برصاصة واحدة... كيف تقتل الطفل أدولف هتلر؟

14 نوفمبر 2018
الصورة
أدولف هتلر طفلاً... الصورة الختامية لفيلم "تعال وانظر" (Getty)
+ الخط -

يصنف الفيلم السوفييتي "تعال وانظر" (1985) واحداً من أفلام الدراما الحربية المميزة، ومنها التي تناولت الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، وكان الفيلم واحداً منها، وميدانه الروائي بيلاروسيا (روسيا البيضاء)، التي فقدت ثلث سكانها في تلك الحرب.

جال الفيلم في دول العالم وما زال يطلب عرضه، وهنا في العاصمة القطرية حظي جمهور متحف "الفن الإسلامي" مساء أمس الثلاثاء بمشاهدته، ضمن الاحتفال بالعام الثقافي الروسي القطري.

المخرج الروسي إيليم كليموف استطاع انتزاع مكانة لفيلمه، أولاً من البيروقراطية السوفييتية التي ماطلت في الموافقة على بدء العمل منذ 1977، ثانياً من سيل الأفلام الغربية، والهوليوودية أساساً التي تخدم الدعاية الأميركية الأوسع انتشاراً.

وقع "تعال وانظر" بين مكايدات الحرب الباردة، فرفض ترشيحه للأوسكار عام 1985، لكنه أثبت حضوره عالمياً، لأسباب على رأسها جودة الفيلم، الذي اقترح على الناس الذين نظروا إلى مجزرة "كاتين" وهي تسطع إعلامياً وسينمائياً، أن ينظروا بعدالة إلى "خاتين".

"كاتين" مجزرة ارتكبتها المؤسسة السوفييتية "المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية"، في بولندا، بعد عام من اندلاع الحرب العالمية الثانية، وراح ضحيتها 22 ألفاً من الضباط وأفراد الشرطة ومن رُموا بتهمة العمالة للنازي.

باستبدال حرف واحد يذهب المخرج كليموف إلى "خاتين"، القرية البيلاروسية التي تحكي نيابة عن 628 قرية أبيدت عن بكرة أبيها، بين عشرين مليون إنسان في الاتحاد السوفييتي، قتلهم النازيون.

لجأ كليموف إلى سفر الرؤيا في العهد الجديد، واقترض منه عنوان فيلمه. ففي الإصحاح السادس تتكرر عبارة "هلمّ وانظر"، إذ يقول "ولما فتح الختم الرابع، سمعت صوت الحيوان الرابع قائلاً: هلمّ وانظر، فنظرت، وإذا فرس خضراء، والجالس عليها اسمه الموت، والهاوية تتبعه، وأعطيا سلطاناً على ربع الأرض، أن يقتلا بالسيف، والجوع، والموت، وبوحوش الأرض".

"تعال وانظر" أو "تعال لترى" الصياغتان المتداولتان في الترجمات العربية، دعوة لمشاهدة ما وقع، باعتبار كل واحد منا بريئاً، لم يسبق له رؤية قيامة صغرى عياناً بياناً على الأرض. تماماً مثل بطل الفيلم الصبي اليكسي كرافشينكو الذي أدى دور فليورا. 

كل مذبحة لها أرواحها المنتزعة، ولا تتكرر. ولا أحد يخوض في سيل الدم مرتين.

رفض المخرج استدعاء ممثل محترف يستطيع بمهارته الفنية الصمود النفسي أمام هول المجازر، وأتى بأليكسي (1969) الذي لم يمثل قبل ذلك، ورماه في الفيلم وعمره خمسة عشر عاماً.

أراد المخرج أن يكون ممثله الرئيسي بلا دربة، وأن ينهار أمام سينما استحضرت ما هو أبعد من الخيال، بيد أنه وقع عام 1943 في بيلاروسيا.

صديقي الذي تابعت الفيلم معه، لم يصدق أنني شاهدته مرات عديدة، قائلاً: "كنت سأخرج من منتصف الفيلم. ليس من السهل احتمال كل هذا الألم".

استخدم المخرج رصاصاً حياً في المناطق المفتوحة، وترك الممثلين يؤدون النص الذي كتبه مع أحد الناجين من الموت. والمشاهد لا يملك سوى أن يصدق تحول الصبي فليورا إلى عجوز، بوجه محطم ومجعّد.

هذا الصبي الذي عثر على بندقية سوفييتية "اس في تي 40" مدفونة في التراب، حالماً بأن يكون في عيون الآخرين بطلاً، انتزع من حضن أمه، وهي تحاول منع رجال أشداء من إلحاقه بالمقاومة الشعبية ضد النازي.

الصبي المسلح ببندقية ما زال صبياً، وليس لديه من أفكار مركبة. إنه طوال الفيلم يسمع طنين الطائرة يفتك بأذنه. طنين ممتد، لا يقطعه سوى جحيم القنابل التي تطيح أشجار البيتولا، وتدفن تحتها البشر، أو مجزرة على الأرض من مسافة صفر، المسافة الجبارة التي تخشى أن تطول نظرة القتيل.

يقضي فليورا الصبي ليلة واحدة مع المقاومين أثبت فيها فشله في الحراسة، فاستبعد نهار اليوم الثاني، وانفجر باكياً والجموع المقاومة تخلفه وراءها.

ثم ذبحت عائلته جميعها، ووجد نفسه بين نازحين من النساء والأطفال. وبسبب بندقيته التي ما زال يحملها، سيكون مرة ثانية مع ثلة من المقاومين الذين غادروا لجلب الطعام للنازحين. قتلوا ما عدا الصبي فليورا، وقتلت نيران النازي البقرة التي انتزعت من أحد عملاء الاحتلال.

تحت بدر واضح في السماء يقضي الصبي ليلته، ويشقشق الفجر ورفيقه مقتول على مقربة، والبقرة مقتولة، يسند رأسه على كتفها.

كان ذلك من المشاهد المشغولة بحساسية شاعرية من فرط واقعيتها. فالموت الهائل المتحقق لرفاقه، لا يقف أمام البحث بجنون عن إمكان حمل البقرة المقتولة، والعودة بلحمها إلى النازحين.

في أحد المشاهد السابقة، تعبر بقرة للمقاومين مكتوب عليها "كلوني قبل أن يأكلني الألمان"، ولكنها لا تفسد الصور الفوتوغرافية التذكارية الرائعة، التي كان يلتقطها مصور للجموع، قبل الذهاب للجبهة مترافقة مع أغنية "الحرب المقدسة" التي ما زالت رمزيتها عالية في روسيا، وتتقدم الاحتفالات السنوية للانتصار في "الحرب الوطنية العظمى".

أراد الفيلم أن يبقى فليورا صبياً، ليجد نفسه مرة ثانية مع المدنيين العزّل، بعدما هجم الألمان وخبأ بندقيته في حقل تحت القش.

وفي ذروة الفيلم، سيكون الصبي في القرية التي شكلت كنيستها وساحتها المسرح الرئيسي. لا مسافة بين بندقية النازي والقرويين العزّل. بين الحضارة التي تعد القرويين بفرشاة أسنان ومنشفة حمّام لكل واحد، وبين فصل الأطفال عن أمهاتهم، لذبحهم مقابل نجاة الكبار.

المتحضرون الذين سهّلوا العيش بطناجر البخار، والغسالات والثلاجات، ووفروا الزمن بسيارات وطائرات ودراجات نارية، هم ذاتهم الذين حولوا البندقية من حشوة بارود واحدة، إلى نصف أوتوماتيكية ثم أوتوماتيكية.

ووفروا للطائرة الحربية أزراراً ملساء، وإحداثيات (مجرد إحداثيات)، لا ترى على الأرض سوى خريطة بعيدة، ومربعات بلا معنى.

هؤلاء حين يكونون وجهاً لوجه مع ضحاياهم، يبدون كأنهم غرباء من كوكب شرير لا نعرف اسمه. ولكن هذا غير صحيح، فهم ذاتهم من ينتمون إلى عائلة في الجوار، فيها المفكرون والأدباء العظام، والموسيقيون الذين حضرت أعمالهم في الفيلم، من شتراوس الابن، وصولاً إلى خاتمة الفيلم مع "قداس أرواح الموتى" لموزارت.

وهم ذاتهم الذين حين ينتصرون، يستبيحون أول ما يستبيحون الكليشيه الدارج صحافياً "النساء والأطفال والشيوخ". لكأن الحرب في أحد معانيها اندلاع القتال وتقدم طرف واندحار آخر، وصولاً إلى الاغتصاب الجنسي ونهب الممتلكات والتخلص من دمامل قذرة اسمها "شهود العيان".

حشد المخرج كليموف كمّاً كبيراً من التفاصيل في لقطات الكنيسة والساحة، وكان أكثر تكثيفاً للقطات متوسطة وقريبة جمعت البشر في الكنيسة والنيران المجنونة التي تشعل المكان بمن فيه، وبالصبي الذي يحدق مذهولاً فاقداً صوته، والجنود النازيين وخلفهم قائدهم، وعلى كتفه حيوان اللوريس آمناً مطمئناً، والفتاة غلاشا (الممثلة أولغا ميرينوفا) التي جرّت، وهي تصيح إلى ناقلة جند، ليتناوب العشرات على اغتصابها، والكلاب الشرسة التي تمزق نفسها للتخلص من وثاقها، والعجوز التي نقلت على سريرها إلى الساحة على سبيل التسلية، إذ قال لها جندي: "ابقي هنا. يمكنك أن تنجبي مرة أخرى"، والمثقف المهان.

نيران تحيط بالكادر، وكل الذين كانوا يحترقون داخل الكنيسة لم يصورهم الفيلم، إنما كان الباب يرتجّ دون أن يتمكن أحد من فتحه، والخروج لاحتمالات موت آخر.

شريط الصوت كثف جهده لإبراز الطنين المتواصل للطائرة الألمانية والتفجيرات والرصاص. وفي أجواء ضبابية وخريفية طوال الوقت بدا الفيلم كأنه قطعة من عالم بعيد، يعرف أن مشاهده لا يكذب أي تفصيل فيه.

لهذا سمح المخرج لنفسه بأن يكون مسرحياً في بعض الأحيان، ربما يتحفظ المشاهد على ذلك، حين تتوسط الشخصية كادرها وتخاطب المتلقي، إلا أنه يمرره، وهو يتابع كاميرا ممتازة على مدار 146 دقيقة.

الكاميرا كانت تلاحق الناس من مسافة تظهرهم من منتصف الجسد، أو عن قرب للمراهنة على التعبير الجسدي.

إن الصبي العجوز أدى دوراً يصعب كثيراً على ممثل محترف. بدا في الفيلم كأنه اضطر فعلاً إلى الانخراط في حرب ظالمة.

بعد النصر على النازيين وإعدام الأسرى من الجنود والعملاء المحليين، أمام محكمة ميدانية، يرى الصبي فليورا صورة مؤطرة للزعيم النازي أدولف هتلر، فيصوب إليها بندقيته ويطلق النار.

هذه الرصاصة الأولى التي يطلقها فليورا، لتبدأ المشاهد ترجع إلى الوراء، حيث يخطب هتلر في الجموع الحاشدة، ويطلق الصبي النار.

ترجع المشاهد إلى كل المراحل التي كان هتلر زعيمها في الشارع بين جماهيره، وفي الحزب النازي وفي خطاباته الملعلعة، وفي خدمته العسكرية خلال الحرب العالمية الأولى.

كل لقطة كان الصبي يطلق النار مباشرة إلى صدر هتلر، إلى صورته ويبعثرها، إلى أن يرجع الشريط إلى هتلر الطفل، محمولاً بين ذراعي أمه.

يتجمد الصبي وتتجمد بندقيته، فلا يطلق رصاصته على طفل عمره بضعة أشهر.

لا يمكن استهداف طفل ليس لديه فكرة، ولا خيار، ولا قرار، عاجز عن حماية جسده، طفل تمثل ذراع أمه الشرفة العليا التي يطل منها على الأرض.

أحسن المخرج اختيار القداس الجنائزي ختاماً لفيلمه، خلف المقاومين الذين يقطعون غابة البيتولا، ومن خلفهم صبي عجوز شوهت الحرب روحه ووجهه، وتركته ضحية إلى الأبد.

المساهمون