برلمان تونس يُجبر الحكومة على جرعة قروض زائدة

13 ديسمبر 2016
الصورة
نواب يلتقطون صورة سيلفي داخل البرلمان (فتحي بلعيد/فرانس برس)
حظيت موازنة العام المقبل في تونس بموافقة البرلمان، بغالبية مريحة، غير أن هذه الغالبية لن تحمي حكومة يوسف الشاهد من الصعوبات المقبلة بعد أن بدد مجلس نواب الشعب أحلام اختصار الطريق نحو الإصلاحات الضريبية الكبرى وتوفير مصادر دخل جديدة لخزينة الدولة.
ذات البرلمان الذي منح الموازنة 122 صوتاً، أسقط الفصول المتعلقة بضرائب المهن الخاصة على غرار المحامين ورفع الرسوم الجمركية على الأدوية المستوردة، ما سيكلف الحكومة خسائر بنحو 418 مليون دولار، وفق بيانات غير رسمية.
وكانت الحكومة قد اقترحت فرض ضريبة على المحامين في حدود 80 دينارا (35 دولارا) عن كل ملف قضائي يحال إلى المحاكم، بهدف حصر نشاط المحامين، خاصة أن نحو ثلاثة آلاف محام من جملة 10 آلاف يعملون دون الكشف عن دخولهم، كما لا تملك مصالح الجباية أي أثر لحجم نشاطاتهم.
وعلى امتداد الأسابيع الماضية، دخل محامو تونس في سلسلة من الإضرابات والتحركات الاحتجاجية لإجبار الحكومة على مراجعة قرارها بسحب فصل الضريبة، غير أن نفوذ المحامين تجاوز مرحلة الضغط إلى استعمال نفوذهم داخل البرلمان (37 محام أعضاء في البرلمان) لإسقاط الفصل نهائيا، كما هدد الصيادلة بالإضراب في حال فرض ضريبة جمركية على واردات الأدوية بنحو 6%.
وستضطر الحكومة بعد إسقاط البرلمان لفصول ضرائب المهن الخاصة وتمسك الاتحاد العام التونسي للشغل بصرف زيادة في رواتب الموظفين، إلى البحث عن مصادر تمويل جديدة للموازنة، ما سيضطرها إلى طرق أبواب الخارج، وفق تصريح لوزيرة المالية لمياء الزريبي.
وقالت الزريبي أمام البرلمان، الأسبوع الماضي، إن الحكومة تعمل على رفع حجم القروض الخارجية السنة المقبلة إلى 3.71 مليارات دولار، بزيادة مليار دولار عما كان متوقعاً عند إعداد الموازنة.
ويعتبر الخبير المالي مراد الحطاب، أن ارتجالية الحكومة في إعداد الموازنة وعدم التوازن منذ البداية بين مصادر الدخل المفترضة والمصاريف المقررة، أوقع الحكومة في مأزق سيكبدها الكثير من العناء العام المقبل من أجل توفير الاعتمادات اللازمة لتوفير نفقات التصرف والتسيير والاستثمار.


وقال الحطاب لـ "العربي الجديد"، إن إفلات المهن الخاصة من دفع الضرائب يعيد عجلة الإصلاحات الاقتصادية التي شرعت الحكومة في تنفيذها إلى الوراء، متوقعا أن ينعكس ذلك على مصداقية الحكومة تجاه المقرضين.
ولفت إلى أن رضوخ السلطة للقطاعات والمهن المتهربة من الضريبة سيزيد من تعقيد مهمة تمرير إصلاحات تعد من الشروط الأساسية للحصول على القروض التي وعد صندوق النقد الدولي بصرفها بداية من 2017.
وحول إمكانية تعويض الحكومة لمصادر الدخل التي خسرتها في قانون المالية بوعود التمويل التي حصدتها في مؤتمر الاستثمار 2020، قال الخبير المالي إن التعهدات التي حصلت عليها البلاد بعد المؤتمر لا تعوّض مصادر تمويل الموازنة، مؤكدا أن جزءاً كبيرا منها موجه للاستثمار في حين لم تتضح الرؤية بعد بشأن الجزء الخاص بالهبات والقروض التي قد تتأخر إلى ما بعد 2018، حسب قوله.
وأبرمت تونس في مايو/أيار الماضي، اتفاق مساعدة جديدة مع صندوق النقد الدولي بقيمة 2.8 مليار دولار، تمتد على أربع سنوات في مقابل إصلاحات اجتماعية واقتصادية، وصفها الخبراء بالقاسية.
ويرى حزب حركة مشروع تونس الذي رفض برلمانيوه التصويت على قانون المالية أن الفرضيات التي بُنيت عليها الموازنة غير صحيحة وسيكون من أبرز آثارها اضطرار الحكومة بعد أشهر قليلة إلى إعداد مشروع قانون مالية تكميلي لإصلاح ما وصفه بالفرضيات المغلوطة.
وأضاف الحزب في بيان أن قانون المالية 2017 لم يُسبق بتقديم قانون مالية تكميلي لسنة 2016، ما يؤيد ارتجالية الحكومة في إعداد الموازنة.
وتواجه الحكومة ضغوطاً من المقرضين الدوليين لتنفيذ إصلاحات اقتصادية وخفض الإنفاق لتقليص العجز في الميزانية، والذي قد يتجاوز 1.6 مليار دولار بحلول نهاية العام الجاري، وفقا لبيانات البنك المركزي.
ومنذ صعود حكومة الشاهد إلى سدة الحكم في أغسطس/آب الماضي، أعلن رئيس الحكومة عن تبني سياسة التقشف والسعي إلى فرض زيادات ضريبية على المهن الحرة منها الطب والمحاماة، وبعض القطاعات الأخرى، لدعم الموارد المالية للدولة، غير أن خطته التي أُحبطت عبر البرلمان ستدفع البلاد مجددا إلى البحث عن مصادر تمويل خارجية ليسلك بذلك الشاهد نفس طريق أسلافه في ظل ممانعة كبيرة تبديها القطاعات والمنظمات للإصلاح الضريبي المعمق.
ومن المفارقات أن البرلمان الذي يعترض على تحصيل ضرائب من قطاعات لا تساهم كثيرا في إيرادات عامة كهذه، غالبا ما ينتقد السياسات الحكومية في اللجوء إلى الخارج للاقتراض، مطالبا بكشف مفصّل عن كل القروض التي حصلت عليها تونس على مدار السنوات الست الماضية.