بضائع مقلّدة ومسرطنة في أسواق تونس الموازية

02 مايو 2018
الصورة
تحاول الاختيار (العربي الجديد)
+ الخط -
في ظلّ الأوضاع الاقتصادية الصعبة من جهة، وقلّة الوعي وضعف الرقابة من جهة أخرى، يقبل مواطنون على شراء المواد المقلّدة التي تغزو الشارع التونسي، بسبب أسعارها الرخيصة، علماً أنها تشكل خطراً على صحتهم 

وسط العاصمة التونسية، تبدو الحركة كثيفة والازدحام على أشده. على أحد أرصفة شارع شارل ديغول، تجد منتجات ومواد تجميل وحقائب يدوية وأحذية وألبسة وغيرها. أحد الباعة عرض عطوراً زهيدة الثمن، وكان يصرخ بأعلى صوته: "بِدولارين، تعال يا زوّالي فوّح فوّح (تعطّر)".

تجمعت النساء والرجال من حوله، وكانوا يتفحصون قوارير العطور وقد أغراهم السعر والشكل. ولم يتردد بعضهم في الشراء. مشهد ومشاهد أخرى تتكرر يومياً في عدد من الشوارع الرئيسية في العاصمة التونسية، والأسواق الشعبية التي تشتهر في بيع منتجات مقلدة ومهربة، والتي لم تعد تقتصر على ألعاب الأطفال والألبسة والأحذية، بل باتت تشمل مواد غذائية كالشوكولاتة والحلويات، علماً أن شرطة البلدية تُلاحق هؤلاء الباعة.

ويؤكد رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك، سليم سعد الله، أن مختلف هذه المنتجات تشكل خطراً كبيراً على صحة التونسيين، مضيفاً أن أضرارها وخيمة، وغالبيتها مجهولة المصدر والمكونات، ما يدعو إلى إطلاق صفارة الإنذار. ويحذّر خلال حديث لـ "العربي الجديد"، من الأواني المعدنية والمواد الغذائية ولعب الأطفال ومواد التجميل، لافتاً إلى أن أضرارها لا تعد ولا تحصى، وتؤدي إلى انتشار الأمراض في تونس. كما أن ارتفاع الإصابات بالأمراض السرطانية يدعو إلى الحذر، مؤكداً أنه خلال السنوات الأخيرة، أصبحت هذه البضائع منتشرة بكثرة في البلاد. ويرى أن مقاومة هذه الظاهرة تكون من خلال مقاطعة هذه المنتجات، إذ لا يضمن أحد خلوها من المواد السامة والمسرطنة.




وفي السياق، يحذّر مدير إدارة حفظ صحة الوسط وحماية المحيط في وزارة الصحة، محمد الرابحي، في حديث لـ "العربي الجديد"، من خطر المنتجات التي تباع في الأسواق الموازية، واصفاً إياها بالغول "لأنها خطرة، وإن لم يظهر تأثيرها على الفور". ويلفت إلى أن العديد من المواد الغذائية قد تحتوي على ملوثات ورواسب تبقى في الجسم، وتظهر مخاطرها بعد سنوات عدة. ويبيّن أن القطاع المنظّم يخضع إلى رقابة مشددة من الدولة. وحتى وإن وجدت بعض المخالفات، فإن الرقابة تبقى ممكنة وقد تشمل الموزع لأن عنوانه معلوم. يضيف أن المشكلة تكمن في السوق الموازية التي لا يمكن السيطرة عليها.

ويلفت الرابحي إلى أن إمكانيات الدولة التونسية تجعلها عاجزة عن ملاحقة جميع الباعة المتجوّلين، وبالتالي يسهل لهؤلاء تسويق منتجاتهم والمواد المجهولة وتلك الغذائية سريعة التلف، إضافة إلى الأدوية والمبيدات التي أصبحت تسوّق بكثافة في الأسواق الموازية، ويقبل عليها التونسيون على الرغم من أنها لا تخضع لأي رقابة فنية. يضيف أن الأسواق التونسية مليئة بمثل هذه البضائع، وتبقى الرقابة غير كافية. ويشير إلى أنه يتوجب على المستهلك التونسي أن يكون واعياً، ويختار الأماكن المناسبة لشراء ما يحتاجه، وأن يقرأ ما هو مكتوب على أغلفة المنتجات. ويرى أن المسؤولية تبقى مشتركة بين الهيكل الرقابي والمجتمع المدني والمواطن، مع ضرورة التوعية حول مخاطر هذه البضائع.

ويكشف الرابحي أن لديهم وحدة يقظة، وكلما ترصد مشكلة تتعلق بأي منتج في العالم، يصار إلى التحري عنه في تونس وتحذير المستهلكين منه. يضيف أن أساليب الغش تطورت، والبعض يتفنن في تسويق منتجات تبدو ظاهرياً سليمة وتعليبها مشابه لمواد أصلية، لكن مكوناتها تكون ضارة. ويأمل أن يساهم قانون السلامة الصحية للأغذية، وهو قانون يصفه بالتقدمي والاستباقي، ويناقش حالياً في مجلس النواب، في إحداث تغييرات كبيرة من شأنها فرض منتجات أكثر جودة. ويبين أنه ينتظر الانتهاء من مناقشة مشروع القانون الأسبوع المقبل، وعرضه على التصويت، الأمر الذي قد يساهم في الحد من هذه الظاهرة، وفرض رقابة ذاتية، وسحب المنتجات غير السليمة، وتأهيل المختبرات التونسية، وتكثيف الجهود التي تعد مشتتة ومتداخلة بين عدد من الوزارات لمجابهة هذا الوضع.




إلى ذلك، يرى رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك وترشيد الاستهلاك، لطفي المرايحي، أنّ غالبية المنتجات المقلدة والمهربة تكون مواصفاتها متدنية، وتفتقر إلى الجودة. لذلك، تعد مضرة للصحة، خصوصاً مواد التجميل. يضيف أن هذه المواد تضر بالاقتصاد، وقد أدت إلى إغلاق عدد من المصانع، عدا عن تأثيرها على صحة المستهلك. ويوضح أنه في ظل تدني القدرة الشرائية للتونسي، عادة ما يقبل على مثل هذه المنتجات. ويشير إلى أن التجارة الموازية تنتشر في غالبية الأسواق، وتستورد البضائع من الصين وتركيا وغيرهما.

ويشدد عدد من المتخصصين في هذا المجال على ضرورة استهلاك المنتجات التونسية. وتستعد منظمة الدفاع عن المستهلك لإطلاق حملة "استهلك تونسي"، إذا إن البضائع التونسية، وإن كانت جودتها ناقصة، إلا أنها تخضع للرقابة ومصدرها معروف.

المساهمون