بعد توهُّمِ

18 سبتمبر 2020
الصورة
رافع الناصري/ العراق
+ الخط -

النفس التي نسكنها في زمن الوباء: أُلْفة مفزِعة، حميميّة أجنبيّة. حائرين وغرباء نحلّ في زمن الوباء ضيوفاً على أنفسِنا.

نجد "الموحِش" الفرويديّ The uncanny بانتظارنا في عقر وعُمْق دارنا: أُلفةٌ مفزِعة، حميميّة أجنبيّة. صدىً وجوديّ معاصرٌ لسؤال عنترة العبسيّ المعلّق في معلّقته: "أم هل عرفتِ الدار بعد توهّم؟".

مؤنِسةٌ وموحِشةٌ هي الدار التي نسكنُها ونسكُن إليها منذ هجرتِنا الأولى إلى الحياة. لم نغادرْها قطّ، لكن يذهلُنا كم ابتعدْنا عنها، وكم تكدّسَ في غرفِ نومهِا وجلوسِها من حيواتٍ غابرة وشُغوفاتٍ مُهْمَلة ونسيانات.

مقيمين فيها ونازِحين عنها نحمِلُ كلَّ مفاتيح العودة، وكلَّ الأقفال.

نقفُ على عتبتها مأخوذين بكثافةِ ورهافةِ جدرانِها وبغزارةِ ما يُزهِرُ وما يذبُل منّا داخلها.

ندخلُها الآن، وقد ألمَّ بنا ما ألمَّ بنا من شرخٍ في الوجود، بتوجُّس العائدين وشوقِهم، نَهيم في ممرّاتها دون أدنى رغبة بفتح الشبابيك: لن تخذِلَنا العتمة هذه المرّة، ستُرَتِّق خيالَنا المثقوب وستصوّب قلبَنا المتعثّر.

نتوسّلُ الموسيقى أن تكونَ لنا وطناً عابراً بين منافينا اليوميّة، وأن تأخذَنا إلى أقربِ كرسيٍّ لكي ننهارَ بهدوء، مُتشبّثين بعزلتِنا خشيةَ أن يُطْبِقَ عليها فخُّ الوحدة المكتظّةِ بزوّارٍ لا يطرقون الباب.


* شاعر واختصاصي نفسي عِيادي من فلسطين

دلالات