بداية سنة صعبة في إيران

15 يناير 2020
الصورة
+ الخط -
مرّت الأيام الأولى من العام الجاري صعبةً على إيران، ربما الأصعب منذ نهاية الحرب مع العراق قبل نيفٍ وثلاثين عاما. كانت السنة السابقة قد أنهت أسابيعها الأخيرة على وقع احتجاجات واسعة هزّت أركان الحلفاء في بغداد وبيروت، وبلغت ارتداداتها طهران. أما اليوم الأخير من العام فقد انطوى على حادث حصار السفارة الأميركية في بغداد، ومحاولة مليشيا من الحشد الشعبي اقتحامها. 
من هنا بدا أن السنة الجديدة سوف تكون صعبة، لكن أحدا لم يتوقع أن تبدأ بسرعة هكذا. في اليوم الثاني من العام، اهتزت إيران على وقع خبر مقتل "جنرالها" ومنفذ سياستها في الإقليم، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، قاسم سليماني، في ضربةٍ نفذتها طائرة مسيّرة أميركية قرب مطار بغداد في طريق عودته من دمشق. أطاحت الضربة أيضا رجل إيران الأهم في العراق، قائد كتائب حزب الله العراقي، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس. صدمت الضربة إيران وأسقطت استراتيجية الردع التي تتبنّاها في وجه واشنطن، بعد خروج المواجهة معها من الظل إلى العلن، وتحولها من الوكالة إلى الأصالة.
وفيما كان النظام يندب فقيده، ويحشد الشعب استعدادا لردّ "مزلزل"، سقطت طائرة ركاب مدنية تابعة للخطوط الجوية الأوكرانية على متنها 176 راكبا، بينهم 63 يحملون جنسية كندية، بعد دقائق من إقلاعها من مطار طهران. وقعت الحادثة بعد نحو أربع ساعات على الرد الذي جاء مخيّبا للأنصار والحلفاء بحجمه ووقعه. وقد ثارت شكوك حول سبب سقوط الطائرة فورا بسبب مسارعة طهران إلى الجزم بوقوع عطلٍ أصاب أحد محرّكاتها حتى قبل أن تبدأ أية تحقيقات. ولكن الفريق الأوكراني الذي دعته طهران للمشاركة في التحقيق اكتشف قطعةً من جسم صاروخ مع حُطام الطائرة، وتعزّزت فرضية إسقاط الطائرة عندما نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقطعا مصوّرا، يظهر اصطدام الطائرة بجسم ناري (صاروخ).
وبعد ثلاثة أيام من الإنكار، وادّعاء إصابة الصندوق الأسود بأضرار بالغة، رضخت طهران للضغوط الأوكرانية والكندية، واعترفت بأنها هي من أسقط الطائرة خطأ، وأن دفاعات الحرس الثوري ظنّت أن الطائرة كانت صاروخ كروز أطلقته الولايات المتحدة ردّا على الضربة التي تلقتها قوّة لها في العراق.
أثارت الحادثة موجة من الغضب الممزوج بالإحراج لدى قطاعاتٍ واسعةٍ من الجمهور الإيراني الذي كان بعضه عبّر عن تضامنه مع النظام خلال مراسم تشييع سليماني. فلمدة ثلاثة أيام متواصلة، أصرّت طهران على إنكار قيامها بأي خطأ، وأن الادّعاءات بأنها أسقطت الطائرة بصاروخ عن طريق الخطأ لا تعدو كونها "كوميديا سوداء"، ومحاولةً لتشويه صورتها في الغرب، وغير ذلك من التبريرات التي أطلقها سواء مسؤولوها العسكريون والسياسيون أو المحللون القريبون من دوائر القرار لنفي التهمة.
مثّلت طريقة إدارة حادثة إسقاط الطائرة الأوكرانية كارثة إعلامية بالنسبة للنظام، بدّدت كل المكاسب التي حققها لجهة توحيد الشعب وراءه بعد مقتل سليماني، لا بل أطلقت موجة احتجاجاتٍ قادها طلاب وفئات من الطبقة الوسطى ضد النظام. فوق ذلك، زادت عزلة إيران الدولية، بعد أن قرّرت شركات طيران دولية مهمة تجنب التحليق فوق المجال الجوي الإيراني، ما رتب خسائر مادية على ايران التي تعاني أصلا من حصار، فضلا عن التعويضات التي ستدفعها لعائلات القتلى.
وكأن هذا كله لم يكن يكفي، إذ اعتقلت السلطات الإيرانية السفير البريطاني في طهران الذي كان يشارك في تجمعٍ لتأبين ضحايا الطائرة، ومن بينهم بريطاني. وعلى الرغم من تدخل وزارة الخارجية سريعا لإطلاق سراح السفير، إلا أن ذلك تسبب بأزمةٍ دبلوماسية مع دول أوروبية، اتهمت طهران بخرق معاهدة فيينا الناظمة لقواعد التمثيل الدبلوماسي الدولي.
وجاءت ضربةٌ مُضافةٌ مع هرب الإيرانية الوحيدة الحاصلة على ميدالية أولمبية، كيما علي زادة، من إيران، لأنها، كما قالت، ترفض استخدام سلطات بلادها لها أداة للترويج والدعاية لسياساتها. هكذا بدأت سنة 2020 مع إيران، فكيف ستنتهي؟