برهان كركوتلي: رحلة في تشكّل ذاكرة دمشقية

27 ديسمبر 2016
الصورة
(من أعمال كركوتلي)
+ الخط -

على الرغم من إقامته الطويلة في أوروبا، فقد عرف برهان كركوتلي كيف يحافظ في أعماله على إيقاع الحكايات الشعبية الدمشقية، وعلى عبق أجواء دمشق التي عرفها صغيراً. كركوتلي فنان ومثقف، تمرّ ذكرى رحيله الثالثة عشرة هذه الأيام (26 كانون الأول 2003)، وهي مناسبة لفتح صفحات من طفولته وأول شبابه حيث تكونت تلك الذاكرة التي أسست لتجربته الفنّية ومنحتها تلك الفرادة.

هاجر جدّه عبد الوهاب، وهو من أصل كردي، إلى دمشق في عام 1880 هرباً من المجاعة الكبيرة التي حلّت في كركوك وتزوّج من امرأة من أصل سوري. وكان اسم عائلته في الأصل كركوكلي.

ولد برهان الدين كركوتلي يوم 15 أيار 1932 في القيمرية، أحد الأحياء المجاورة للجامع الأموي. وأمضى طفولته في حي الباشا الجوانية، قرب فندق غازي، العائد إلى أبيه وإلى شريك له. وتعلّم الألفباء وقراءة القرآن عند شيخ الحي. عاش الطفل منذ ولادته محاطاً بأشخاص موهوبين بالرسم، فأخواه عبد الوهاب ومراد كانا شغوفين بالتصوير.

اكتشف الطفل موهبته في الرسم في مدرسته الأولى، معهد اللاييك، وهي المؤسسة الفرنسية التي كان يرتادها عادة في ذلك الحين أبناء الطبقة البورجوازية. قام والده بعد طلاقه بإدخال الصغير في مدرسة دينية مرتبطة بجامع دنكز قرب بيتهم، حيث كان الرسم ممنوعاً منعاً باتاً فيها. في عام 1940، ومع استمرار الحرب تضاعفت الأمراض. وأصبح القمل على سبيل المثال مشكلة حقيقية. وفي أحد الأيام التقط أحد التلاميذ قملة على رقبة برهان وأراها للشيخ. وتلقى برهان بسببها صفعة قوية على القفا. كانت هذه الحادثة كافية ليترك برهان المدرسة التي لم يحبها قط وليبحث عن مدرسة أخرى.

وجد برهان في مدرسته الجديدة القليل من حريته المفقودة، وعاد بالتالي إلى الرسم ودروسه. وفي الواقع، منذ تلك السنة، بدأ برهان في الخروج من وحدته والثقة بنفسه؛ فكان يكسب بعض النقود في تكبير صور آباء رفاقه، كما كان يشارك مع طلاب الجامعة في التظاهرات ضد نظام "الانتداب".

عاش برهان إذن في حيين من أحياء دمشق: في القيمرية ثم في الباشا الجوانية، وهما حيان قديمان يقعان داخل السور. كان يحب التنزه فيهما، وخاصة في سوق الحميدية، وهو عالم كان الفنان يحاول ترجمته دائماً. كان يشعر فيه بسكينة كبيرة مع "هذه اللحظات المدهشة" عندما كان يمرّ أمام الباعة الصغار الذين كانوا يعرضون بضاعتهم على الرصيف.

ولم تكن الأسواق أبداً هي الأماكن الوحيدة التي تجذبه. فقد كانت أيضاً المساجد في المدينة القديمة تثير اهتمامه، ولا سيما الجامع الأموي. كان برهان يرتاده متأملاً قداسته، وكانت عيناه تتذوقان الأرابيسك والزخارف في الجدران والفسيفساء في المنبر، بل وأيضاً الأشكال الزخرفية الملوّنة في السجاد والخطوط العربية المعلقة على الجدران أو التي تترافق مع الأرابيسك في السقوف. ومذاك بدأ يقدّر الحياة الدمشقية التقليدية التي كانت تحيط به. وعرف الفنان على هذا النحو العادات والعقلية الدمشقية، وهذه الثقافة الشعبية التي أغنت خياله.

في المدرسة الثانوية، التجهيز الأولى، جذبت موهبته في رسم كاريكاتيرات لأساتذته ورفاق مدرسته انتباه أستاذه في الرسم، الفنان صلاح الناشف الذي شجعه كثيراً. وبدأ برهان عندها بزيارة المعارض والتردد على مراسم الفنانين مثل مرسم ناظم الجعفري.

في أول خمسينيات القرن الماضي، وتحت تأثير بعض زملائه بدأ برهان يهتم بالسياسة وحضور محاضرات الأحزاب، مثل حزب الإخوان المسلمين والحزب السوري القومي والحزب الشيوعي. كما كان يخالط في فندق والده منذ عام 1948 عسكريين فلسطينيين يبحثون في دمشق عن الدعم والمساندة. وهكذا فقد أتيحت له الفرصة لاكتشاف عالم الثوار الذي سيحضر بقوة في عمله المستقبلي.

ساعده هذا الجو المضطرب على التمرّد ضد الأعراف والتعصب في مجتمعه. وتبدّى ذلك خلال سنوات دراسته الثانوية حيث كان يرسم كاريكاتورات ضد التزمت الديني، ويتصرّف مثل "فوضوي"، الأمر الذي أثار العديد من الملاحظات في محيطه.

بعد نيله شهادة البكالوريا، أراد أبوه توجيهه نحو دراسة الحقوق أو الطب، غير أنه كان مهتماً بدراسة الفنون. لاقت رغبته هذه رفضاً قاطعاً من طرف أبيه. وانتهى الأمر بالتالي إلى أن يسجل الشاب، في عام 1951، في كلية العلوم الإنسانية في قسم الفلسفة. كانت الدراسة النظرية تشعره بالملل، فأخفق في سنته الأولى.

أدرك برهان عندها أن طريقه في مكان آخر، الأمر الذي دفعه إلى مراسلة كلية الفنون الجميلة في القاهرة وقد حصل بالفعل على قبول منها. لكنه واجه من جديد معارضة أبيه، الذي لم يكن يستطيع قبول ذلك لأسباب مادية بشكل أساسي. مع ذلك نجح أخوه البكر فتحي بإقناع الوالد بأنهما يستطيعان هما معاً تقاسم تكاليف الدراسة. وهكذا ترك كركوتلي دمشق، مدينة طفولته، في تشرين الأول/ أكتوبر 1952 متجهاً نحو الإسكندرية:
"قدّمت لي دمشق تراثها وجمالها. [...] كنت أمشي دائماً في أزقة حاراتها القديمة، وأتأمل الناس والحرفيين والمساجد والحياة في الأسواق. كنت أشعر بسعادة غامرة، ولكن لماذا؟ لا أعرف. [...] وشغلتني كثيراً أيضاً الحياة السياسية فيها؛ وهكذا أعطتني دمشق جمال الفن وجمال السياسة في باقة واحدة. وقد حملت معي إلى المغترب هذه الذكريات كجزء من جسدي".

تابع كركوتلي طريقه من الإسكندرية إلى القاهرة، وغداة وصوله انطلق الشاب الطموح ليلتقي برسامه المفضل، بيكار، في منزله ليريه رسوماته.

يصرح لنا كركوتلي إنه كان بالكاد يستطيع التنافس مع زملائه في بداية السنة الأولى، لكن تشجيع معلميه، حسين بيكار وعبد العزيز درويش، دفعه لتعويض تأخره. ودرس على هذا النحو بشغف التصوير الزيتي طيلة خمس سنوات، كما تعلّم النحت في القسم الحر من المبنى نفسه.

في عام 1958 أنهى برهان دراسته. وقد أثار مشروع تخرجه غضب عميد الكلية الذي فرض على الطلاب معالجة موضوع يتعلق بالثورة أو السلطة. أما هو، فقد فضل تناول المواضيع الإنسانية أو الشعبية. وعلى الرغم من التهديد بالرسوب في الامتحان، فقد اختار أن يتناول نماذج المرضى في مشفى الأمراض النفسية. وكانت المفاجأة الكبيرة أن اللجنة اختارت أعماله بين أفضل ثلاثة مشاريع.

وإذا كانت فترة مراهقته وأول شبابه في دمشق قد رسخت فيه حبّه لهذه المدينة وتراثها التقليدي أو الشعبي، وأعطته زاداً روحياً أكيداً، فإن مرحلة الدراسة الأكاديمية في القاهرة وما عاش خلالها من تجارب اجتماعية وسياسية قد لعبت دوراً هاماً في بناء فكره الفني وتشكل وعيه السياسي. حمل الكركوتلي كل هذا لينطلق في مغامرته "الملتزمة" من المغرب فإسبانيا فألمانيا فعودة إلى دمشق فالرحيل النهائي عنها إلى ألمانيا حيث يرقد الآن.
______________

سلحفاة من الطفولة

يذكر كركوتلي (الصورة) حادثة من سنته الثالثة في معهد اللاييك: "طلبت منا السيدة بودلين، معلمة الصف، أن نرسم سلحفاة، وهو ما قد فعلناه. ودهشتُ في اليوم الثاني عندما عادت المدرّسة بالأوراق وأشارت إلى رسمي أمام زملائي على أنه أفضل الرسمات. فقبّلتني بحرارة يومها وعلّقت هذا الرسم على الجدار. وكانت تريني الرسم كل صباح وهي تربت على وجنتي. يومها اكتشفت موهبتي!" (من مخطوط لم ينشر ويعود إلى سنة 1971). 



دلالات

المساهمون