بريكست مأزق الشعبوية القاتل

25 يناير 2019
الصورة
+ الخط -
بات درس بريكست ماثلاً أمام جميع الحركات الشعبوية في أوروبا التي ترفع شعار الخروج من الاتحاد الأوروبي، وتقدّمه هدفاً في حملاتها الانتخابية من أجل الوصول إلى الحكم. وصار المأزق الذي وصلت إليه بريطانيا في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، ومع نفسها، يعني، في صورةٍ مباشرة، كل الحركات والأحزاب التي كانت تعوّل على الحدث البريطاني، كي يشكل لها رافعةً سياسيةً تساعدها لزيادة رصيدها الانتخابي. والملاحظ أنه كلما تعقّد الوضع البريطاني، وضاقت الطرق أمام الحكومة البريطانية للتوصل إلى اتفاقٍ وسط للخروج من الاتحاد الأوروبي، خفتت أوساط الشعبويين في أوروبا، وستكون انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو/ أيار المقبل المحك والمقياس لهذا الدرس القاسي. وبدلا من أن تشكل ورقة بريكست مصدر قوة للشعبويين الأوروبيين، فإن التقديرات تجمع على أنها سوف تنعكس عليهم سلبا. ومن غير المستبعد أن تصبح خارج التداول الانتخابي، بالنظر إلى الخسائر الكبيرة التي تكبدتها بريطانيا على المستوى الاقتصادي، والفاتورة كبيرة الحجم التي تنتظرها من جرّاء الخروج غير المدروس من الاتحاد الأوروبي.
يتحمّل الشعبويون في بريطانيا من حزب المحافظين بقيادة وزير الخارجية السابق، بوريس جونسون، وحزب الاستقلال بقيادة نايجل فاراج، المسؤولية عن إيصال بريطانيا إلى المأزق الراهن، وقد اختفى هذان العرّابان، بعد أن فاز بريكست في الاستفتاء في يونيو/ حزيران 2016، ولم يقدّما أي تصور من أجل تنظيم عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي، وها هي بريطانيا تعيش في متاهة شكسبيرية، لا هي قادرةٌ على تأمين اتفاقٍ مرضٍ للخروج من أوروبا، وليس في وسعها البقاء بشروط الأوروبيين. هذه هي نتيجة عامين من التفاوض، التي تم تضمينها في اتفاقٍ رفضه البرلمان البريطاني قبل أيام بغالبية كبيرة، من دون أن تكون أمام حكومة تيريزا ماي خياراتٌ غير تمديد العمل بالمادة 50 من اتفاقية لشبونة، من أجل تأجيل الخروج المقرّر رسمياً في 29 مارس/ آذار المقبل، والبقاء في الاتحاد، على أقل تقدير حتى نهاية العام الحالي، للتفاوض من جديد على اتفاق معدّل.
ومن يعود إلى بداية المفاوضات بين الوفد الأوروبي، بقيادة الفرنسي ميشيل بارنيه، والحكومة البريطانية، يجد أن النتائج ليست بعيدةً عن المقدمات. ومنذ اليوم الذي نجح فيه الاستفتاء، استعد الأوروبيون من أجل جعل طريق خروج بريطانيا عسيراً، على عكس ما صوّره الشعبويون البريطانيون مفروشاً بالورود، وكان الشرط الأول للبدء بالمفاوضات أن تتحمّل بريطانيا فاتورة جزائية باهظة تقدر ما بين 50 و60 مليار جنيه استرليني، والأمر الثاني أن تخرج من الاتحاد الأوروبي بصورة نهائية، وهو ما يتنافى مع ما روّجه بوريس جونسون أن بريطانيا سوف تتوصل مع الأوروبيين إلى اتفاقٍ جمركيٍّ يصب في صالحها. وتبين اليوم أن هذه النقطة تشكل أكبر لغم في الاتفاق، بالنظر إلى العلاقة بين أيرلندا الشمالية وبريطانيا وجمهورية أيرلندا العضو في الاتحاد الأوروبي. ويكمن مأزق لندن هنا إذا قبلت بالحدود الجمركية الأوروبية، فإنها بذلك تعرض اتفاق "الجمعة العظيمة" لضررٍ كبير، وترتب مخاطر على وحدة حزب المحافظين.
هناك من يقول في لندن إن بارنيه الذي كان وزير خارجية الرئيس الأسبق، جاك شيراك، هو الذي هندس الاتفاق مع بريطانيا، وعمل على زرع لغمٍ في كل فقرةٍ من فقراته، كي ينفجر في طريق بريطانيا، وأراد من خلاله أن يعطي درسا لجميع الذين يرفعون شعاراتٍ شعبويةً في أوروبا للخروج من الاتحاد، وهذا ما بات واضحاً بقوة.
وفي الختام، تجدر الإشارة إلى نقطتين. الأولى أن رهان الشعبويين على الرئيس الأميركي كان سراباً. والثانية أن حالة ذعر تسود في بريطانيا من حصول أزمة اقتصادية كبيرة ومديدة في حال الخروج، حيث تبلغ نسبة تجارة بريطانيا مع أوروبا 44%.