بطولات السيسي الوهمية.. صناعة المجد الزائف

بطولات السيسي الوهمية.. صناعة المجد الزائف

06 يناير 2016
الصورة
+ الخط -

عبر متابعة تحركات ومواقف عبدالفتاح السيسي، منذ بداية ظهوره على الساحة السياسية في مصر، يمكن القول إن السيسي ومعاونيه من الأجهزة الأمنية أو الإعلامية لا يتوقفون عن بذل جهود حثيثة في تمجيده وخلق هالة من البطولات، تارة بمشاريع فاشلة يدفع ثمنها وطن يعاني من أزمة اقتصادية خانقة، وتارة بأكاذيب لبطولات وهمية.

البداية.. يوليو/ تموز 2013

في مساء الثالث من يوليو/ تموز 2013، وقف السيسي يخطب على الهواء مباشرة، بعد تظاهر الملايين من الشعب للمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، مُعلناً عزل الرئيس محمد مرسي عن رئاسة الجمهورية، بعد اتفاق مع من وصفهم بـ"رموز القوى الوطنية"، وبدء عدة إجراءات من شأنها إعادة استقرار مصر، كان من بينها وضع ميثاق شرف إعلامي، وتشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية، وبدء إجراءات انتخاب البرلمان، على أن تبقى القوات المسلحة بعيدة عن العمل السياسي.

لكن ما حدث بعد ذلك لا يمتّ إلى هذا الوعد بصلة، فمنذ تلك اللحظة أخذ السيسي بالتمهيد لتحقيق حلمه بالحصول على كرسي رئاسة الجمهورية، فأطلق الألسنة الإعلامية التابعة لأجهزته الأمنية بتفخيخ المجال العام والتحريض على القتل، والتمهيد لمذابح عدة وجرائم بحق المُعارضين له، ثم قامت تلك الألسنة بتسويقه كونه الزعيم المخلّص، والوحيد القادر على رئاسة مصر، وانتشالها من الأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة، عصفاً بكل الوعود العسكرية بالبعد عن السياسة.

بعد أن تحقق له ما أراد، قام مباشرة بتحويل مصر إلى دولة عسكرية شمولية هي الأسوأ في تاريخها بالكامل، إذ قامت الأجهزة الأمنية والعسكرية بالتصدي لكل من يعارضه، وقتله معنوياً أو تصفيته جسدياً، وأُطلقت يد تلك الأجهزة للتحكّم في كل مفاصل الدولة السياسية والإدارية والاقتصادية، فأصبح الجيش شريكاً جبرياً بكل المشروعات الاقتصادية، واستحوذت الأجهزة الأمنية على الحياة السياسية بالكامل فقامت بإنشاء أحزاب سياسية وتشكيل قوائم انتخابية ومنافسة بعضها لبعض على مقاعد البرلمان.

وهو ما شرحه الدكتور محمد البرادعي، أحد "رموز القوى الوطنية" الذين اجتمعوا مع السيسي قبيل عزل مرسي، قائلاً في مؤتمر حالة الاتحاد الأوروبي، الذي نظمته الجامعة الأوروبية في فلورانسا بإيطاليا في 6 مايو/ أيار من العام 2015: "ما حدث كان مخالفاً تماماً لما وافقت عليه كخارطة طريق. ما وافقت عليه هو إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وخروج كريم للرئيس السابق محمد مرسى، ونظام سياسي يشمل الجميع بما فيهم الإخوان المسلمين وغيرهم من الإسلاميين، وبدء عملية مصالحة وطنية وحوار وطني، وحل سلمي للاعتصامات، وقد كانت هناك خطة جيدة للبدء في هذا الطريق، ولكن كل هذا أُلقي به من النافذة وبدأ العنف".

اقرأ أيضا: السيسي وروسيا (1-2).. صناعة ناصر جديد

سد النهضة

في مارس/ آذار الماضي، أقر الرئيس السيسي باتفاق مبادئ حول سد النهضة بالعاصمة السودانية الخرطوم بعد اجتماع مع رئيس الوزراء الإثيوبي والرئيس السوداني عمر البشير، أعقبته صورة ثلاثية تجمعهم متشابكي الأيدي، وموجة عارمة من التهليل الإعلامي تحت شعار "السيسي حلها".

عقب الإقرار باتفاق المبادئ، وقف السيسي ليلقي خطابه في مشهد بطولي عقب توقيع الوثيقة بروح القائد المنتصر قائلاً "إن توقيع اتفاق مبادئ سد النهضة بالعاصمة السودانية الخرطوم هو الخطوة الأولى للتعاون بين مصر والسودان وإثيوبيا"، مضيفاً "كان ممكن نختلف ونفضل نأذي في بعضنا سنين طويلة جداً جداً، ولكن إحنا اختارنا التعاون والبناء والتنمية".

اتضح عقب فترة قصيرة، أن ما قام به السيسي وتوقيعه لاتفاقية المبادئ، كارثة حقيقية تُهدد أكبر روافد الحياة على أرض مصر. فوفق تصريحات الدكتور أحمد المفتي، العضو المستقيل من اللجنة الدولية للسد وخبير القانون الدولي والمستشار القانوني السابق لوزير الري، فإن ما وقّعه السيسي أدى لتقنين أوضاع سد النهضة، وحوّله من سد غير مشروع دولياً إلى مشروع قانونياً، كما ساهم في تقوية الموقف الإثيوبي في المفاوضات، وأضعف الاتفاقيات التاريخية.

وهو ما أكده وزير الري السابق محمد نصر علّام من أن مصر تنازلت وفق هذه الوثيقة عن وجود خبراء دوليين في اللجنة التي ستدرس مشروع السد، وتنازلت عن إسناد دراسات السلامة الإنشائية للسد، وعن النص على الحصة المائية، وعن النص على التفاوض على سعة السد، مقابل صور تذكارية، مطالباً بإقالة ومُحاكمة كل من شارك في هذه الوثيقة التي وصفها بالتهريج. ما أدى إلى تمادي إثيوبيا في بناء السد وتجاهل مصر كلياً، حتى قامت بتحويل مجرى النهر لمرور المياه فوق السد قبيل ساعات من جولة أخرى للمفاوضات دون حتى إخطار مصر، ما أعقبه طلب مصري بسرية ما تتوصل إليه المفاوضات لمداراة الخيبة والفشل.

اقرأ أيضا: السيسي وروسيا (2-2).. زغاريد سيدات مصر إنجاز للمشير

الإثيوبيين المُختَطَفين

صباح يوم الخميس 7 مايو/ أيار، وقف عبد الفتاح السيسي بمطار القاهرة مستقبلاً مجموعة من الإثيوبيين العائدين من ليبيا، قال إنهم كانوا مختطفين، مصحوباً بتهليل إعلامي تحت عنوان ضربة معلم.

في كلمته بمراسم الاستقبال، قال السيسي "إنه بفضل الله وجهود أجهزة كبيرة الأيام السابقة تم تحرير المواطنين الإثيوبيين المختطفين في ليبيا، كأول مجموعة من أشقائنا الإثيوبيين الذين كانوا في محنة كبيرة جداً داخل الأراضي الليبية، وكان همنا رجوع أشقائنا الإثيوبيين الموجودين هناك يرجعوا بلادهم سالمين، وكان التنسيق بينا وبين الحكومة الإثيوبية على كافة المستويات. صحيح الإثيوبيين ليس لهم حدود مباشرة مع ليبيا ولكن لهم شقيقة هي مصر وأشقائهم في مصر".

لكن تحولت ضربة المعلم هذه إلى فضيحة عالمية مدوية بعد أن كشفت وكالات أنباء عالمية حقيقة هؤلاء الإثيوبيين، والذين هم جزء من مجموعة كانت محتجزة لدى جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية الليبي، فيما أفادت تقارير أخرى عن عودة 10 آخرين عبر السودان قبل تلك الواقعة بأيام، وهو ما يوصف بأنه كذب علني واختلاق بطولات وهمية لتجميل صورة الزعيم والقائد بعد فشله الذريع على كل الأصعدة ولا سيما قضية سد النهضة.

على هذا المنوال، تصير الأمور في مصر، فكل تحرك أو موقف أو مشروع يقوم به السيسي، تقوم الألسنة الإعلامية بتصويره على أنه فتحٌ عظيم ونصر للقائد، وما أن تمضي بضعة أيام حتى يتضح أن وراء نصره هذا فشلٌ أو خسارة يدفع ثمنها الشعب الذي تضلّله تلك الألسنة، فضلاً عن اختلاق إنجازات وهمية، مثل افتتاحه أحد المشروعات التي هي قائمة بالفعل وتم افتتاحها منذ سنين طويلة، وظهوره على ظهر الباخرة المحروسة في افتتاح تفريعة قناة السويس بالزي العسكري كالفاتح العظيم، لتتوالى بعدها الأزمات الاقتصادية من جراء المشروع المتعجّل عديم الجدوى في وقته.

-------
اقرأ أيضا:
مصر.. 3 تناقضات في عمل لجنة حصر أموال الإخوان