بداهة انحطاط الدول الفاشلة

31 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

يستحيل على الدول الفاشلة، في المبدأ كما من شواهد ووثائق وسرديات مسلكياتها وممارساتها، أن تخرج من إطاراتٍ انحشرت فيها بملء إرادات فاعليها من سلطويي السياسة وأرباب المال، وزعامات الطوائف، انطلاقا من تكوينها الأولي، وصولا إلى التشبث بمصالح وتطلعاتٍ تصير مع الوقت "حقا طبيعيا" لأصحابها من أهل سلطةٍ فاسدة أصلا، والمفسدة لكل احتياطيها من زبائنييها وعبيدها وقطعانها. وهي تستمر، بفضلهم كما بفضل إقطاعييها من زعامات الطوائف والمذاهب وفئويات السياسة وتياراتها وأحزابها الخاصة الأسرية والعائلية، وهذه كلها بمجاميعها خميرة سلطة فاشلة، راكمت وتراكم عبر مسلكيات الاستعلاء الغادرة والمراوغة كل موبقات الارتكابات الواقعة، وحتى تلك المنتظر وقوعها، كما كان الحال، وبقي ينذر بوقوع انفجارات حقيقية؛ وما يتبعها من انفجاراتٍ رمزيةٍ، كما واقعة انفجار الغضب الشعبي الذي عادة لا يقل عن "تفجيرات الأمونيوم ونتراته" قديما وحديثا، في بلدان ودول لا تملك من مقومات الدولة، سوى ديكورات يغطيها التراب والغبار وشتى أصناف الفساد السياسي، وسقطات السياسيين أصحاب المال الحرام، المنهوب من ميزانيات الدولة ومن حسابات الناس، بشراكاتٍ زبائنيةٍ مع من يوالونهم من قطعان الخدم والعبيد والانتهازيين والوصوليين، من موظفين مدنيين وعسكريين.

كثيرا ما سعت منظومة سلطات الدول الفاشلة إلى ابتكار شوارع متعادية، والتشجيع على قيامها، ووضع قواها الأمنية في مواجهة قوى شعبية

تمضي الدول الفاشلة، من فشل إلى فشل، بل تنقاد إلى نهاياتٍ ينبغي أن تكون محتمة، حين لا يبقى منها إلا الحطام؛ حطام الدولة التي ابتلعتها سلطة القهر والغلبة وقمع الناس، حتى لو تسبب هذا الحطام بالمزيد والمزيد من الضحايا الأبرياء من شعبها، كما حصل ويحصل في الحالات الفاقعة التي تورّطت فيها الدول الفاشلة، وتسببت بإزهاق أرواح كثيرة من الناس. وعلى الرغم من ذلك بقيت أبعد ما تكون من الحساب والعقاب، وبعيدا من تطبيق القوانين ومدى جدّيتها، في بلاد الفشل الدولتي والسلطوي، المتسبب الرئيس في إيجاد مقاتل للناس المحكومين في مثل هذه البلاد المنكوبة، المكتوية بنيران القمع والتسلط واستبداد أهل السلطة، ومن يملكون "قياد الحراسة الاستكلابية" عن أفرادها ومن يوالونهم لحماية موبقاتهم وسيرهم وسردياتهم السوداء.
كثيرا ما سعت منظومة سلطات الدول الفاشلة إلى ابتكار شوارع متعادية، والتشجيع على قيامها، ووضع قواها الأمنية في مواجهة قوى شعبية، بالطريقة ذاتها: "شارع مقابل شارع"، كما يحصل اليوم في شوارع لبنان والعراق وإيران واليمن، ومدن سورية، وغيرها من بلاد الفوضى والدول الفاشلة.
مشكلتنا في هذه البلاد أن بناء الدولة لم يكن، في حالات عديدة، غاية القوى المؤسسة؛ السياسية أو الحزبية أو الاجتماعية، بقدر ما كان حاجة لبعضها للتسلط والاستبداد، وبالتالي بناء سلطة قهرية تستحوذ على كل شيء، في دولة لا تملك من يراقب ويحاسب في "مؤسساتها" التي اعتبرتها من أملاكها، بل من أسلابها الخاصة، ولا شيء عام أو مصلحة عامة، فالفضاء العام معدوم، كما هو معدوم في كامل إداراتها، الناتجة من التحاصصات الطائفية والمذهبية والزبائنية والفئوية والسياسية، وهذه كلها نتاج طبيعي أفرزتها وبلورتها وقادت إليها زمر منظومات الفساد السلطوي التي لا تخضع لأي قانون، ولا تجد من يحاسبها أو يراقب أعمالها أو يعاقب المخطئين أو المنحرفين أو المرتكبين لجرائم لا تخص الدولة وكيانها، بل وتخصّ الناس وكينونتهم الإنسانية الفردية والجماعية والمواطنية المنتهكة.

بناء الدولة لم يكن، في حالات عديدة، غاية القوى المؤسسة؛ السياسية أو الحزبية أو الاجتماعية، بقدر ما كان حاجة لبعضها للتسلط والاستبداد

دولتنا الفاشلة اليوم أكثر فشلا من أي دولة في العالم، نظرا إلى خصوصيتها وزعاماتها الإقطاعية، الفاقدة كل حس إنساني، والممتلئة متلازماتٍ مرضيةً وأحاسيس نرجسية، في غياب الفضاء العام والمصالح العامة، وفي ظل تغييب كل قيم المواطنة وأخلاقياتها، وكل مشترك إنساني بين سلطة الفساد ومنظومتها ودولتها الفاشلة، وأناس تلك الدولة الأبعد ما يكونون عن مفهوم المواطنة وحقوقها، والأبعد أكثر وأكثر عن شرائع ومفاهيم حقوق الإنسان الطبيعية أو المكتسبة. حتى بتنا أمام ثقافةٍ أيديولوجيةٍ تجيدها منظومة فساد وإفساد مرتهنة لمصالح ذاتية وخارجية، تؤشّر إلى أوضح ما يكون الفشل السلطوي والدولتي؛ الحاضر الأول في أروقة سلطات دول، لا يمكن أن تنتج، أو تقوم لها قائمة الدولة.
إن دولة أو دولا خضعت وتخضع لمنظومة عروش وحصون ملوك الطوائف وتحاصصاتهم، وأصحاب المصالح المتنفذين، لا يمكن لها أن تكون في عداد الدول الناجحة، ففي أرجاء مثل تلك الدول لا احتفاء بالحياة، بقدر ما ينتشر الموت وروائحه على وقع انتشار قيم الفساد والنهب، وانتكاب مصالح الناس وسلبها وتشليحها أملاكها الخاصة، حيث إن منظومة النهب والفساد والإفساد الحاكمة، أكبر من الدولة، وهي بالتأكيد رأس حربة الفشل و"زعامته/ زعاماته الخالدة".

الدول الفاشلة والساسة الفاشلون ليسوا نبتا شيطانيا في تربة الدول، بل هم نتاج منظومة فساد سياسي نشأ وتربى ويتربى في أروقة الدولة

مشكلة أخرى أكثر بروزا في تاريخ الدول الفاشلة الصغرى، أن رعاتها الإقليميين لا يقلون فشلا عمن يرعون فشلهم وفسادهم في دولهم. هذه مشكلة بنيوية لا تؤسس لقيام وبناء دولة حقيقية، على الرغم مما تدعو إليه بعض الدول الكبرى من احتضان ورعاية الفشل الكلوي المزمن، القاتل الذي يعمل نخرا وحفرا تحت أساسات الدول الفاشلة، القاتلة هي الأخرى، بصفتها منظومة شمولية تقوم على رعاية زمر أوليغارشية ومافيات سلطةٍ غير قابلة للإصلاح، أو للتغيير السلمي عبر المؤسسات الدستورية.
الدول الفاشلة والساسة الفاشلون ليسوا نبتا شيطانيا في تربة الدول، بل هم نتاج منظومة فساد سياسي نشأ وتربى ويتربى في أروقة الدولة، منظومة تقيم سلسلة علاقات زبائنية خاصة وعامة، همّها استجلاب مزيد من الأموال القابلة للتدوير، والقابلة للنهب لصالح "حرّاس الهيكل"، من ساسةٍ فاسدين تشهد على فسادهم إدارات الدولة الفاشلة، لتقدّم لهم كل ضرورات واحتياجات قوانين الفساد والإفساد، والرشى ونهب المال العام والاستيلاء على كل ما يدفعه المواطن من ضرائب بغير وجه حق، سوى "حق" الفاشلين والفاسدين من أهل السلطة، الوارثين سلطتهم بتأييد (ومباركة) بطاركة هذه الطائفة أو تلك، ومن "الأهل" والأسر الذين اختاروا أن تكون السلطة السياسية مهنتهم؛ المهنة التي تبيض ذهبا خلال فترة قصيرة، عبر الاستيلاء على أموال المشاريع التي لا يجري تنفيذها، جرّاء آليات التحاصص التي تتقاسمها زمر ومجاميع ومافيات أهل سلطة تتحاصص، هي الأخرى، بين أبنائها وأبناء أبنائها، لتتقاسم السياسة والمال والفشل، منتجةً دولة فاشلة هشّة بلا قيم ولا أخلاقيات أو مبادئ، يستحيل إصلاحها أو إصلاح بناها التحتية، القائمة على الأخطاء والخطايا، والارتكابات التي لا يمكن أن تحصل في الغالب الأعم، في دولةٍ حقيقيةٍ صلبة، مكتملة الأركان القانونية والدستورية، وفي ظل قضاء نزيه وعادل ومستقل، غير تابع لزعماء الإقطاع السياسي والطائفي المتهالك، ولكن "القوي" بما ملكت وتملك "كاريزماه" الخاصة الطائفية غير الوطنية، وأرصدته الداخلية والخارجية من أدوار سياسية ومالية وكيلة، ومن أموال الرشى والتحاصصات الزبائنية والاستيلاء على المال العام، عبر سياسة أو سياسات، لا تجيدها سوى الدول الفاشلة، وبالتبعية لدول إقليمية، تتمحور معها وفي خدمتها وخدمة سياساتها، بعيدا عن خدمة بلدانها وأوطانها؛ وهذا هو حال دولنا الفاشلة، وعديد من أحزابها وتياراتها ونخبها في الفضاء العربي والإسلامي.
أخيرا، لا بد من الإشارة إلى الأبعاد اللاوطنية التي تتفشّى في الدول الفاشلة، سلطاتها بلا قضية، قضاياها المال الحرام، تتغذّى منه وتدوّره لمصالحها الخاصة الشخصية والعائلية، تتدخل على الدوام في ما لا يعنيها، ولا يعني شعوبها، وذلك جرّاء متلازمات نقص لديها أكثر إزمانا، تريد اللحاق بنماذج تعتبرها متفوقة، وتلجأ إلى تحالفاتٍ أمنية واقتصادية وتجارية معها، كما فعلت أبوظبي أخيرا، مرتمية في أحضان عدو تاريخي لهذه الأمة وهذه الأرض، لفائدة ذاك العدو وحده، من دون أي فائدةٍ لشعب الإمارات أو لشعوبنا العربية، وهي تعاني معاناتها الأشد ظلما وإظلاما تحت سلطات حكم ودول فاشلة، وجدت وتجد من يرعاها وعلى نفقتها الخاصة، ويوفر لها إكسير الحياة من دولة/ دول كبرى، ومن عدو تاريخي يحتل أرضا عربية، مستندا إلى خرافاته وأساطيره التوراتية التي أضحت تجد من يتصادق معها، ويصادق عليها من أبناء الضاد العاقين.