برلمان الزعيم الملهم (2/2)

22 يوليو 2020

(4)

بالطبع، لم يكن في مصلحة عسكر يوليو أن تقوم وسائل الإعلام ـ التي سيطرت عليها الدولة، قبل أن تؤممها بالكامل عام 1961 ـ بتذكير المصريين بالنضال السياسي الذي خاضه آباؤهم وأجدادهم من أجل تأسيس حياة نيابية ديمقراطية تجعل الشعب يحكم نفسه بنفسه، وتضع «الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة»، وهو ما جعل مصر تشهد بين ثورتَي 1919 و 1952 تسعة برلمانات، كان من بينها ما تم إنشاؤه بالتزوير والقمع وإدارة البوليس السياسي، وكان من بينها ما جاء عبر انتخابات حقيقية أقبل عليها الشعب. والأخيرة تعرضت كلها لحرب شعواء من القصر الملكي، سواء بمعاندة ما يصدر عنها من قرارات، ومحاولة إفراغه من محتواه، أو بالتضييق على نوابها النشطين، أو بتعريضها لقرارات الحل والإلغاء، بتهمة أنها تتجاوز حدودها، وتنازع الملك في سلطاته.

كان ترتيب تلك البرلمانات كالآتي:
البرلمان الأول الذي جاء عقب صراع سياسي طويل استمر لسنوات عقب ثورة 19، تم افتتاحه في 15 مارس 1924، ومع ذلك فقد تعرض للحل في بداية دورته الثانية في نوفمبر من سنة 1924، بفضل ثغرة تم زرعها في دستور 1923، ليستغلها الملك فؤاد في إحكام سيطرته على البلاد. لكن هذا البرلمان الذي استمر عدة أشهر فقط، كان أسعد حظا من البرلمان الثاني الذي تم حله في يوم افتتاحه، أي أن عمره لم يتجاوز ساعة واحدة، لأن الانتخابات جاءت ببرلمان وفدي اعتبره الملك صورة طبق الأصل من برلمان 1924. وبعد ذلك جاء ائتلاف حزبي بالبرلمان الثالث في نوفمبر 1926، وقد تولى فيه زعيم الأمة ورئيس حزب الوفد سعد زغلول رئاسة مجلس النواب، تاركا رئاسة الوزارة لعدلي يكن خصمه السياسي اللدود وزعيم معارضيه، ومع أن ذلك المجلس قام بخطوات تشريعية ورقابية مهمة، فقد تم حله في بداية سنة 1928 بسبب انتهاء الائتلاف الحزبي واستغلالا لوفاة سعد زغلول.

في نهاية سنة 1929 جاء البرلمان الرابع لكنه لم يُعمّر أكثر من خمسة أشهر ليعلن قرار حله بعدها، ثم يتم إلغاء دستور 1923، ويعلن الطاغية إسماعيل صدقي المدعوم من الملك دستورا آخر جاء ببرلمان خامس تم صناعته على عين إسماعيل صدقي وبدعم أجهزة أمنه. وبعد نضال شعبي مبهر وملهم استمر عدة سنوات، وفي سنة 1936 عاد دستور 23 من جديد، وأقيمت انتخابات شعبية حرة، جاءت بالبرلمان السادس الذي سيطر عليه حزب الوفد الذي كان زعيمه مصطفى النحاس قد تحول إلى أيقونة شعبية، ليتم حل ذلك البرلمان في إبريل 1938.

مع أن الجيش كان قد وعد الشعب بأن يعود إلى ثكناته فورا، ليترك لممثلي الشعب تحقيق أهداف الثورة وأحلامها، إلا أن الأمر انتهى نهاية حزينة، بعد تواطؤ الإخوان المسلمين وعدد من القانونيين المنتمين لأحزاب الأقلية

ويعقبه البرلمان السابع الذي تم حله عقب أزمة 4 فبراير 1942 الشهيرة، والتي وصلت بالخلاف بين الوفد والقصر إلى منتهاه، وأتاحت الفرصة لكثير من أحزاب الأقلية أن تصطاد في المياه العكرة، وتستغل دعم الإنجليز لمصطفى النحاس في مواجهة الملك، بتصوير الوفد بأنه خان الوطن والشعب، في الوقت الذي كان النحاس قد تبنى فيه رأيا بأن الخطر الحقيقي على الأمة المصرية يكمن في إلغاء الملك لإرادتها، وأنها لن تتحرر من الإنجليز إلا إذا قامت بحماية الدستور الذي يضمن حكم الشعب المصري لنفسه، لتبقى البلاد في خضم تلك المعارك السياسية دون برلمان، حتى جاء البرلمان الثامن الذي تم انتخابه في يناير سنة 1945، وهو البرلمان الوحيد الذي أكمل دوراته الخمس إلى نهاية سنة 1949، ثم جاءت الانتخابات في يناير سنة 1950 ببرلمان هو التاسع الذي ظل قائما حتى أطاحت به ثورة يولية 1952.
كان مستحيلا أن تسمح دولة يولية بتذكير الشعب المصري بكل ما صاحب تلك المسيرة من نضال حقيقي، ولا بأن الدعوة إلى الثورة على الملكية بدأت أصلا من داخل البرلمان في عدة مواقف تاريخية أعلنها عدد من النواب من مختلف الأحزاب، ولا أن يتم تذكير الشعب بعدد من القوانين المهمة التي حققها البرلمان الوفدي الوحيد الذي أكمل دورته في مجالات التعليم والري والتموين والصحة والسياسة الخارجية، برغم أن ذلك تم في ظل تعرض الوفد نفسه للكثير من الأزمات، بعد انشقاق عدد من قادة الوفد المهمين، وتغوّل جناح فؤاد سراج الدين داخله، ومع ذلك فقد ظل زعيم الوفد مصطفى النحاس قادرا على المناورة والمبادرة، وتجديد دماء الوفد بضم العديد من العناصر اليسارية والمتمردة إليه. لكن كل ذلك لم يؤتِ ثماره بسبب احتكام الأزمات السياسية التي تسبب فيها الملك فاروق وحاشيته، والتي أوصلت البلاد إلى طريق مسدود، كان ينذر بانفجار شعبي حاشد، أجهضه قيام العسكر بحركتهم التي وصفها المصريون بالمباركة، لأنها حققت أحلامهم في الخلاص من الملكية الفاسدة.

ومع أن الجيش كان قد وعد الشعب بأن يعود إلى ثكناته فورا، ليترك لممثلي الشعب تحقيق أهداف الثورة وأحلامها، إلا أن الأمر انتهى نهاية حزينة، بعد تواطؤ الإخوان المسلمين وعدد من القانونيين المنتمين لأحزاب الأقلية، على تحريض قيادات الثورة ضد الوفد وغيره من الأحزاب الكبيرة، ومطالبتهم على طريقة «كمل جميلك» بأن يقوموا بتطهير الحياة السياسية من تلك الأحزاب التي تم تحميلها كل خطايا العهد السابق، وإهالة التراب على سنوات من النضال السياسي والشعبي، ليظهر وكأن تاريخ الحرية والكرامة بدأ مع مجيء العسكر إلى الحكم، ولينتهي الأمر بتخلص العسكر من الوفد وغيره من الأحزاب، ثم بتخلصه من الإخوان والقانونيين الذين ساعدوه، ثم بتخلصه من قوى اليسار المتناحرة والسيطرة على النقابات والصحف، وخنق المجال السياسي، ليصبح الأداء السياسي المسموح به متاحا فقط تحت قبة مجلس الأمة الذي ذهب الزعيم الملهم ليتفقده قبل افتتاحه. 

(5)

كان مجلس الأمة الجديد كما رأينا ومنذ افتتاحه، مصنوعا على مقاس دولة الضباط وطبقا لمواصفاتهم السياسية القياسية، ومع ذلك فقد تسرب إليه بعض الأعضاء الذين خرجوا على النص، كان أشهرهم النائب أبو الفضل الجيزاوي الذي قدم سؤالا حول أوضاع المعتقلين السياسيين، رد عليه زكريا محيي الدين وزير الداخلية وعضو مجلس قيادة الثورة بشراسة، نافيا وجود أي معتقلين سياسيين في مصر. وبرغم أن النائبة راوية عطية حاولت مساندة زميلها الجيزاوي في سؤاله، إلا أن القضية أقفلت بالتجاهل، ليعود المجلس إلى دوره المرسوم بإقرار القوانين التي كان يحتاج عبد الناصر إلى إصدارها عبر المجلس، بدلا من أن يعلنها بنفسه مسبوقة بعبارته الأثيرة «باسم الشعب». ومع أن المجلس لم يخذل زعيمه الملهم في كل ما طلبه من قرارات، إلا أن ذلك لم يمنع الزعيم من إصدار قرار جمهوري بحل المجلس في أغسطس عام 1958، لتختفي أي مظاهر نيابية حتى لو كانت صورية من مصر، لمدة سبعة أعوام، حيث لم تعد إلا حين قرر عبد الناصر في مارس 1964 أنه بحاجة إلى برلمان ديكوري جديد.

 كان مستحيلا أن تسمح دولة يولية بتذكير الشعب المصري بكل ما صاحب تلك المسيرة من نضال حقيقي، ولا بأن الدعوة إلى الثورة على الملكية بدأت أصلا من داخل البرلمان

 

وربما لو كان البرلمان الذي أعاده عبد الناصر في منتصف الستينيات يمثل كيانا شعبيا سياسيا حقيقيا، لقام بمحاسبة عبد الناصر ومراقبته وإيقاف الكثير من المسئولين عند حدودهم ومنعهم من العبث بالبلاد، ولكان صعبا أن تشهد مصر تلك الهزيمة المذلة في 1967، لكنه كان برلمانا صوريا مصنوعا بانتخابات كرتونية تتحكم فيها الأجهزة الأمنية، تمامًا ككل البرلمانات التي أعقبته في عهدَي السادات ومبارك، حيث بدأت تتزايد شيئًا فشيئا المساحات المسموحة لنواب المعارضة، لكي يضفوا شرعية على القوانين والقرارات التي تخرج دائمًا حاصلة على الأغلبية الساحقة الماحقة، ومطابقة لرضا وليّ النعم وطلبات حاشيته.

(6)

حين عادت البلاد ثانية لبرلمان الصوت الواحد في عام 2010، حيث لم يسمح حتى للمعارضة الكرتونية بأن يكون لها مكان تحت القبة، جاءت ثورة يناير لتطيح بحسني مبارك وحكومته وبرلمانه، وشهدت مصر بعد الثورة برلمانا منتخبا حقيقيا لأول مرة منذ حكمها العسكر، لكن المؤسف أن الفائزين فيه والذين كان أغلبهم من أعضاء جماعة الإخوان والتيارات السلفية، قاموا بتحويل عدد من جلسات البرلمان إلى مسرح هزلي، ينشغل بأشد القضايا هامشية وإثارة للجدل الشعبي، ورفضوا تمرير قوانين مهمة كان يمكن أن تساعد على محاكمة المسئولين المتورطين في القتل وإعادة الأموال المهربة، وتحرير الإعلام من سطوة الأجهزة السيادية، وساعدت الكثير من المواقف التي اتخذوها بالتنسيق مع المجلس العسكري على إشعال نار الاستقطاب السياسي وتخييب الآمال التي عقدها الكثير من شباب الثورة على المجلس، دون أن يدركوا عنصر الوقت الحاسم خصوصًا عقب الثورات، ليرتبط العمر القصير لذلك المجلس، قبل حله بقرار من المحكمة الدستورية العليا بشعار «وزير الداخلية قال مفيش خرطوش» الذي رفعه رئيسه سعد الكتاتني دفاعًا عن الداخلية والجيش خلال مذبحة محمد محمود، ولذلك لم يحزن عليه الكثيرون من شباب الثورة والمشاركين فيها حين تم حله.
 في الوقت ذاته، وفي ظل عجز المشاركين في الثورة عن تشكيل تنظيمات سياسية قوية تفرض مطالبها بشكل واضح، قامت أجهزة الإعلام المدعومة من الجيش والأجهزة الأمنية، باستغلال كل الممارسات الغريبة والصادمة التي قام بها قادة تيارات الشعارات الإسلامية تحت قبة ذلك المجلس قصير العمر وخارجه، لشن هجوم شرس على الديمقراطية والعمل النيابي والحزبي. وظل ذلك المنطق الكريه يكتسب أرضا شعبية مع كل قرار خاطئ يقوم به الرئيس الإخواني محمد مرسي، ومع كل تصريح منفلت يصدر عن أي مسئول إخواني أو حليف سلفي. وبعد أن تم عزل مرسي عن الحكم، وجاءت لحظة طلب التفويض الشعبي التي صادرت مطلب الانتخابات الرئاسية المبكرة، كان لا بد أن تعود لاءات «لا حرية لأعداء الشعب ـ لا للأحزاب الكرتونية ـ لا لعملاء الخارج ـ لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» لتدوي في سماء الوطن، ويتم إخراس وتخوين كل من يطالب بمناخ ديمقراطي سليم تبتعد أجهزة الأمن والمخابرات عن التدخل فيه، وتشويه كل من يطالب أجهزة الإعلام بعدم تجاوز القانون بناءً على طلبات من يدفع لها ومن يحركها، ليبقى المجال السياسي في النهاية حكرًا على من ينالون رضا الأجهزة الأمنية، ليُصنع من هؤلاء الآن مشروع برلمان على مقاس الزعيم الملهم، لتعيد مصر ذلك الفيلم الهابط من جديد وبحذافيره، على أساس أنه يمكن أن يفضي إلى نهاية سعيدة هذه المرة.

إزاي؟ ما تفهمش!

....

فصل من كتابي (فيتامينات للذاكرة) الذي تصدر طبعة جديدة منه قريبا بإذن الله.