بعد شيطنة "حماس".. فلسطين لم تعد في القلب

06 اغسطس 2015
الصورة
نجح النظام المصري في شيطنة "حماس"، فغابت القضية (Getty)
+ الخط -
بعد الجريمة البشعة التي ارتكبها مستوطنون إسرائيليون في قرية دوما جنوب مدينة نابلس عندما أحرقوا منزلا لعائلة فلسطينية وأدّت إلى حرق رضيع فلسطيني وإصابة شقيقه (4 سنوات) ووالديه بحروق خطيرة، شهدت مختلف دول العالم موجة غضب ومظاهرات تنديدا بالحدث، في حين لم ينتفض المصريون ولم يشغلهم شيء عن أفراحهم التي ملأت شوارع القاهرة الكبرى احتفالا بفوز نادي الزمالك بالدوري المصري.


كما تناقلت المواقع الفلسطينية مقطعا من الفيديو، لمسنّ فلسطيني عقب اقتحام قوات الاحتلال للمسجد الأقصى صبيحة 26 يوليو/ تموز، صارخا "وينكم يا الدول العربية، وينكم يا الدول الإسلامية"، وكان وزير الزراعة الاستيطاني أوري أرئيل قد هاجم المسجد الأقصى برفقة مجموعة مستوطنين في ذكرى ما يسمونه "خراب الهيكل" محولين المسجد إلى ثكنة عسكرية، ومخلفين وراءهم إصابات كثيرة.

مسجدنا لا "هيكلهم"

إنه لحدث جلل أن يتم تدنيس باحات المسجد الأقصى على مرأى ومسمع من الجميع في صمت مريب، حتى صفحات التواصل الاجتماعي في مصر لم تحرك ساكنا، لم يشجب أحد أو يُدن، الخبر نفسه لم يحظ بتلك الأهمية التي تؤهله للانتشار، بعد أن فقدت القضية الفلسطينية جُل التعاطف من الجانب المصري، وقد لا يعلم الكثيرون بما حدث مؤخرا في المسجد الأقصى، فمثل هذه الأخبار لم تعد تشغل وسائل الإعلام.

هكذا غابت أخبار فلسطين عن النشرات الإخبارية، بعد أن كانت وجبة أساسية ينقلها لنا موفد التلفزيون المصري طارق عبد الجابر الذي ألفنا صوته واعتدنا صورته بسترته المميزة، فنحن الجيل الذي تربي على هذه الأحداث، الجيل الذي لم ير من مشاهد القسوة والقتل والدماء والخراب في طفولته سوى ما ينقل من الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي كانت بمثابة الحدث التاريخي الأكثر شجى وألما، أعلم أن ذاكرتك بدأت في الانتعاش، وبالتأكيد تمر أمامك الآن صورة الطفل محمد الدرة وهو يختبئ خلف والده ورود الفعل التي أثارتها تلك الصورة المؤلمة، ومشهد استشهاد الشيخ القعيد، أحمد ياسين إثر هجوم صاروخي شنته طائرات العدو أثناء عودته بعد أداء صلاة الفجر، وإيمانك بأن الجدار العازل بمثابة مزيد من الحصار والتضييق والخناق على قطاع غزة، بالتأكيد وقفت الآن عند مشهد حرق العلم الإسرائيلي بعد مسيرة طويلة تضم عددا كبيرا من طلاب الجامعة وسط هتافات "يا نحمي الأقصى يا إما نموت".

هي نفسها فلسطين، وهو نفسه العدو، بل زاد في جبروته وطغيانه، فلماذا تبدلت مشاعر المصريين تدريجيا تجاه القضية الفلسطينية وخرجت عن الخط إلى حد بعيد منذ الثورة المصرية حتى وصلت ذروتها في الفترات الأخيرة!

دعوات تحريضية

معاداة الإسلام السياسي شعبا ونخبة، دفعت العديد من الأطراف لمعاداة حليفهم الأيديولوجي في فلسطين والمتمثل في حركة "حماس"، وتحديدا بعد تزايد الفزاعات الإعلامية التي تبث سموم الكراهية ضد الفلسطينيين من خلال برامج ومقالات ودعوات تحريضية تدعي تورطهم في قتل ثوار يناير واقتحام السجون وحفر الأنفاق الحدودية وتهريب الوقود إلى غزة، أيضا ألصق الإعلام بهم جريمة قتل الجنود المصريين في رفح المصرية 2012، كما نسب إليهم حالة الانفلات الأمني التي شهدتها البلاد ومشاركتهم في اعتصامي رابعة والنهضة، واتخذ النظام المصري كل هذه الادعاءات مبررا لتشديد الحصار على غزة ومنع الخروج والدخول إليها، واعتبار القطاع إرهابيا، ونزع صورة حركة المقاومة الوطنية عن حماس، وازداد الوضع سوءا وأصبحت القضية الفلسطينية تثقل كاهل المصريين ويكفرون بها.

ومع تطور الأحداث وإثر هجومين أسفرا عن مقتل أكثر من ثلاثين جنديا تبناهما "أنصار بيت المقدس"، أقام الجيش المصري منطقة عازلة على الحدود مع قطاع غزة نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وفي حين رآه النظام ومؤيدو الانقلاب، ضرورة أمنية لمنع تكرار الهجمات الإرهابية على سيناء والتي لم تتوقف بعد، ارتآه المهتمون بالقضية الفلسطينية نوعا من تضييق الحصار على المقاومة الفلسطينية، وأكبر خذلان لدولة الجوار عبر إقامة منطقة عازلة تمنع الحياة عنها من ناحية، ومن ناحية أخرى تنفيذاً لمخطط المشروع الأميركي الصهيوني بتفريغ سيناء وجعلها أرضاً بلا شعب، ويرمي النظام المصري إلى مزيد من حصار القطاع، خصوصا بعد أن أصدر رئيس الوزراء المصري، إبراهيم محلب قرارا بتوسيع المنطقة العازلة في رفح المصرية وهدم مزيد من البيوت نهاية أبريل/ نيسان الماضي.

إعلان العداء

بعد نجاح النظام في شيطنة "حماس" والتأكيد على أنها جزء من العدو الحقيقي الذي يهدد أمن مصر، غابت القضية الفلسطينية عن وجدان المصريين، بعد أن كانت واحدة من أهم القضايا، إن لم تكن في مقدمتها، منهم من أعلن العداء متسترا، ومنهم من أعلن عداءه على الملأ، فطالب عبد العزيز سمير منسق عام جبهة "إرادة شعب"، في تصريح لموقع "البوابة نيوز" منذ أيام، رئيس الجمهورية بإغلاق كل مداخل ومخارج سيناء وبناء جدار خرساني عازل بين مصر وقطاع غزة. وعبرت الكاتبة لميس جابر في تدوينة لها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، قائلة: "أطالب بطرد كل الفلسطينيين من مصر ومصادرة أملاكهم ومتاجرهم، ولابد من القبض علي كل متعاطف واتهامه بالخيانة العظمى، وإلغاء موضوع القضية الفلسطينية من المناهج والإعلام والصحف، ملعون أبو أم القومية العربية، مش هنحافظ عليها بدم أولادنا، كفاية تخلف وضعف وخضوع لكلام وهمي ملوش معنى، تعبنا وزهقنا ومفيش حاجة هتتغير ومش هيحرر فلسطين غير الفلسطينيين، لو أرادوا".

وإذا كان هذا هو نصيب القضية الفلسطينية من الثورة المصرية، وقدرها بابتعاد الدول العربية عن دعمها لانشغال كل دولة بأحداثها الداخلية، وتجنبا لإنتاج أجيال تكفر بالقضية، ولا تلقي بالا لتدنيس الأقصى، وجب علينا أن نغرز في أبنائنا كره الكيان الصهيوني، وأنه لا مكان على الخريطة لدولة تُدعى "إسرائيل"، هي مجرد كيان انتزع غصبا أرض فلسطين العربية، واستوطن فيها وسط طموحات مستمرة في التوسع من النيل إلى الفرات.. لعل الأمل في الأجيال الصاعدة.

(مصر)

المساهمون