برشلونة مع إنريكي... الغموض سيد التكتيك!

02 اغسطس 2014   |  آخر تحديث: 15:23 (توقيت القدس)
لويس انريكي يسعى لإظهار البرسا في ثوب جديد(getty)
+ الخط -

يستذكر المتابعون مباراة إسبانيا ومالطا قبل بطولة أوروبا عام 1984، حين كان متوقعاً فوز الإسبان بعشرة أهداف، وحدث الإعجاز وفازوا بنتيجة كبيرة (12 -1). كلمات تقودنا إلى مقدمة لا بد منها قبل الحديث عن عقلية لويس إنريكي، المدير الفني الجديد للنادي الكتالوني.

تدريب برشلونة ليس بالقرار السهل، فنياً وتكتيكياً، لأنّ المهمة تأخذ منحنى صعباً، بينما يبقى الجزء الأكثر تعقيداً حينما يتعلق الأمر بإدارة غرفة الملابس، وضبط قواعد وقوانين البيت الكتالوني، لذلك جاءت النجاحات الكبيرة من أسماء لعبت من قبل بقمصان الأحمر والأزرق، يوهان كرويف ثم بيب جوارديولا، والأنصار ينتظرون الكثير من الاسم الأخير، لويس إنريكي.

تكتيك غير متوقع

يقول المدرب الجديد لبرشلونة: "لا أعرف كيف ستسير الأمور مستقبلاً، لكن ما أحاول أن أقوم به، جعل هذا البارسا غير متوقع، بارسا فعّال، بنظام تكتيكي متنوع، وإمكانية كبيرة للتفاعل مع قدرات وخبايا الخصوم، هذا ما أريد فعله، أن ندير المباراة وفق ما نريد، وليس ما يتوقعه المنافس"، وهو تصريح أطلق في أوّل مؤتمر صحافي للمدير الفني قبيل تقديمه كمدرب خلفاً للأرجنتيني تاتا مارتينو.

ويبدو أنّ الإسباني الشجاع قد فهم الدرس الأوّل من تجارب الماضي، وآمن بأنّ الوصول إلى القمة يبدأ من محاولة ابتكار شيء جديد وعدم السقوط في دوامة المقارنات مع "بارسا جوارديولا"، أحد أعظم الأجيال الكروية في تاريخ اللعبة إنّ لم يكن أعظمها من وجهة نظر البعض، لذلك قرر لوتشو منذ اليوم الأوّل استقطاب تعاقدات تنسف بعض أفكار السنوات الماضية.

إنّ التعاقد مع لويس سواريز ليس مجرد صفقة عادية، بل هو خطوة في سبيل استعادة مركز المهاجم رقم 9، ومحاولة لوضع الأرجنتيني ميسي في مركزه القديم بين عمق الوسط المهاجم والجناح الحر، كذلك جاء التعاقد مع جيرمي ماثيو لاعب فالنسيا ليكتب عنواناً جديداً في خطط الدفاع البرشلوني، باعتباره لاعباً يجيد المزج بين مركزي قلب الدفاع الصريح والظهير الحر.



المزج بين خطتي (4-3-3) و (3-4-3) و (3-3-1-3) في طريقة واحدة، وإعطاء حرية كبيرة لصناع اللعب في العمق، ولاعبي الأجنحة بالإضافة إلى أحد الظهيرين، خلطة كتالونية صميمة في سنوات سابقة، وقفت تماماً بعد رحيل أبيدال، ووجود لاعب مثل ماثيو سيساعد كثيراً على ضبط الناحية الدفاعية، لأنّه يلعب لفترات طويلة كمدافع صريح، ولن يتقدم للأمام بشكل غير محسوب، مع قدرته على التغطية الخلفية، لذلك وجوده مع ثنائي دفاعي آخر، سيسمح للظهير الأيمن بلعب دور هجومي أمثل ليتحول إلى ما يعرف بـ (Wing Back).

وأراد لويس إنريكي من البداية، الحصول على خطة هجومية ذي توازنٍ واضحٍ وعمقٍ دفاعي صريح، لذلك سيحاول من خلال بعض التغييرات، إضافة صفة "الغموض" إلى تشكيلته، كي تصبح غير متوقعة خصوصاً في مباريات الليجا ودوري الأبطال، وجولات خروج المغلوب بكأس الملك.

(3_2_3_2)

النظام الناجح لا يحتاج إلى خطة بديلة، هي مقولة تكتيكية تنتشر بين بعض المختصين بالأمور الفنية، إلا أنّ أية خطة كروية تحتاج إلى عنصر المفاجأة والاستعداد لمواجهة أي ظرف صعب داخل الملعب، فخطة: (4-3-3) هي خطة ناجحة لكنها لا تعنى بالفريق المطبق وحده، بل تشمل المنافس أيضاً، فالتناغم والانسجام أمران مهمان ضمن أي توليفة كروية، وإذا نظرت فقط إلى فريقك ستعاني من قصور حاد في المستقبل، وذلك لأنّ الإجابة بسيطة جداً، كرة القدم لعبة مكّونة من اثنين وعشرين لاعباً وليس أحد عشر لاعباً فقط.

ومع ظهور بعض الأخبار من داخل المعسكر التدريبي، يبدو أن برشلونة سيلعب في بعض المباريات الكبيرة والمهمة بطريقة لعب أقرب إلى (3-5-2)، وتسمية أي خطة باسمها الأولي فقط أمر لن يكتمل، لأنّ برشلونة لن يلعب بـ (3-5-2) القديمة الخاصة بحقبة الثمانينيات، بل هي محاولة للتجديف بعيداً عن المألوف والمتوقع، لذلك ستكون الخطة أقرب بشكلها النهائي إلى (3-2-3-2)، بمعنى تواجد ثلاثي دفاعي أمامه ثنائي في الوسط، ثم ثلاثي هجومي خلف رأسي الحربة.

المتابع للميركاتو الصيفي، سيدرك أنّ برشلونة يسعى خلف الثنائي ماركينهوس وكوادرادو في حال رحيل داني ألفيس، لأنّ لاعب مثل ماركينهوس يجيد اللعب بين مركزي قلب الدفاع والظهير الأيمن، ويمتاز بالسرعة وخفة الحركة، لذلك يعتبر من نوعية اللاعبين التي تجيد تنفيذ تكتيك الثلاثي الخلفي، نموذج قريب من كارليس بويول في البدايات نهاية تسعينيات القرن الماضي.

أما كوادرادو فهو لاعب من الصعب تصنيفه كظهير أيمن صريح، بل هو لاعب جناح حر ينطلق على الأطراف في الهجوم والدفاع، ويحتاج إلى خط خلفي يجيد التغطية العكسية خلف الأجنحة الهجومية، ووجود الكولومبي أو استعادت ألفيس لمستواه سيجعل أمر تمركز ميسي في العمق الهجومي كصانع لعب رقم 10، أمراً سهلاً ويسيراً، لأنّ الجانب الأيمن سيكون مثيراً بوجود لاعب قادر على الإضافة الهجومية، وخلفه مدافع يساند الظهير من أجل تأمين المناطق أثناء تحولات اللعب.

لاعب مثل إنييستا من الممكن أن يلعب كصانع لعب بديلاً لميسي، وفي تلك الحالة يصعد ليو للأمام بجانب سواريز ونيمار، كما يستطيع شغل الجناح الأيسر عوضاً عن ألبا المدعوم من الخلف بالمدافع الظهير جيرمي ماثيو، بينما هناك أسماء مميزة في عمق الارتكاز كبوسكيتس وماسكيرانو وتشافي وراكيتتش، وهي مجموعة تجيد الجمع بين الواجب الدفاعي والدعم الهجومي، لذلك تمتاز هذه الطريقة بأنها غير متوقعة وتوفر بدائل عديدة يتم الاستفادة منها وفقاً لأهمية كل مباراة.

تغيير السؤال

في مباراة الكلاسيكو يوم 10 ديسمبر عام 2011 التي احتضنها سانتياجو برنابيو، فاز البارسا بثلاثة أهداف مقابل هدف للميرينجي، في مباراة شهدت لعب البلاوجرانا بأكثر من طريقة لعب، فالبداية كانت بـ (4-3-3) ثم تحول الأمر في الشوط الثاني إلى (3-1-3-3) أي أنّها خطة قريبة من (3-4-3) الهجومية، بتواجد ثلاثي دفاعي، ومساك وظهيرين، مع تواجد الرباعي في الوسط والقادر على التمرير والانتشار، مع لاعب على الجناح، ومهاجم صريح وصانع لعب حر.

وبدأ داني ألفيس المباراة كظهير أيمن، رفقة بويول وبيكيه وأبيدال، ثم تحول في الشوط الثاني إلى جناح أيمن هجومي مقابل لانيستا الجناح الهجومي الأيسر، وبينهما سانشيز كمهاجم صريح، وخلف الثلاثي كلاً من ميسي وتشافي وسيسك كصناع ألعاب، بينما قام بوسكيتس بالتغطية الخلفية كلاعب ارتكازٍ متأخر، أمام ثلاثي الدفاع الصريح، وهنا يبدو أنّ طريقة اللعب المتوقعة (3-2-3-2) ستكون على خطى (3-1-3-3) في كلاسيكو البرنابيو القديم حين كان الصراع شرساً بين جوارديولا ومورينيو.

وتبقى الأسئلة التكتيكية بلا إجابة حقيقية، وهذا أفضل ما في الجانب الخططي، لأن التوقعات تزيد، والأفكار تنطلق من كل جانب، ويبقى الملعب هو الفيصل في نهاية المطاف، لأنّ الكرة كالمسرح الكبير، وكل مدرب يعرض فنه والحُكم في النهاية للجمهور.

دلالات
المساهمون