برلمان الزعيم الملهم (1 من 2)

22 يوليو 2020

(1)

في مساء 22 يولية 1957، كانت قد مرت خمس سنوات على وعد ضباط ثورة يولية 1952 للمصريين بتحقيق حياة نيابية سليمة، دون أن تشهد البلاد مجلساً نيابياً يعبر عن إرادة شعبها، الذي تتحدث باسمه الأغاني والمقالات والأفلام، معبرة عن ولاء الشعب للقائد الضرورة الملهم جمال عبد الناصر، الذي تجسد فيه الشعب، والذي شاءت إرادته بعد حوالي أربع سنوات من سيطرته على البلاد، ومصادرته للعمل السياسي والحزبي والصحفي، أن يكون للشعب أخيرًا برلمان، تمت تسميته «مجلس الأمة».

ليلتها، وقبل ساعات من الانعقاد الرسمي لأولى جلسات المجلس المعبر عن الحياة النيابية السليمة، استقبل حرس المجلس إشارة بزيارة عاجلة سيقوم بها مسئول كبير، تم إعلان حالة الطوارئ بين صفوف الحرس، وبعد نصف ساعة فحسب، وصل إلى بوابة المجلس جمال عبد الناصر في سيارة عادية لا ترافقها حراسة، لكي لا يتعرف عليه المواطنون في الطريق، كان الزعيم الملهم قادما لكي يتفقد البرلمان، الذي سيراقبه ويحاسبه ويحكم باسم الشعب على قراراته وسياساته، دخل عبد الناصر قاعة المجلس، وصعد على المنصة، وقام بسؤال مرافقيه عن عدد المكروفونات واتجاهها واختبر قوتها، ثم طاف بالبهو الفرعوني الشهير الذي كان يراه لأول مرة. وخلال تجوله في أنحاء البرلمان، رأى عددا من التماثيل التي كان قد تم صنعها لزعماء مصر قبل الثورة، فأمر بتخزينها فورًا، لكي تتحقق القطيعة الكاملة مع الماضي الذي قامت الثورة من أجله، لتبقى التماثيل في المخازن إلى الأبد، وليبقى معها حلم الحياة النيابية السليمة الذي ظل حتى الآن وهمًا لم تشهده مصر.

 

(2)

كانت أولى أزمات المجلس النيابي «السليم» معبرة للغاية، عن مدى سلامته وعن مستقبله أيضًا، فقبل أن يذهب النواب إلى المجلس أصلا، نشرت صحيفة «الأهرام» صباح يوم الافتتاح خبرًا عن انتخاب عضو مجلس قيادة الثورة عبد اللطيف البغدادي كرئيس لمجلس الأمة بالإجماع، كما نشرت اسم وكيلَي المجلس المنتخبَين، اللذَين كان أحدهما عضوًا آخر لمجلس قيادة الثورة هو محمد أنور السادات. كان الأمر مستفزا حتى لأعضاء المجلس الذين لا ينتمي أحد منهم إلى فئة «أعداء الشعب»، ولذلك فقد تسبب ذلك الخبر في أزمة حادة تحت قبة المجلس، كما يكشف المحرر البرلماني المخضرم محمد الطويل في كتابه «برلمان الثورة  ـ تاريخ الحياة النيابية في مصر 1957 - 1977» ـ والذي بدأ كتابته عقب مقتل السادات عام 1981، مطلعا على 750 مضبطة برلمانية، وليتحرى الوقائع غير المسجلة بالاتصال بشهودها الأحياء.

بدأت الأزمة بعد أن انتخب المجلس لرئاسته المؤقتة أحمد صبحي الهرميل أكبر أعضائه سنا، الذي دعا الأعضاء إلى انتخاب رئيس المجلس ووكيليه، وأعطى الكلمة لأول من طلبها، وهو الدكتور عبد الغفار متولي، الذي أدلى بكلمة غاضبة طلب فيها من رئيس المجلس أن يوجه نظر الصحف إلى عدم استباق الحوادث، معترضا على الخبر الذي نشرته الأهرام عن انتخاب عبد اللطيف البغدادي ووكيلَيه بالإجماع، قبل أن ينعقد المجلس، معتبرا أن ذلك يمكن أن يجعل الشعب يسيء فهم المجلس، ويتصور أن عليه إملاءات. ويبدو أن السادة الأعضاء قرروا أن يؤكدوا سوء الفهم ذلك، فتجاهلوا ما قاله زميلهم كأنه لم ينطق به، بل على العكس تمامًا صاح العضو محمود العتال دون حتى أن يطلب الكلمة رسميا، مطالبا بترشيح عبد اللطيف البغدادي لرئاسة المجلس، ليصيح عضو آخر مطالبا البغدادي أن يقف ويقول اسمه بالكامل، وقف البغدادي فورا وردد اسمه بالكامل، فدوّى المجلس بتصفيق حاد، تخللته أصوات تعلن الموافقة على ترشيحه بالإجماع.

ولكي يزداد طين الإجماع بلّة، وقف العضو شوقي عبد الناصر شقيق جمال عبد الناصر ـ طبعا ـ ليعلن أنه طالما كان المرشح لرئاسة المجلس واحدا، فلا ضرورة لإجراء الانتخاب على مقعد الرئيس ليكون بالتزكية، وحين اعترض العضو محمود جلال على ذلك، رد عليه شوقي عبد الناصر بحماس شديد، وأيده العضو محمد علي قاسم، فصفق المجلس لهذا التأييد، ويبدو أن إصرار محمود جلال على التعبير عن رأيه والذي دعمه بمواد من لائحة المجلس، قد أربك الجميع، خاصة أن أداء محمود جلال كان قويا بفضل تمرسه السابق في العمل النيابي، حيث كان عضوا لمدة 8 سنوات في برلمانات ما قبل الثورة، ولذلك فقد قرر المعنيون بالأمر تغيير «البروجرام»، ليتقدم عدد من المرشحين لمنافسة البغدادي على رئاسة المجلس، لتكون نتيجة «الانتخابات» كالآتي: البغدادي 332 صوتا، محمود فهمي أبو كرورة 7 أصوات، محمد رشاد الحاذق صوت، إبراهيم الطحاوي صوت، ليعلن البغدادي رئيسا للمجلس وسط تصفيق حاد صاحب كلمته التي أعلن فيها سعادته بانتخابه رئيسا لأول مجلس نيابي يقوم في عهد الثورة المجيدة.

وبعد أن استمع الأعضاء إلى كلمة ألح في طلبها محمود جلال العضو المتسرب من حياة نيابية سابقة، ذكّرهم فيها بتاريخ العمل النيابي في مصر، لكي لا يتصوروا أنهم يجلسون في ذلك المكان من فراغ، وطالب رئيس المجلس وقادة الثورة بإتاحة الحرية للمجلس ليكون خير ممثل للشعب حقا وصدقًا، وهنا جاء الرد على كلامه بشكل عملي ومعبر، حيث قرر العضو محمد فوزي أبو سيف في كلمته أن يوجه التحية «إلى السيد الرئيس العظيم جمال عبد الناصر ورفاقه الذين كان لهم الفضل على الشعب المصري الذي أيدهم في ثورتهم، وسيكون المجلس بل ونحن لهم جميعا درعا نضحي بحياتنا في سبيل هذه الثورة وأبطالها».

عندما رُفعت الجلسة للاستراحة اكتملت المهزلة بتوجه العضو إبراهيم الطحاوي إلى رئيس المجلس في غرفته يعتذر عن مبادرته لترشيح نفسه، ويطلب سحب ذلك، وحين عاد المجلس للانعقاد أعلن البغدادي طلب الطحاوي سحب ترشيحه واعتبار الصوت الذي أعطي له باطلا، ليدور جدل عقيم حول ذلك الأمر، وتكتمل مسرحية انتخاب وكيلَي المجلس اللذَين سبق الإعلان عنهما قبل انعقاده، وتظهر بعد ذلك نفحات النفاق والتملق كما وصفها محمد الطويل، حيث طلب العضو إسماعيل كامل عثمان أن يقوم مجلس الأمة بتكريم سيادة رئيس الجمهورية وزملائه أعضاء مجلس قيادة الثورة، ليزايد عليه العضو محمد فوزي أبو سيف ويطالب بمنحهم عضوية مجلس الأمة الذي يفترض به أن يراقبهم، وترفع الجلسة الأولى للبرلمان بتلك الاقتراحات النفاقية على أساس أن تعود في مساء نفس اليوم، لسبب لا أظنك ستستغربه، هو الاستماع إلى أول خطاب للزعيم الملهم أمام برلمانه، الخطاب الذي جاء بالأمس ليراقب جودة المكروفونات التي ستذيعه.

(3)

لم يكن حرص ضباط يولية 52 على اختيار لفظ «سليمة»، لوصف الحياة النيابية التي يسعون لها، منفصلا عن سعيهم لتوصيف الحياة النيابية التي قضت عليها الثورة بأنها كانت فاسدة ومعيبة، ولم يكن فيها ما يستحق أن يبكيه الشعب، ولأن «الدوي على الودان أمرّ من السحر»، فقد نجحت «دولة يولية» من خلال مناهج التعليم والأذرع الإعلامية والثقافية، في أن تنشر بين المصريين جيلا بعد جيل، روايتها المعتمدة والوحيدة عن الفساد الكامل للحياة النيابية التي كانت لديهم قبل الثورة، وأن الديمقراطية الحزبية التي شهدتها مصر لم تكن سوى أكذوبة لإلهاء الشعب عن مشاكله الحقيقية، وأن مجالس النواب التي سبقت الثورة كانت كلها تقوم بعمل تمثيليات سياسية يتواطأ فيها الجميع مع الملك، وعلى رأسهم حزب الوفد الذي كانت الأغلبية الشعبية تؤيده، ولذلك فلا خير في حياة نيابية تقوم على التمثيل الحزبي والتنافس الانتخابي، بل على الانتخابات أن تتم بين من يثبت أنهم ليسوا من أعداء الشعب. ومع أن أغلب هؤلاء كان قد تم رميهم في السجون أو نفيهم إلى خارج البلاد أو حتى إعدامهم «بأمر الشعب»، إلا أن الأمر لم يسلم من غربلة دقيقة لكل المرشحين، تتم تحت سمع وبصر وبطش الأجهزة الأمنية التي تم تطوير أداءها القمعي، لتجعل من أسطورة القلم السياسي المرعب أضحوكة.

وفي ظل بحار من الطنطنة والتهليل والزعيق المستمر في الشعب أن «يرفع رأسه بعد أن مضى عهد الاستعباد»، غرق المصريون في أكاذيب عدم جدوى الحياة البرلمانية القائمة على المنافسة الحزبية والديمقراطية وحرية التعبير، وسلموا أمورهم للبرلمان المعقّم الخالي من أعداء الشعب والمواد المعارضة، والذي لن تدخله أبدًا قوى «ظلامية رجعية مناهضة لأحلام الشعب المصري كما يجسدها ويعبر عنها الزعيم جمال عبد الناصر».

ولذلك أدينت الحياة النيابية والحزبية قبل الثورة دون أن يتم تقييمها بشكل عادل ومنصف، فيعرف المصريون أن قصور الأداء النيابي لتلك البرلمانات والأحزاب، كان سببه تدخل القصر الملكي في العمل السياسي بالحل والمصادرة والقمع، مما لم يتح لتلك البرلمانات والحكومات المنبثقة عنها أن تمارس دورها على أكمل وجه، بدليل أنها حين كانت تأخذ فرصتها في العمل، كانت تحقق نتائج مهمة، سرعان ما تثير غضب القصر الملكي فيلجأ لحلها وتعطيل عملها. وبالتالي فإن الحل لن يكون أبدًا بمصادرة إرادة الشعب من جديد، بحيث يلعب الرئيس القادم من الجيش دور الملك، بل أن يتاح للآلية الديمقراطية أن تعمل بكامل طاقتها، وليس أن يصور عسكر يولية للشعب أن العيب لم يكن في تفاصيل إدارة العملية السياسية، بل في العملية السياسية نفسها وآلياتها الديمقراطية والنظام الحزبي كله، وأن الحل يكمن في إلغاء كل ذلك وتحويل الانتخابات النيابية من صراع سياسي على برامج مختلفة، إلى تنافس بين أناس يتفقون تمامًا في الفكر والسياسة والتوجهات، على أن يسمح لهم بالاختلاف على التفاصيل فقط، لتتحول المجالس النيابية إلى مجالس محلية، تصب جام غضبها على الوزراء المستجدين، والمسئولين المساكين الذين لا يرتبطون بعلاقات قوية بالرئيس ومراكز القوة المسيطرة على البلاد.

نكمل غداً بإذن الله