بصمة نسائيّة في أراضي 48 "على درب العودة"

16 مايو 2018
الصورة
إحدى الجولات إلى القرى المهجرة (العربي الجديد)
+ الخط -

مشروع "نساء على درب العودة" في أراضي 48 يضع النساء في أدوار أكثر فاعلية ليساهمن في التوعية حول القضية الفلسطينية، وعدم الاكتفاء بالمشاركة بل العمل على المبادرة. وبتن قادرات على التأثير ما سيؤدي إلى تطوير المجتمع
في ظلّ تمثيلهن المتواضع نسبيّاً في الأحزاب والمؤسسات والجمعيات التي تهتم بقضايا فلسطينيي 48، وتأثيرهن المحدود في الفعاليات الوطنية، بدأت مجموعة نساء من الداخل الفلسطيني في أخذ أدوار أكثر فاعلية، وبات حضورهن ملموساً في الآونة الأخيرة. فنكبة الفلسطينيين نكبة شعب بأكمله لم تميّز بين رجال ونساء.

بين بلدة مهجرة وأخرى، تتنقل "نساء على درب العودة"، حاملات الرواية الفلسطينية بأبعادها المختلفة، مستهدفات النساء بشكل خاص. أكثر من ذلك، يسعين إلى التأثير على المجتمع بأسره. وفي بعض الأحيان، ينضم إليهن رجال كمشاركين. ويعمل مشروع "نساء على درب العودة"، الذي تشرف عليه جمعية "كيان – تنظيم نسوي"، بالتعاون مع جمعية "الدفاع عن حقوق المهجرين"، مع خمس مجموعات نسائية في مناطق مختلفة في الأراضي المحتلة عام 1948، بهدف "خلق قيادة نسائية تساهم في إحياء العودة وذكرى النكبة، من خلال تنظيم عدد من الفعاليات والأنشطة الموجهة إلى العائلة". وبحسب القائمين على المشروع، هناك هدف آخر يتمثل في "تعزيز حضور النساء في الحيّز العام ودفعهنّ إلى المشاركة في اتخاذ قرارات خاصة بالمجتمع، وبلورة وعي شباب الداخل الفلسطيني".

تؤكّد مسؤولة المشروع في "كيان" راوية لوسيا، لـ "العربي الجديد"، على أهمية المشروع الذي انطلق قبل نحو عامين، وسبقه مشروع "الأرض والمسكن"، المتعلّق بالتخطيط ومصادرة الأراضي، ومدى معرفة النساء به لأخذ دور فيه. وتوضح لوسيا أنه "بعد مشروع الأرض والمسكن، وجدنا أن هناك شريحة من النساء تطالب بدور أكبر، وأن ارتباطنا ودورنا كنساء في قضايا مجتمعنا يجب أن يكون أكبر وأعمق، لا أن تقتصر نشاطاتنا على قضايا الجندرة. وبما أننا نؤمن أن النساء يجب أن يتواجدن في كل دوائر التأثير، لاحظنا أنهن مغيبات فعلياً وصوتهن غير مسموع في الحياة اليومية. من هنا، بادرنا في كيان مع جمعية حقوق المهجرين إلى توفير نشاطات تثقيفية أساسية وأولية وتدريب حول معنى العودة".

منصة للتأثير

توضح لوسيا خلال حديثها لـ "العربي الجديد" أن "التدريب المكثف بدأ يُؤتي ثماره، وصرنا نعطي النساء منصة للتأثير، وباتت المجموعات النسائية التي نعمل معها تبادر وتقود نشاطات مهمة في التثقيف للقضايا الوطنية والعودة والقرى المهجرة وغيرها". وتصف الأمر بـ "المهم، في ظل ارتباط النساء بقضايا شعبنا ومجتمعنا، كروايات النكبة والتهجير، ولم يعد الأمر بالنسبة لهن يقتصر على حكايات الآباء والأمهات والأجداد المحكية. هنّ تزوّدن وما زلن بمعلومات تاريخية جعلتهن يشعرن أكثر بأهمية الموضوع".



تتابع: "النساء المشاركات يقمن اليوم بدور أكبر. يشعرن بدورهن وأنهن تملّكن الموضوع وأدركن أهميته وبدأن يعملن بطريقة شمولية مع الجميع. هذا المشروع من الممكن أن يشكّل نقلة نوعية على مستوى المشاركة النسائية والتوعية المجتمعية والمبادرة النسائية ليس فقط للمشاركة في المناسبات الوطنية، لكن أيضاً لأخذ زمام الأمور في الدعوة والتنظيم. في مسيرة العودة على سبيل المثال، نريد المشاركة في التخطيط والتنفيذ، وقد لفتت نشاطاتنا الانتباه، وباتت بعض الجهات تطالب بحضور قوي للنساء وأخذ دور فعّال. هذا يحدث اليوم مع لجنة أراضي طنطور التي يستمر النضال لمنع مصادرتها، وقد قصدنا الأهالي. في قرية مجد الكروم، كان لنا بصمة رائعة بالتعاون مع رئيس المجلس في أخذ دور في تسمية أماكن ومناطق في البلدة، وهذه مجرد أمثلة تحضرني الآن وهي غيض من فيض".

الصوت الأصيل

خلال حديثها، تعود لوسيا للتأكيد لـ "العربي الجديد"، على أن "النساء يجب أن يؤثّرن في كل دوائر الحياة وليس فقط في القضايا الجندرية والعنف". تضيف: "النساء، وخلال تواصلهن مع قضايا معينة، يبعثن الصوت الأصيل ويعبّرن عنه. النساء منخرطات جداً في البيت والعمل والبيئة والمجتمع، لذلك يصبح تأثيرهن شمولياً في البيوت وخارجها. المرأة يمكنها أن تحمل هموم واحتياجات الطفل بصفتها أمّاً، وهموم الزوج والبيئة. المرأة لديها نظرة شمولية".

لدى النساء نظرة شمولية (العربي الجديد) 


مفاجأة سارّة

تقول لوسيا إنّ المشروع "بات يستقطب نساء كثيرات. في قرية يافة الناصرة على سبيل المثال لا الحصر، أطلقت حملة راجعة مع عيلتي أخيراً. نساء كثيرات انضممن، وأصبحت كل واحدة تتحدث عن حكايتها وحكاية عائلتها مع النكبة. مفاجأتي الخاصة أنني لم أتوقع أن يكون الموضوع قريب جداً لقلوب النساء، وأنهن كنّ يحتجن فقط إلى دفع خفيف لأخذ أدوارهن.

عندما نؤمن بالتغيير المجتمعي، علينا ألا نهرب إلى مكان مريح، لكن أن نثابر لتحصيل ما نؤمن به. اللجان الشعبية ولجنة المتابعة العليا للجماهير العربية واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية، تبدو وكأنّها تقتصر على الرجال مع تمثيل نسائي يكاد يكون معدوماً. علينا أن نقتحم هذه الأماكن حتى لو بدت المهمة صعبة، لا سيما أن لها دورها في مجتمعنا وبلداتنا وقضايانا الوطنية".

يمكن للنساء لعب دور مؤثّر (العربي الجديد) 


تتابع: "في جمعية كيان، نؤمن أن التغيير المجتمعي لا يحصل بالعمل على جانب واحد بل بتفكير شمولي. وترى أن أحد أسباب العنف ضد النساء والعنف المجتمعي، هو أنّ هناك أفراد لا يحصلون على حقوقهم ولا يعيشون بكرامة. لذلك، علينا مساواة النساء اجتماعياً ووطنياً وسياسياً، وعندها يتغير كل المجتمع. عملنا مع النساء يأخذ صداه، والسؤال هو متى سيبدأ المجتمع في تحمّل المسؤولية؟ لا أريد للجنة المتابعة، على سبيل المثال، أن تضم نساء بشكل صوري وإنما بشكل فعلي ومؤثر وفي السلطات المحلية وغيرها. كلّما عملنا أكثر على إشراك النساء في الحيز العام، سيتحسن المجتمع، ويزداد الوعي حول مختلف قضايانا بما فيها الوطنية، لأن المرأة يمكن أن تلعب دوراً مؤثراً لدى مختلف شرائح المجتمع".

تجدر الإشارة إلى أن المشاركات في مشروع "نساء على درب العودة" ينشطن في الآونة الأخيرة في فعاليات عدة، إحياء للعودة من خلال أنشطة تقوم بها النساء في الحقل، وتتزامن مع الذكرى السبعين لنكبة الشعب الفلسطيني. ومن بين الأنشطة التي أطلقتها المجموعات النسائية المختلفة مؤخراً، جولات إلى عدة قرى مهجّرة، من بينها اللجون، الدامون الرويس وسحماتا.

أحد الأنشطة (العربي الجديد) 


تعزيز وعي النساء

من جهته، يقول مسؤول مشروع "نساء على درب العودة" في جمعية "الدفاع عن حقوق المهجرين"، محمد كيال: "خصوصية المشروع أننا نعمل منذ عامين بالتعاون والشراكة مع مركز كيان على تعزيز الوعي لدى النساء بكل ما يتعلق بالنكبة والتهجير وحق العودة والتاريخ الفلسطيني. تشاركنا بالأساس مع خمس مجموعات نسائية، من جديدة – المكر، يافة الناصرة، مجد الكروم، قرية الحسينية، حيفا. وهناك فعاليات لنساء من منطقة شفاعمرو وكوكب أبو الهيجاء وأماكن أخرى، فالدوائر آخذة في الاتساع".

يضيف كيال: "ننظّم ندوات ومحاضرات حول موضوع مصادرة الأراضي والتجارب النضالية في بلادنا، ونزود النساء المشاركات بالأدوات المتعلقة بخطاب العودة والمطالبة بهذا الحق. نسعى لإشراك النساء لأخذ دورهن في تطبيق حق العودة، واستعادة أملاكنا المصادرة منذ أكثر من 70 عاماً. نظمنا جولات إلى مدن وقرى مهجرة، وقمنا بعرض أفلام عدة ومسرحيات لها صلة بالنكبة والتهجير. الحق في الأرض والمسكن حق من حقوق الإنسان، وحق سياسي في حالتنا. بالتالي، المرأة يجب أن تكون حاضرة بقوة، خصوصاً أنها تأخذ الدور الأساسي في تربية الأجيال الناشئة، ومطلوب منها نقل المعلومات والتجارب التي تكتسبها للأبناء والبنات، والحي الذي تسكنه والبلدة التي تُقيم فيها".



يضيف كيال: "هذا الطرح يلتقي مع مشروع عدنا الذي يستهدف فئة الشباب. الهدف الأسمى هو إشراك كل فئات شعبنا للتأكيد على حق العودة وتعزيز الوعي في هذا الجانب المتعلق بكل تاريخنا كشعب وتاريخ بلادنا. نحن أيضاً كجمعية للدفاع عن حقوق المهجرين نهدف الى توسيع صفوف الجمعية ليكون تمثيلاً أكبر للنساء في الجمعية وهيئاتها. اليوم، لدينا طاقم نصفه نساء تقريباً، وفي الهيئة الإدارية ثلاث نساء. وقبل عشر سنوات، لم يكن من تمثيل بالهيئة الإدارية للنساء. وإحدى الثمار التي نريد قطفها من مشروع "نساء على درب العودة"، هي زيادة تمثيل النساء في الطاقم والهيئة الإدارية والهيئة العامة.

يختم كيال حديثه قائلاً: "في الفترة الأخيرة، نلاحظ أن هناك نساء ناشطات، وقد ساعدن في تجنيد أبناء بلداتهن لمسيرة العودة، أكبر حدث تشارك فيه الجماهير العربية خلال السنوات الأخيرة. هذا جزء من الدور الذي نريده ونتطلع لما هو أكبر".

المساهمون