بعد كورونا... هل ينتظر لبنان ثورة جياع؟

30 ابريل 2020
+ الخط -
"توقفوا عن أكل البيض والدجاج"، هذه ليست جملة في أحد الأفلام أو المسلسلات الكوميدية، التي غزت شاشاتنا مؤخراً إبان جائحة كورونا، بل هي نصيحة اقترحها وزير الاقتصاد اللبناني راوول نعمة على ناشطين اقتحموا مكتبه، مطالبين إياه بتوقيف التجار المتلاعبين بأسعار السلع والمواد الغذائيّة. لم يتوقف هنا بل أردف نصيحته قائلاً، ربما عليكم أيضاً اختيار "الدكنجي الغير غلوجي".

فالوزارة على ما يبدو عجزت عن اتخاذ أي إجراءات ضابطة أمام موجة الغلاء، وصلاحيات الوزير لم تعد تجدي لذلك الأمر لكم أيها الشعب! موقف العجز هذا كفيل بجعل وزير في أي دولة أجنبية أن يتأسف ويضع استقالته أمام الشعب.

إنه الموقف المضحك المبكي الذي يحيط بدولة تلفظ أنفاسها الأخيرة، فلم يعد للبنان اليوم أي أمل للنجاة وسط عصابة فاسدين أحكمت خناقها عليه حتى أهلكته.

يعيش العالم اليوم تحت قبضة كورونا، يترقب بكل حذر أعداد الوفيات والإصابات بين تصاعد وانخفاض، ناهيك عن إحصاء الخسائر التجارية والاقتصادية، لكنّ للبنان واقعا مختلفا تماماً، فالفيروس التاجي حضر لطيفاً على الدولة صغيرة الحجم، كبيرة المشكلات، فهو ليس بسوء السياسيين الذين سرقوا و نهبوا حتى الثمالة تاركين قطاعات مكسورة وميزاناً تجارياً يئنّ وجعاً على بلد أصبح للسرقة فيه والطائفية وجهة نظر.


جل اهتمام اللبناني هي السلع التي ما عاد قادراً على شرائها، فالأسعار لم تقفز بشكل طبيعي، بل إلى الضعف والضعفين والثلاثة، جاع الكثير، ومنهم على وشك خسارة موقعه في الطبقة الوسطى والانحطاط نحو الطبقة الفقيرة التي تنتظر مساعدات الجمعيات أو أموال المغتربين.

أبلغ بنك الغذاء اللبناني مؤخراً وسائل الإعلام أن مخزونه على وشك النفاد، ويحتاجون إلى مزيد من التبرعات، فهم يتلقون اتصالات يومية كثيفة من عائلات لا تريد شيئا سوى أن تأكل، فأرقام السلع داخل المحال تزيد أصفارها بشكل جنوني، حتى عجز اللبناني عن احتسابها.

جائحة كورونا ليست السبب المباشر، لأن لبنان يعيش وضعا استثنائيا منذ نهاية العام المنصرم، الذي أدى إلى إشعال ثورة 17 تشرين "الناعمة"، والتي لم تأت بثمارها على ما يبدو كما يجب، إلا بتشكيل حكومة اللون الواحد التي تدعي التخصص، وهي من صنع رجال السياسة الذين زادوا بطشهم وتمسكهم بالسلطة.

معاشات وتعويضات لم تدفع لآلاف الموظفين المتعاقدين أو الذين أنهوا مسيرتهم الوظيفية في أغلب قطاعات الحكومة، كما أن التوظيف الثابت متوقف منذ سنوات والدولة تعتمد عوضاً عنه نظام التعاقد التعسفي، كلها أسباب ضيقت الخناق على اللبنانيين المتعبين من بلد ضرب بمستقبلهم وتعبهم عرض الحائط.

هناك حل أطل برأسه لا يقل أهمية عن نصيحة "البيض و الدجاج" لإنقاذ الوضع المتهالك، وهو اقتطاع جزء من أموال المودعين في البنوك بما يسمى الـ"هيركات" وذلك من أجل دفع الديون المستحقة على لبنان للبنك الدولي، بالطبع لا مشكلة ما دامت أموال السياسي اللبناني ودولاراته خارج لبنان منذ السنة الماضية، وكالعادة الشعب هو الضحية.

أما الدولار والليرة قصة أخرى، فقد وصل سعر الصرف إلى ما يقارب 4 آلاف ليرة بعد أن كان ثابتاً على 1500 ليرة مقابل دولار واحد لعقد من الزمن، ويرجح خبراء استمرار ارتفاعه حتى يلامس سقوفا عالية جداً إذا لم تحزم الدولة أمرها، خاصة أن القرارات المالية في لبنان ضبابية جدا وجاءت مرتجلة، حتى وصلنا إلى مستوى معقد ولا أفق لأي حل حتى الآن.

أموال المودعين بالعملة الأميركية غير مسموح أن تخرج من البنوك لقرارات صادرة من البنك المركزي، وهو القرار الأكثر إجحافاً وظلماً في حق اللبناني، فجنى عمره وتعب السنين سرقته المصارف، وسيضطر المودع إلى سحب ‏أمواله على أساس سعر الصرف الرسمي أي 1520 ليرة. وهذا ما يسمى بالسرقة العلنية.

وبين أوضاع اقتصادية ومالية صعبة والارتفاع الجنوني للسلع، يلمح اتحاد نقابة أصحاب المخابز والأفران إلى الإضراب بين كل فترة وثانية. نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأولية وتكبدهم خسائر فادحة، فمنذ أشهر وهم يطالبون بدعم القمح والإبقاء على وزن وسعر ربطة الخبز، ولكن ما من مجيب، تحت الحجة الأكبر لا أموال في الدولة "نحن مفلسون".

الطامة الكبرى أنه رغم الوضع الصعب والذي زاد من صعوبته كورونا مع انتشار البطالة، لم يجد السياسي اللبناني بكورونا إلا فرصة لتمرير صفقات وتعيينات غير قانونية لصالح فئات وجهات نافذة، وكأن شيئاً لم يكن، كيف لا والشعب عاد بعد الثورة ليختبئ في أحضان زعيم الطائفة المبارك وكأنه المخلص، وهو السارق الناهب، لن تقوم للإصلاح قائمة ما دام هناك لبناني يؤمن بأن ما يحدث في لبنان مؤامرة، وأن أميركا وأعوانها تركت مشاكل العالم لتفقر لبنان، لن يظهر الإصلاح ما دام غسل العقول موجوداً، فهو يتجاوز غسل الأموال خطورة ورداءة.

يتقاذف اللبنانيون الاتهامات بينهم، فالكل يعتبر أن زعيم الطائفة الأخرى هو من خرب البلد وأفقره، وأن زعيمه أمسك مقاليد الحكم وهي منهارة. عليّ الاعتراف أن السياسي اللبناني يستحق جائزة نوبل في النصب والاحتيال وسرقة الأموال، فهو رغم كل هذا يعيش بألف خير، فالمخطط الذي رسمه هو الأذكى عالمياّ، هرب أمواله، ما زال يسرق، يحكم البلد، وإن وجد نفسه في ورطة يشد العصب الطائفي ويزرع فتيل التعصب، يذكر الناس بأنه زعيم الطائفة الكريمة وحامي الحمى!

الجوع هو الفيروس الحقيقي وليس كورونا، هو أكثر فتكاً وتدميراً، يتحدث الكثير اليوم عن ثورة جياع ستضرب لبنان بعد جائحة كورونا، إنه السيناريو الطبيعي والمفروغ منه، ولكن ليس في لبنان!

لن تحدث ثورة جياع، بل سيجوع اللبناني بصمت وقهر! سنغرق في فوضى وموجة عنف ربما لا تنتهي ما دام اللبناني لم يكسر أصفاد عقليته الطائفية المريضة، فبعد أن اقتنع الكثير بأن زعيمه مظلوم ولأنه ابن الطائفة لا يجب مهاجمته، فهذا من المحرمات!

وطالما أن الجميع يخطئ إلا هو! وأن السارقين ربما كائنات فضائية وليس هو!، وأن المؤامرة الكونية تضرب لبنان، ودول العالم تهاجمه هو وطائفته، لن يكون هناك حل أو نهضة ولن يكون للبنان قائمة!

سيجوع اللبنانيون وينتظرون صدقات وفتات من أموالهم المسروقة، فلا العلم ولا الثقافة ولا الكتب ولا جهابذة الدنيا وعلماؤها قادرون يوماً على تغيير عقول طائفية مريضة، تسرق أموالها أمام أعينها وتنادي باسم زعيم الطائفة المخلص، هذا ما جناه اللبنانيون على أنفسهم! لعل كورونا وكل فيروسات العالم عاجزة عن مهاجمة دولة يفتك بها ما هو أنكى وأمر "الطائفية" المرض الذي ليس له لقاح.