برلمان العراق: مرآة للصراعات والتصدعات

03 سبتمبر 2018
الصورة
من تظاهرات أمام البرلمان عام 2016 (حيدر هادي/الأناضول)

على وقع غضب شعبي في تسع مدن جنوبية ضد الفساد السياسي وسوء الخدمات، وأبرزها عدم توفر المياه الصالحة للشرب، وبأطلال وخراب يجتاح مدن شمال وغرب البلاد بسبب الحرب على الإرهاب، يدخل العراق مرحلة جديدة، ببرلمان منتخب من قِبل ثلث المواطنين المسموح لهم المشاركة في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 12 مايو/أيار الماضي، يُشكل البرلمان الرابع للعراق عقب احتلال القوات الأميركية للبلاد عام 2003.

هذا البرلمان ستنبثق منه حكومة جديدة، ستواجه تحديات كبيرة في ظل ازدياد الإيمان بثقافة التظاهر والاحتجاج الشعبي على سوء الإدارة وإهمال القطاعات الصحية والحياتية المهمة للمواطنين، لكن مراقبين يرون في المقابل أن ما سيميّز البرلمان الجديد، هو وجود حس المعارضة السياسية التي تهدد بها أحزاب فائزة بالانتخابات، بعد أن كانت كل الكتل تشارك بالحكم في المراحل الثلاث الماضية، وفي الحصول على مكاسب ومناصب، وتتشارك "طائفياً" حكم البلاد، عبر تقسيم الوزارات والمناصب السيادية، والرئاسات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية).

انتقال ما بعد الاحتلال
بدأ العراق تأريخه السياسي عقب الاحتلال الأميركي بـ"الجمعية الوطنية الانتقالية"، برئاسة حاجم الحسني، والتي أدت دور مجلس النواب للفترة ما بين عامي 2004 و2005 بعد انتهاء دور "مجلس الحكم" وقيام الحاكم المدني الأميركي بول بريمر بتسليم حكم العراق للرئيس الجديد غازي الياور وتنصيب إياد علاوي رئيساً للوزراء في الحكومة المؤقتة. وكانت مهمة "الجمعية الوطنية" كتابة الدستور والتحضير لانتخابات حكومة ومجلس نواب جديدين. وقد تكوّنت من 100 عضو (40 شيعياً و25 سنياً و25 كردياً و6 من التركمان واثنين من المسيحيين ويزيدي واحد وصابئي واحد).
وبعد أن صوّت العراقيون على الدستور الجديد بالموافقة بنسبة 78 في المائة من المقترعين، في استفتاء كبير أجري في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2005، ودخوله حيز التنفيذ، بدأ انتخاب ما يطلق عليه اليوم مجلس النواب، لتصبح عملية انتخابه دورية تجري كل أربع سنوات، ويتم تشكيل حكومة تتولى السلطة للمدة نفسها، عوضاً عن الحكومات المؤقتة التي تولت السلطة في العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين.

وجرت أول انتخابات للبرلمان العراقي، في 15 ديسمبر/كانون الأول 2005، وتم اعتبار العراق في هذه الانتخابات، دائرة انتخابية واحدة، وقدّمت الأحزاب السياسية قوائم بأسماء مرشحيها. ولم يُسمح للأحزاب أو الجماعات التي لها أجنحة مسلحة بخوض الانتخابات، كما لم يُسمح لأفراد قوات الأمن أيضاً. وفي 20 يناير/كانون الثاني 2006 أعلنت المفوضية العليا للانتخابات في البلاد، عن فوز قائمة الائتلاف العراقي الموحّد، التي ضمّت الأحزاب الشيعية مثل "المجلس الأعلى" وحزب "الدعوة" و"التيار الصدري" وغيرها من التكتلات التي اعتمدت على الخطابات الدينية والفتاوى المؤازرة للانتخابات، بل وصل الأمر إلى تكفير من لا ينتخب الائتلاف، عبر استغلال رجال الدين. وحاز هذا الائتلاف على 128 مقعداً من العدد الإجمالي لمقاعد مجلس النواب البالغة 275 مقعداً، فيما حلّت قائمة التحالف الكردي في المرتبة الثانية بعد حصولها على 53 مقعداً، بينما حصلت "جبهة التوافق" السنّية على 44 مقعداً. وتأثرت المشاركة حينها بفتاوى صدرت بتكفير من ينتخب في ظل الاحتلال، وبتهديدات من تنظيم "القاعدة" طاولت المقترعين والمشاركين بالانتخابات.

ونجح محمود المشهداني في ترؤس مجلس النواب الأول في البلاد، في حين اختير نوري المالكي رئيساً للحكومة في 20 مايو/أيار 2006، وتولى المنصب في أول أيامه وكان اسمه جواد المالكي، قبل إعلان اسمه الحقيقي، معتبراً أن الاسم السابق كان يستخدمه خلال عمله في المعارضة متنقلاً بين سورية وإيران. وبقي المشهداني رئيساً لمجلس النواب حتى العام 2009، وكان أبرز حدث عاشته المرحلة الجديدة في العراق، هو قصف مبنى البرلمان في 12 إبريل/نيسان 2007، ما أدى إلى مقتل النائب محمد عوض، وإصابة 22 آخرين.

مشاكل البرلمان الثاني
في 7 مايو/أيار 2010، أجريت الانتخابات النيابية العراقية الثانية بعد الاحتلال، بتنافس محموم، إذ تعاظم عدد المشاركين فيها، فضلاً عن زيادة في عدد الأحزاب بالمقارنة مع انتخابات 2005، فقد شارك 6281 مرشحاً، توزعوا على 12 ائتلافاً كبيراً و167 كياناً سياسياً، وتنافسوا على 325 مقعداً في البرلمان. انتهت النتائج بفوز جزئي للقائمة العراقية، ذات التوجّه العلماني، التي قادها إياد علاوي، فحصدت 91 مقعداً، مما جعلها أكبر القوائم في مجلس النواب.

وبعد مشاكل كثيرة، واتهامات بالتزوير فضلاً عن تطور الحس الطائفي، وصل إجمالي عدد مقاعد المكون السنّي إلى 158 مقعداً حسب التصويت لمصلحة قوائم السنّة العرب والأكراد والتركمان، بينما حصل الشيعة على 159 مقعداً، فيما حصل المسيحيون على خمسة مقاعد، ومقعد واحد لكل من الأقليات اليزيدية والصابئة والشبك، مع الأخذ في الاعتبار زيادة عدد مقاعد البرلمان عام 2010، 50 مقعداً.

تولى أسامة النجيفي رئاسة مجلس النواب حتى العام 2014، واتسمت فترة رئاسته ببروز مشاكل أمنية وسياسية كثيرة. فقد بدأت من الخلافات على منصب رئيس الجمهورية، إذ تمسّك الأكراد بالمنصب وبإعادة ترشيح جلال الطالباني مرة أخرى، فيما رأت قوى سياسية أخرى أن هذا المنصب لا يجب أن يكون حكراً على قومية معينة. بالإضافة إلى تأزم مشكلة كركوك وإدارة ملفها الحكومي والأمني، فضلاً عن ازدياد النفوذ الإيراني في البلاد. وجرى اتفاق انسحاب القوات الأميركية من العراق، بجدولة انسحاب القوات وإخراج العراق من "البند السابع". وخلال الدورة نفسها، بدأت مناطق سنّية تشعر بتهميشها وإهمالها بالخدمات والتعيينات، فشهدت بداية ظهور مطالب بالاستقلال وإنشاء إقليم خاص بالسنّة. وانتهت الدورة البرلمانية بكارثة أمنية، أدخلت البلاد في حرب استمرت لثلاث سنوات مع تنظيم "داعش" الذي تمكّن بعد انهيار الجيش العراقي من احتلال 40 في المائة من مساحة العراق. وما يزال المتهم الأول بسقوط المدن هو نوري المالكي، الذي حصل على ولاية ثانية على رأس الحكومة.


انتخابات وسط انقسامات

شهد العراق نهاية إبريل/نيسان 2014 انتخابات عامة هي الثالثة، جرت وسط انقسام سياسي داخلي حاد واضطراب أمني، إذ اصطدم "ثوار العشائر" مع القوات العسكرية العراقية في مدينة الأنبار، ما أدى إلى استثناء الفلوجة والكرمة من الانتخابات. وبلغت نسبة الاقتراع في تلك الانتخابات أكثر من 60 في المائة، بما يشكل أكثر من 12 مليون ناخب ممن يحق لهم التصويت. وأعلنت النتيجة النهائية للانتخابات في 19 مايو/أيار 2014، بفوز "ائتلاف دولة القانون" التابع للمالكي بـ92 مقعداً، فيما جاءت "كتلة الأحرار" لـ"التيار الصدري" في المرتبة الثانية بـ33 مقعداً.

وسعى المالكي، في أغسطس/آب 2014، لتولي رئاسة الوزراء لفترة ثالثة، لكنه فشل في مساعيه مع وجود تحفّظ أميركي عليه وعدم ممانعة إيرانية في استبداله بسبب الفوضى التي أحدثها خلال سنوات حكمه للبلاد. وانتخب البرلمان سليم الجبوري رئيساً له، فيما قرر "التحالف الوطني" ترشيح حيدر العبادي، نائب المالكي في حزب "الدعوة"، ليكون رئيس الوزراء، ووافقت عليه أغلب الكتل السياسية، وتم تكليفه في وقت قياسي بالمنصب.

صورة مغايرة
بعد 15 عاماً من الاحتلال الأميركي للعراق، يجتمع البرلمان اليوم الإثنين لمباشرة أعمال ولايته الرابعة، واختيار رئيس له وباقي الرئاسات، وذلك بعد مشاكل عديدة في الانتخابات النيابية الأخيرة، وإعادة عد وفرز النتائج لمرة ثانية عقب اتهام مفوضية الانتخابات بالفساد. وأجرى الرئيس العراقي فؤاد معصوم خلال الأسابيع الماضية سلسلة من الحوارات مع كافة القوى السياسية بشأن الإسراع في حسم تفاهماتها السياسية لإنجاز الاستحقاقات الدستورية المترتبة على انعقاد المجلس، وما يليها من اختيار لرئيس المجلس ونائبيه وفتح باب الترشيح لانتخاب رئيس للجمهورية، ومن ثم تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً لتشكيل الحكومة.

وتصدّعت القوى السياسية في الانتخابات الأخيرة، فلم يعد مفهوم "التحالفات الطائفية" رائجاً لدى السياسيين العراقيين، بعد أن دخل مرشحون سنّة في أحزاب شيعية، ومرشحون شيعة في أحزاب سنّية. وانتهت الانتخابات بفوز "تحالف سائرون" المدعوم من مقتدى الصدر، بعد أن صدّر نفسه باسم "راعي الإصلاح" ودخوله على خط تظاهرات المدنيين والعلمانيين في بغداد. وحلّت قائمة مليشيات "الحشد الشعبي"، "الفتح"، في المرتبة الثانية، فيما لم تربح الأحزاب السنّية عدد مقاعد برلمانية تناسب نسبة المكوّن في البلاد، بسبب نكبة "داعش"، التي دفعت المجتمع السنّي إلى العزوف عن الانتخاب غضباً من الوقت العصيب والنزوح الذي عاشه لأكثر من عامين.

في السياق، رأى النائب الفائز في الانتخابات الأخيرة، حبيب الطرفي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الدورة الأولى للبرلمان، كان وضعها يختلف عن الدورة التي نعيشها الآن، فقد كان يضم البرلمان الأول شخصيات عراقية مهمة، وكان يمتاز بالانضباط أكثر من الآن"، معتبراً أن "ما حصل في الدورتين الثانية والثالثة، هو تراجع في الأداء الوظيفي والتشريعي، وإلى أن انتهت بالدورة البرلمانية الثالثة التي اتضح من خلالها الانحدار الخطير في البرلمان، ولذا فإن الدورة الأولى كانت أفضل من الثانية، والثانية أفضل من الثالثة، لأن آلية المعارضة السياسية لم تكن موجودة، وهو ما أثّر سلباً على عملية إعمار البلاد وتطويرها والارتقاء بها".
وأضاف أن "البرلمانات السابقة التي مرّت على العراق، عملت على استثمار الطائفية لحماية نفسها، وبقي هذا الأمر غير واضح للناس، حتى انكشف أمر الأحزاب الطائفية، وانعدمت الثقة بين المكوّنات السياسية والمجتمع العراقي"، لافتاً إلى أن "المرحلة المقبلة، سنحاول من خلالها الخروج من مرحلة التخندق الطائفي، واللجوء إلى الكتل العابرة للطائفية، وسنعمل على تهشيم جدار الطائفية بعد أن تصدع خلال السنوات القليلة الماضية".

من جهته، أشار النائب السابق رعد الدهلكي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن "البرلمان في الدورة المقبلة سيختلف عن الدورات السابقة، لأسباب عديدة، أبرزها وجود كتل تريد تشكيل حكومة وفق برامج سياسية معينة، ووجود معارضة حقيقية لديها برامج أخرى، ففي المرحلة الجديدة لن تشارك كل الأحزاب في تشكيل الحكومة، وهذا أمر إيجابي"، موضحاً أن "القوى السياسية الحالية ستعمل على إيجاد توازن حقيقي داخل البرلمان". ولفت إلى أن "ملف محاسبة الفاسدين في الحكومات السابقة، لا يمكن فتحه في البرلمان الجديد إلا بعد حصر السلاح بيد الدولة، لأن غالبية الفاسدين لديهم أجنحة مسلحة ومليشيات وعصابات، ويقومون بتهديد من يشتكي ضدهم ومن يحاسبهم، بل ويهددون حتى القضاة"، معتبراً أنه "لا بد من محاسبة من تسبّب بإضعاف الجيش العراقي وإسقاط مدن عراقية بيد داعش، وفتح ملفات الفساد في قطاعات البلدية والكهرباء"، مستدركاً بأن "الاحتجاجات في العراق ستكون عامل ضغط على البرلمان والحكومة الجديدين، لأن ثقافة الاحتجاج والاعتراض أصبحت طبيعية لدى الشعب العراقي وسيشكل هذا الأمر خطورة على العملية السياسية".

أما المحلل السياسي العراقي محمد شفيق، فرأى أن "المشاكل التي عانى منها العراقيون من البرلمانات السابقة، ستعود نفسها في البرلمان الجديد، لجهة الصفقات والإرادة المسلوبة للنائب من قِبل رؤساء الكتل، فضلاً عن الاستجوابات القائمة على أساس التسقيط والمصالح"، متوقعاً في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "يقل الخطاب الطائفي في المرحلة الجديدة، بسبب الكتل المزدوجة التي تضم نواباً شيعة وسنّة".