برنارد لويس: أكمل المائة سنة

08 يونيو 2016
الصورة

برنارد لويس: العرب لا يدركون معنى الحرية (Getty)

لا أعتقد أبداً أنه "أسطورة الشرق الأوسط"، كما وصفته واحتفلت معه ندوة "الناشيونال ريفيو"، يوم عيد ميلاده المائة 31 مايو/ أيار، إذ كان قد ولد في مثل هذا اليوم عام 1916. ولا يمكننا، نحن العرب، أن نحتفي بمئويته، كونه لم يتراجع أبداً عن بعض كتاباته وكتبه التي أساء فيها لتاريخنا، ناهيكم عن مواقفه التي أضرت بحياتنا المعاصرة، وما أسداه من آراء وأفكار بعيدة جداً عن الصواب، علماً أننا نقدّر نخبة من زملائنا المؤرخين العرب الذين تتلمذوا على يديه، وقد رحل عدد كبير منهم إلى دار البقاء، فإن كانت للرجل منهجيته المعمقة التي علمها لطلبته على مدى سبعين سنة مرّت، فليس معنى ذلك أنه شكّل مشهداً، له مصداقيته ولا رجعة فيه في مضامين الدراسات الحديثة للشرق الأوسط.
برز برنارد لويس مؤرخاً ومستشرقاً بريطانياً له انتماؤه إلى يهوديته وصهيونيته معاً، عمل في الجيش البريطاني إبّان الحرب العالمية الثانية، وأحيل إلى وزراة الخارجية، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، عاد أستاذاً إلى مدرسة سوس في جامعة لندن، وتسلّم رئاسة دائرة الشرق الأوسط، وكان الأكثر تأثيراً في كتابة تاريخ العرب والعثمانيين والإسلام وشؤون الشرق الأوسط. وإذا كانت أطروحته الأولى عن تاريخ الإسماعيلية أنيقة ومعمقة، كما هي دراساته الأكثر تخصصاً، عدّ برنارد لويس رائدها في كتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، فضلاً عن استخدامه المحفوظات العثمانية الواسعة جرّاء معرفته القوية بكل من العربية والتركية، لكن انحيازاته إلى الصهيونية في تآليفه الأخرى قد أكدت، بما لا يقبل مجالاً للشك، أنه فاقد للموضوعية، ونشر آراءه التي وقعت في متناول جمهور واسع في أصقاع أوروبا وأميركا.
لم يكتف بتاريخ العرب، بل انغمر بعمله عن العالم الإسلامي قبل العصر الحديث، وكان المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، يتمنون عليه أن يكون منصفاً وحيادياً، ومن دون التقليل من شأن تلك الشعوب التي نالت من قساوة خصومها وأعدائها، سواء في العصور الوسطى أم مستعمريها ومضطهديها، إبّان العصر الحديث، وانتهاء بإسرائيل التي شكّلت تحدياً للعرب والمسلمين قاطبة، وقد وقف معها، ومع كل أخطائها التي مارستها على امتداد أكثر من ستين سنة.. ناهيكم عن تسخير ثروته الفكرية في معالجة القضايا العربية بعجرفةٍ واضحةٍ، وقد اعتمدت عليه حكومات وإدارات أميركية، وخصوصاً بعد أن انتقل ليعيش في الولايات المتحدة منذ خمسين سنة، مساهماً في استشاراته لها مؤرخاً مختصاً وخبيراً متضلّعاً لا مجرّد مراقب للتاريخ الحديث، مدّعيا أنّ ثمّة حوارات داخلية مع الشعوب المسلمة، وخرج بفكرة لقاء مع القيم وقوة الغرب.
كان ستيفن همفريز قد وفر له مكاناً غير عادي في جامعة كاليفورنيا، وجعلته أميركا على رأس قيادة مجمل التاريخ الإسلامي وتاريخ الشرق الأوسط، بدءاً من لحظة محمد التاريخية وانتهاء بيومنا هذا. "كما وكان فؤاد عجمي (توفي 2014) من جامعة جونز هوبكنز قد صفق له، ووصفه في عيد ميلاده التسعين قبل عشر سنوات، بأجل الصفات، ووضعه على رأس مؤسسة هذا العصر الأميركي الجديد في أراضي العالمين العربي والإسلامي"، إذ كان عجمي أحد أبرز المساندين للمحافظين الأميركيين الجدد في سحق العراق.. ونحن كنّا، ولم نزل، نشهد ما حلّ بالعراق وسورية ومصر من فجائع وكوارث وانقسامات وتمزّقات وانسحاقات.
امتدت حياة برنارد لويس المهنية الطويلة والزاخرة أكثر من 75 عاماً، بدءاً بمقالته الأولى عن "النقابات الإسلامية" المنشورة 1937، وصولا إلى عنايته بسيرته الذاتية عام 2012. وقد كشف أنه في منتصف حياته عام 1969، دخل إسرائيل، وكان يقول للطلبة المبتدئين في إحدى الكليات بإسرائيل إنها "وطنه الحقيقي"، وأضاف إن طموحه كان طاغياً لدراسة الرياضيات، لكنه فكّر ملياً في التحوّل إلى دراسات الشرق الأوسط، كونه تذوّق هذا الميدان الجديد، من دون أن يعلن أنّ ضرورة خدمة إسرائيل كانت السبب الحقيقي في انعطافته الذكيّة تلك، وكان كتابه "العرب في التاريخ" من نتاج تلك الانعطافة عام 1950.
كانت مسيرته، منذ خمسين سنة مضت، متواصلةً لممارسة دوره الذي بدا واضحاً أن له تأثيراً
عميقاً على طلبته وقرائه، وكلّ المهتمّين بشؤون العرب والمسلمين، كما نجح في توظيفه أدواته الفكرية وتقديمها كي نجد استيعاب وجهات نظره، وقراءة العديد من أعماله المنتشرة، والتي كان تسويقها كبيراً من المؤسسات المروجّة التي كانت ترعاه وترعى عروض جميع كتاباته ومؤلفاته بإيجابية كبيرة، وخصوصا سبعة من كتبه (في 1982، 1986، 1988، 1989، 1994، 1996، و 2000)، إذ حقق انتصاراً في مبيعاته أكثر بكثير من أي كاتب آخر. كما حقق اسمه ذيوعاً منقطع النظير على مواقع الويب مقارنة بالآخرين.. فضلاً عما حققه من أرقام عالية في فهم الشرق الأوسط وتركيبته الاجتماعية وأوضاعه السياسية، وبدا للعالم أجمع بأنه أكثر من أي شخصٍ آخر تأثيراً في فهم للشرق الأوسط والإسلام. يُقال إنه جادل جورج دبليو بوش بشأن العراق، وكان متشكّكاً في جهود الأميركيين، وخصوصا في جلب الحرية للشرق الأوسط، إذ لا يؤمن أبداً بأن العرب يدركون معنى الحرية! وعلى الرغم من ذلك، بقي مصدر إلهام لعديدين من التابعين له والموالين لأفكاره المتعصبة ضد العرب، وخصوصاً كما بدا ذلك من محاضراته ومناقشاته، مع أبا إيبان مثلاً.
كتبت قبل 15 سنة عن برنادر لويس، ولقاءاتي العابرة معه في مؤتمرات علمية، مضمّناً ذلك في كتابي "نسوة ورجال: ذكريات شاهد الرؤية" (2002)، وقلت عنه: "لم أجد مستشرقاً له قدرة على إشعال المشكلات وتأجيج الإشكاليات وتحليل الواقع وعدم الانفصال عن مرجعياته نفسه كما وجدت ذلك عند برنارد لويس الذي لم يزل يشعر أنه في ريعان الشباب"، واستطردت قائلاً: "... زاد برنارد لويس من أخطائه بانتقاداته للعرب المسلمين انتقادات صارخةٍ، لا تنم عن سلامة في الضمير، بل إنه يترصد الأخطاء، ويبحث عن مسوّغات لتبرير كل أطروحاته الفكرية والسياسية، وخصوصاً في كتبه الفكرية التي أصدرها، أخيراً، وخصوصاً بعد الحادي عشر من سبتمبر / أيلول 2001! وهو اليوم لا يقتصر على تجريحنا تاريخياً، لكنه يلقي بمزيد من اتهاماته السياسية، لكنه على الرغم من كلّ تبريراته التي يقدّمها بين حين وآخر، فهو أقل ما يقال عنه إنه غير حيادي في معالجة قضايا الشرق الأوسط اليوم" .
عدّ لويس، بعد دخول القرن الحادي والعشرين، أحد رموز المحافظين الجدد، وقد اعتمدت عليه سياسات الولايات المتحدة بين عامي 2007- 2009، وسمي عرّاباً رائداً للغرب في منطقة الشرق الأوسط. وكثيراً ما أصغى صنّاع القرار إلى نصائحه كواحد من المحافظين الجدد المؤثرّين، بمن فيهم الرئيس بوش وطاقمه، إذ دعم لويس الحرب ضدّ العراق، وكان يطمح على غرار جماعات أخرى، لتبديد قوته وسحق استراتيجيته في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، وهو يقلل من شأن مذابح الأرمن عام 1915، ويرفض تسميتها بالإبادة الجماعية، كي لا تزاحم ما سميت "المحرقة اليهودية"، كما وقف ضد الراحل إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" (1978)، إذا كان لويس قد الّف، في مطلع حياته العلمية، كرّاساً عن الاستشراق في بريطانيا.. المهم أنه يحتفل بمئويته اليوم، ولم يزل يمتلك ذاكرةً قويةً، ويقضي ساعات طوالاً أمام شاشة الكومبيوتر.