برنارد أوكين: مساجد من الأندلس إلى أصفهان

24 اغسطس 2019
الصورة
(من "جامع أشرف أوغلو" في بيشهير/ تركيا)

تُشكّل عمارة المسجد فضاء خصباً للبحث ضمن أبعاد متعدّدة، في محاولة لفهم الإسلام في مجاله الثقافي والسياسي وانعكاسه على تصميم دور العبادة، وكيف عبّر عن العقيدة أو الدعوة الجديدة سواء في نماذج بنائه الأولى أو بعد تطوّر الزخرفة وصناعة الأرابيسك والفنون لاحقاً.

ركّز العديد من الدراسات على التغيّرات الجمالية والتأثر بالبيئة والتراث عند بناء جوامع مع امتداد الخلافة الإسلامية شرقاً وغرباً، حيث برزت محاولات لافتة لتصنيفها بحسب الجغرافيا التي احتضنتها، بالنظر إلى اتساع الفوارق في تصميمها بدءاً من القرن العاشر الميلادي.

"المساجد: أبرز مئة بيت عبادة في الإسلام" عنوان الكتاب الذي صدر حديثاً عن "منشورات أسولين" في الولايات المتحدة، للباحث برنارد أوكين (Bernard O’Kane) أستاذ الفن والعمارة الإسلامية في "الجامعة الأمريكية" في القاهرة، الذي يتناول تاريخ بناء المسجد من خلال دراسة نماذج في عدد من البلدان في العالم الإسلامي.

يشير المؤلّف إلى أن دور العبادة مثّلت نقطة مرجعية لازدهار الحضارات الإنسانية، حيث عبّرت عن المكان الأكثر سمواً، وبنيت وفقاً لمعايير ومقاييس صارمة جداً لم يكن من الممكن تخيّلها من قبل، كما كانت الإمبراطوريات على اختلاف عقائدها، تعبّر عن هيمنتها على أراضٍ جديدة وسكانها من خلال تشييد أماكن مقدّسة تكثّف حضورها وقوتها بشكل رمزي.

ينتقل كين للحديث عن حقبة ازدهار الإسلام الذي تزامن مع العصور المظلمة في الغرب، وكيف ولدت الهندسة كعلم، وبنيت القبة المزدوجة، اللتان يعتبرهما ابتكارين أساسيين ساهما في تطوّر عمارة المساجد، ما تناسب مع وظائفها المتعدّدة لدى المسلمين باعتبار المسجد مؤسسة تعليمية ومركزاً اجتماعياً يساهم في عملية دمج الناس في الدولة الإسلامية بوصفهم مواطنين فيها.

يناقش الكتاب أيضاً التقاليد المتراكمة التي كرّستها الأشكال المعمارية القائمة على الفخامة والتبجيل، وظهور ابتكارات وأنماط جديدة مع بروز الطوائف والمذاهب وانتشار الإسلام في مناطق مختلفة، ثم التحوّلات التي طرأت على بنائه في العصر الحديث.

من المساجد التي يدرسها كين: المسجد الأموي في دمشق الذي شيّد في مكان مقدّس لعدد من الحضارات المتعاقبة وهو يقدّم نموذجاً لإعادة تشكيل كدار للعبادة وفق الرؤية الإسلامية، ورغم أن قاعة الصلاة فيه تعرَضت لأضرار بالغة أواخر القرن التاسع عشر، إلا أن الأروقة الجانبية تحافظ على الفسيفساء النباتية المتعدّدة التي تحاكي تصوراً مستمداً من معتقدات إسلامية حول الجنة.

في القاهرة، يتناول الكتاب مسجد ابن طولون الذي انتهي من بنائه عام 879 ميلادي، متأثراً بتصميم مساجد سامراء في العراق التي بدأ المسلمون بتنفيذها بطريقة دائرية لولبية تتيح مشاهدة أكبر مساحة ممكنة عند النظر في أي اتجاه، والأزهر الذي بني في القرن العاشر الميلادي ويمزج بين عدّة أساليب معمارية رومانية وقبطية ومشرقية.

يستعرض كين نماذج أخرى محللاً التطورات العمرانية في كلّ واحد منها وانعكاساته الاجتماعية والثقافية، مثل مسجد نائين (في محافظة أصفهان اليوم) وجامع يزد الكبير في إيران، ومجمع السلطان حسن ومجمع قلاوون في القاهرة، وجامع أشرف أوغلو والمسجد الكبير ومشفى ديوريجي في تركيا، والجامع الكبير في قرطبة.

يُذكر أن الكتاب يقع في 232 صفحة من القطع الكبير ويضم أكثر من مئة صورة فوتوغرافية تواكب نصوصه.

دلالات