بريكست: تيريزا ماي تؤجل نكستها مؤقتاً

بريكست: تيريزا ماي تؤجل نكستها مؤقتاً

لندن
إياد حميد
11 ديسمبر 2018
+ الخط -


في اللحظة الأخيرة، رضخت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي للأمر الواقع، وسحبت خطة الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست) من أمام البرلمان البريطاني، بعدما كانت مصرّة في الفترة الأخيرة على طرح الاتفاق للتصويت في جلسة كانت مقررة اليوم الثلاثاء، لكن المؤشرات الكبيرة التي دلت على اتجاه البرلمان لإسقاط صفقة الخروج بصيغتها الحالية، دفعت ماي لسحب الاتفاق، لتؤجل خسارة محتّمة لها، عقب تحذيرات متكررة من نواب حزبها بأن نطاق الخسارة المتوقع قد يطيح حكومتها.

خروج ماي مؤقتاً من مأزقها، لا يعني أنها نجت من أزمة خطيرة لا تزال تهددها، فسعيها للتوجّه إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً لإعادة التفاوض على وضع الحدود الأيرلندية، قوبل بتأكيد المفوضية الأوروبية رفضها إعادة التفاوض على اتفاق بريكست، لتجد رئيسة الوزراء البريطانية نفسها في خضم أزمة كبيرة تضعها أمام احتمالات سيئة. واللافت أنه لم يتم تحديد موعد بديل للتصويت على خطة الانسحاب، مع تسريبات إعلامية بأن ماي قد تعمد إلى تأخيره ليوم 21 يناير/كانون الثاني المقبل، وهو اليوم الأخير لطرح مقترحها أمام البرلمان.

وبعدما كانت ماي متجهة لعرض اتفاق بريكست على التصويت اليوم في البرلمان البريطاني، فإنها قررت بعد مشاورات مع كبار الوزراء في حكومتها، العودة إلى بروكسل، في محاولة لإعادة التفاوض على وضع الحدود الأيرلندية في الاتفاق. وتحاول ماي قبل القمة الأوروبية المقررة يومي الخميس والجمعة، الحصول على ضمان قانوني يسمح مستقبلاً بخروج بريطانيا من الاتحاد الجمركي، إذ إن خطة المساندة تشمل إبقاء بريطانيا في الاتحاد الجمركي لمنع وجود حدود في الجزيرة الأيرلندية، فيما آلية الخروج من خطة المساندة تتطلب موافقة الاتحاد الأوروبي.

لكن رغبة ماي بإعادة التفاوض تصطدم بموقف حازم من الاتحاد، إذ أعلنت المفوضية الأوروبية أمس أنها لن تعيد التفاوض على اتفاق خروج بريطانيا بعدما توصلت إليه مع ماي. وأكدت المتحدثة باسم المفوضية مينا اندريفا أن الاتحاد الأوروبي قدّم للندن اتفاق بريكست "الأفضل والوحيد الممكن"، مضيفة أن "موقفنا لم يتغيّر، وبالنسبة إلينا فإن المملكة المتحدة ستغادر الاتحاد الأوروبي في 29 مارس/آذار 2019". وأضافت المتحدثة أن التكتل مستعد "لكل السيناريوهات"، مشيرة إلى أن رئيس المفوضية جان كلود يونكر تحدث هاتفياً مع ماي أمس الأول الأحد.

وبدا أن سحب ماي لاتفاق بريكست من التصويت، وتأجيل عرضه إلى ما بعد القمة الأوروبية الخميس، جاءا استجابة لضغوط حزبها "المحافظين". ولكن ليس من الواضح كيف لمثل هذا الخيار أن يأتي بتغيير جذري كافٍ لإقناع البرلمان البريطاني بالعدول عن رفضه للاتفاق، خصوصاً أن الاتحاد الأوروبي رفض تعديل النص القانوني لاتفاق بريكست، وفسح المجال فقط أمام تعديل الإعلان السياسي، والذي يحدد أطر الخطوات المقبلة فقط. ووفقاً لقانون الانسحاب، فإنه يتوجب على رئيسة الوزراء، في حال سقوطها مقترحها في البرلمان، التقدّم بمقترح بديل عن خطتها في غضون 21 يوماً من موعد التصويت، ومن ثم منح البرلمان أسبوعاً آخر للتصويت على مقترحها الجديد. وسيعتمد شكل الخطوة التالية التي ستتخذها ماي على حجم المعارضة لصفقتها، خصوصاً بين أعضاء حزبها "المحافظين".

وبرزت منذ فترة معطيات تؤكد أن اتفاق بريكست لن يحصل على الأغلبية المطلوبة في البرلمان البريطاني. فقد أعلن نحو مائة من نواب "المحافظين" معارضتهم لصفقة ماي واستعدادهم للتصويت ضدها. ويضاف إلى هؤلاء نواب الحزب "الاتحادي الديمقراطي" الأيرلندي، الذي تربطه بماي صفقة يدعم بموجبها رئيسة الوزراء في برلمان ويستمنستر، مقابل تخصيص الحكومة البريطانية لنحو مليار جنيه إضافية لدعم أيرلندا الشمالية. وبالطبع فقد كانت الأحزاب المعارضة وعلى رأسها "العمال" قد تعهدت بالتصويت ضد صفقة ماي أيضاً، وبالتالي كانت التوقعات بأن يحصل اتفاق بريكست على تأييد 220 صوتاً في مجلس العموم من أصل 650.


وفي حال فشلت ماي في إقناع الاتحاد الأوروبي بإدخال تعديلات على اتفاق بريكست، وعادت بالصيغة نفسها إلى البرلمان البريطاني، من المتوقع أن تتعرض لهزيمة قد تكون الأسوأ لأي رئيس وزراء بريطاني في العقود الأخيرة، بما سيشكل انهياراً لمصداقية ماي، ويعكس انعدام ثقة نواب حزبها في قدرتها على قيادة بريطانيا إلى بر بريكست. حينها قد تكون الانتخابات العامة خياراً عملياً تتمحور فيه البرامج الانتخابية حول شكل بريكست، ويصل بتركيبة برلمانية قادرة على تمرير اتفاق جديد. إلا أن حزب "المحافظين" يدرك أن أي انتخابات عامة قد تؤدي عملياً إلى وصول زعيم "العمال"، جيريمي كوربن، إلى داوننغ ستريت، وهو ما يرونه أسوأ من صفقة ماي الأوروبية، خصوصاً أن حزب "العمال" قال بوضوح إنه سيطالب بسحب الثقة من حكومة ماي والدعوة لانتخابات عامة في حال التصويت ضد صفقتها للخروج من الاتحاد.

وبذلك قد يسعى المحافظون إلى سحب الثقة من زعامة ماي للحزب، وهو الخيار المفضل لدى متشدّدي بريكست، والذي طالما لوحوا به ضدها إن لم تلتزم برؤيتهم لبريكست، وفشلوا في تطبيقه منتصف الشهر الماضي عندما أعلنت عن التوصل لاتفاق الخروج مع الاتحاد الأوروبي. إلا أن تصويت مائة من نواب ماي ضدها، سيكون له تأثير كرة الثلج المتدحرجة على الثقة بها، ويوفر النصاب الكافي لإطاحتها من رئاسة "المحافظين"، والذي يقف عند نحو 160 نائباً محافظاً. وكان عدد من كبار المحافظين، مثل بوريس جونسون، ودومينيك راب، وإيستر ماكفاي، وجميعهم وزراء سابقون في حكومتها، قد عبّروا في اليومين الماضيين عن استعدادهم للمنافسة على منصب ماي لتطبيق رؤيتهم الخاصة ببريكست. ولا يتطلب هذا الخيار التوجه إلى انتخابات عامة، بل يقتصر على انتخابات داخلية على زعيم جديد لحزب "المحافظين" يحل مكان ماي أيضاً في رئاسة الوزراء. ولا يعد ذلك أمراً سهل المنال أيضاً، إذ إن فشل المحاولات السابقة لسحب الثقة من ماي يعود إلى عدم قدرة معارضيها داخل حزبها على الاتفاق فيما بينهم، مما يعكس حجم الانقسامات داخل الحزب.

خيار آخر يبرز في حال رأت الحكومة البريطانية استحالة الحصول على أغلبية برلمانية لصالح أي اتفاق، وهو اللجوء إلى تنظيم استفتاءٍ ثانٍ على بريكست. وكما هو الحال مع الانتخابات العامة أو إعادة التفاوض على الاتفاق، قد يتطلب الاستفتاء تأجيل الخروج من الاتحاد الأوروبي، من موعده المقرر في 29 مارس/آذار المقبل، وهو ما يحتاج إلى أن تطلب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تأجيل الموعد، وأن تتقدّم بتعديل برلماني على قرار الانسحاب من الاتحاد لتغيير موعد بريكست قانونياً، ما يستدعي إجماع الدول الأوروبية، إضافة إلى أغلبية برلمانية. ووفقاً للقانون البريطاني، ستحتاج الحكومة لتقديم مشروع قانون جديد ينظّم إجراء الاستفتاء الثاني ويحدد شروطه وخياراته، والذي ستتم مناقشته في البرلمان وسيحتاج لأغلبية نيابية.

لكن يبقى خيار نجاح ماي بكسب التصويت في البرلمان وتمرير الاتفاق، قائماً، في حال اعتماد رئيسة الوزراء ربما على تذكير البرلمان بأن صفقتها هي الخيار الوحيد، والبديل هو الفوضى، خصوصاً أن البدائل هي إما الخروج من دون اتفاق، أو التراجع عن بريكست كلياً. ولكن إن وقعت "المعجزة السياسية" ونجحت ماي في خطتها، يتوجب على حكومتها تحويل الاتفاق إلى تشريع قانوني يتطلب موافقة البرلمان على كافة مراحله، وسيكون عرضة للعديد من التعديلات القانونية التي قد تغيّر من طبيعته، وتدفع ماي إلى تقديمه إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً. كما أن الحزب "الاتحادي الديمقراطي" الأيرلندي كان قد هدد بالانسحاب من اتفاق دعم حكومة ماي في البرلمان في حال تمرير صفقتها، وهو ما يعني فقدانها للأغلبية البرلمانية التي تحتاجها لتمرير القانون.

وفي حال عدم اللجوء إلى أي من الخيارات السابقة، سيكون الوضع الافتراضي للحكومة البريطانية أن بريكست سيتم حتماً في موعده نهاية مارس/آذار، لكونه مشرّعاً في القانون البريطاني. ويعني ذلك الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق. ولكن إذا نجح البرلمان في تمرير تعديل يرفض سيناريو عدم الاتفاق، فستضطر ماي حينها إلى تأجيل موعد بريكست، أو ربما إلغاء بريكست برمته وإبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

وأمام هذا الواقع المتأزم، بدا أن بروكسل توجّه رسالة أخيرة إلى لندن، بأنه يمكن طي صفحة الأزمة التي تسبّب بها تصويت صيف 2016 للخروج من الاتحاد والعودة إلى كنف الاتحاد و"كأن شيئاً لم يكن". هذه الرسالة جاءت في قرار لمحكمة العدل الأوروبية (أعلى سلطة قضائية في الاتحاد) في لوكسمبورغ أمس، نصّ على أنه يمكن لبريطانيا البقاء في الاتحاد من دون استشارة مؤسسات ودول الأخير. وقضت المحكمة أن لبريطانيا الحق في التراجع عن قرارها الانسحاب من الاتحاد الأوروبي من دون الحصول على موافقة الأعضاء في الاتحاد. وأكدت المحكمة في ردّها على دعوى رفعتها مجموعة من السياسيين الأسكتلنديين أن "للمملكة المتحدة حرية إلغاء الإخطار بشأن نيتها الانسحاب من الاتحاد الأوروبي بشكل أحادي الجانب". وأفادت المحكمة بأن "إلغاء من هذا القبيل، يتم تقريره بالتوافق مع متطلباتها (بريطانيا) الدستورية الوطنية، سيبقي المملكة المتحدة ضمن الاتحاد الأوروبي بموجب الأحكام ذاتها" المطبقة في وضعها كعضو في التكتل. لكن وزير البيئة البريطاني المؤيد لبريكست، مايكل غوف، قال لإذاعة "بي بي سي" أمس: "لا نريد البقاء في الاتحاد الأوروبي. كان تصويتنا واضحاً للغاية". وأضاف أن قرار المحكمة "لا يبدل نتيجة الاستفتاء (الذي جرى في 2016) ولا نيّة الحكومة المغادرة. تنوي الحكومة الوفاء بالتفويض الذي تمخّض عنه الاستفتاء".

ذات صلة

الصورة

سياسة

شهدت العاصمة البريطانية لندن، السبت، تظاهرة تطالب قادة مجموعة السبع، بقطع دعمهم السياسي والعسكري لإسرائيل.
الصورة
أسماء الأسد (جو كلامار/فرانس برس)

سياسة

فتحت الشرطة البريطانية تحقيقاً ضد أسماء الأسد زوجة رئيس النظام السوري بشار الأسد، بتهمة دعم الإرهاب، قد يجرّدها من جنسيتها.
الصورة

سياسة

شدّدت حكومات فرنسا وبريطانيا وألمانيا، اليوم الثلاثاء، على أنه يجب على إيران أن تتعاون بشكل كامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتعدل عن الخطوات التي تقلص الشفافية.
الصورة

سياسة

أدى قمع القوات الأمنية للمتظاهرين المحتجّين على الانقلاب في ميانمار إلى سقوط أول قتيل في صفوف الحركة الاحتجاجية، مع إعلان وفاة شابة أصيبت بالرصاص، الأسبوع الماضي، فيما تصاعدت الضغوط الدولية على المجموعة العسكرية.

المساهمون