يقول ماركس.
هذه الجسور التي لطالما نسفها المالكي، نظرياً وافتراضياً، لأنها تربط بين الرصافة والكرخ، أي بين الكاظمية، حيث الغالبية الشيعية، والأعظمية حيث الغالبية السنيّة، لكن المناطق الشمالية والغربية خرجت فعلياً عن السيطرة الحكومية، ما يجعل معركة تقسيم بغداد على الأبواب، لكي تذهب بعاصمة الدولة العباسية الأثيرة، واسمها مدينة السلام، الذي استعارته من أحد أسماء الجنة، أو من نهر دجلة الذي يُسمى نهر السلام أيضاً.
لم ينجح المالكي طيلة ثمانية أعوام من عهده في أن يجعل العراقيين يتذوقون السلام الذي أصبح مثل ثمرة عجيبة، غريبة، بعيدة المنال، كأنها تنبت في غابات نائية. فلم يضف هذا الرجل أيّ بناءٍ جديد لهذه المدينة، ولم يبلط شارعاً واحداً، بل نشر فيها الأسوار الخرسانية العملاقة، لتقطع أوصال المدينة، من أجل أمانه، لا أمان الناس، أمان المنطقة الخضراء، وليس أمان بغداد القديمة وأطرافها.
لعله قرأ يوماً أن المنصور جعل من بغداد مركزاً للإشعاع الحضاري، وليس مركزاً للرعب اليومي، القائم على المتفجرات التي أصبحت تفوق الألعاب النارية، والتي لم يعرفها أطفال بغداد والعراق منذ عقود. هو يعلم جيداً أن المنصور كان ينزل إلى الشوارع والطرقات، لكي يتفقد أحوال الرعية، أما هو، فلم يخرج يوماً من قفصه الرخامي في المنطقة الخضراء، بل أصبح سجيناً للمكان الذي استولى عليه عنوة.
تستحق بغداد التي وصلت إلى درجة كبيرة من العمران والرقي الحضاري، حاكماً بقامة المنصور الذي جعلها تشعّ بعلومها وأفكارها على العالم قروناً. وعلى امتداد التاريخ، كانت أوضاعها تنعكس على أوضاع العرب والمسلمين، في قوتهم وضعفهم. يعرف نوري المالكي أن بغداد تعرّضت، عبر تاريخها الطويل، لغزوات الأقوام الأجنبية، أكثر مما تعرضّت أيّ مدينة أُخرى في العالم، فمن غزو بويهي وسلجوقي إلى غزو مغولي وجلائري وتيموري وصفوي فارسي إلى بريطاني وأميركي، إلا أن بغداد وقفت ببطولة في وجه هذه الغزوات، فلماذا لا يجنّبها الخراب المتزايد، بعد أحد عشر عاماً من التخريب؟ هو يدرك، في قرارة نفسه، أن الجيش الذي بذلت عليه أميركا تدريباً كثيراً، يبتلع أكثر من ثلاثة أرباع ميزانية العراق السنوية (12 مليار دولار)، لم يفعل شيئاً، ولم يتحصّن في قلعةٍ، أو يصدّ هجوماً، لأن الجيوش لا يمكن بناؤها بقرار، ولا يمكن حلها بقرار، فهو كائن يتربى في حاضنته الشعبية التي تمدّه بالروح وبالقضية العادلة، وإذا أراد المالكي أن يتمثل بالمنصور، فليعلم أن المنصور حفر الخنادق حول بغداد، من أجل الدفاع عن مدينته من الأعداء الخارجيين، وليس من أجل صّد الثوار الداخليين من أبناء جلدته!