بدائل التنين الصيني... "كورونا" يكشف محدودية المنافسة في الإمدادات

06 فبراير 2020
الصورة
الفيروس يؤثر سلباً على الإمدادات الصينية (فرانس برس)
هاجم فيروس كورونا الصين وباغت العالم في سرعة انتشاره بالتزامن مع غياب السيناريوهات لدى غالبية الدول للاستغناء عن الاستيراد من ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وبينما تعد الاقتصادات الناشئة في جنوب شرقي آسيا هي الأكثر عرضة لاضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بفيروس كورونا، لا تزال البيانات على مستوى التصنيع تشير إلى أن الاضطراب المؤقت سيكون له تأثير ضئيل على الاقتصاد الكلي في الدول المتقدمة.

ولم تتمكن أي جهة حتى اليوم، من التنبؤ بحجم الأضرار التي ستلحق بالشركات بصورة دقيقة، وإن كان هناك اتفاق واضح على حدوث تأثيرات كبيرة على الشركات الفردية، الأمر الذي قد يطاول أسعار الأصول، لا سيما في قطاعي التكنولوجيا والسيارات.

ورغم المخاوف من تأثيرات انتشار الفيروس على الاقتصاد الصيني والعالمي، عاودت مؤشرات الأسهم الأميركية في تعاملات الأيام الماضية ارتفاعها، لتعوض كل ما خسرته منذ اندلاع الأزمة، وتسجل مستويات قياسية جديدة، الأمر الذي يعكس انخفاض نسبة اعتماد قطاعات التصنيع الأميركية، كما في العديد من الاقتصادات المتقدمة الأخرى، على سلاسل الإمداد الصينية.

وتشير تقديرات مركز الأبحاث كابيتال ايكونوميكس إلى أن المدخلات الواردة من الصين لا تمثل أكثر من 1% من إجمالي القيمة المضافة في اقتصادات الدول المتقدمة، "ويعكس ذلك أيضاً حقيقة ضعف مساهمة قطاع التصنيع في اقتصادات تلك الدول"، من وجهة نظر المركز.

وفي الوقت الذي كانت أغلب دول العالم تواسي الصين وتعلن تضامنها في مواجهة الفيروس القاتل، أطلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرة أخرى بوجهها المكيافيلي، حيث قال ويلبور روس، وزير التجارة الأميركي، في لقاء تلفزيوني مع شبكة فوكس بيزنس نيوز الأسبوع الماضي: "أعتقد أن الفيروس سيساعد في الإسراع بعودة الوظائف إلى أميركا الشمالية"، مفضلاً عدم الخوض في ما اعتبره "انتصاراً كبيراً" للاقتصاد الأميركي.

وسائراً على درب رئيسه المباشر، لم يفوت روس الفرصة، حين أضاف أن "الفيروس يضع أمام الشركات عاملاً آخر يتعين أخذه في الاعتبار عند مراجعتهم لسلاسل الإمداد الخاصة بهم"..

وعلى نحوٍ متصل، وتعزيزاً لتعليق الوزير، قال متحدث باسم وزارة التجارة الأميركية إنه "من الضروري التفكير في تبعات التعامل مع دولة لديها تاريخ طويل من التعتيم على المخاطر الحقيقية التي تعرض شعبها وبقية دول العالم لها". كلام دفع سيمون بابتيست، أستاذ الاقتصاد السابق بجامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، وكبير الاقتصاديين في وحدة الخبراء التابعة لمجلة الإيكونوميست، إلى التعبير عن "دهشته" من تلك التعليقات، وأكد أن "الشركات لن تتخذ قرارات استثمارية طويلة المدى بسبب الفيروس".

ورأى رجل أعمال مصري أميركي (فضل عدم الكشف عن اسمه)، هاجر للولايات المتحدة قبل أكثر من خمسين عاماً ويعمل في قطاع الإنشاءات الصناعية، أن إيجاد بديل في كثير من الحالات للمعدات الصينية يكون صعباً، رغم توافر التكنولوجيا في الولايات المتحدة، نظراً لوجود فارق كبير في التكلفة.

وأضاف لـ"العربي الجديد" قائلاً: "حاولت العثور على مورد للمعدات الضخمة التي احتجت إليها في أحدث مشروعاتي لتصنيع مواد البناء بعد فرض تعريفات على الواردات من الصين. ورغم ارتفاع تكلفتي بأكثر من عشرين في المائة نتيجة لفرض التعريفات العام الماضي، لا تزال المعدات المستوردة من الصين أقل تكلفة من نظيرتها الأميركية، حتى مع أخذ تكلفة النقل من الصين إلى الولايات المتحدة، ثم من الميناء إلى مكان التصنيع، في الاعتبار".

وأكد رجل الأعمال أنه يفكر جدياً في تأجيل مشروعه إلى حين عودة الأمور إلى طبيعتها في الصين.

ولا تعد أميركا، أو حتى كندا والمكسيك اللتان تعتبران الحديقة الخلفية لقطاع الأعمال الأميركي، الاختيار الأول أمام كبرى الشركات الأميركية، الباحثة عن بديل لتوفير المنتجات الوسيطة والنهائية، إلى حين تعافي الشركات الصينية وعودتها إلى العمل الطبيعي بعد القضاء على الفيروس. وبالفعل، بدأ العديد من تلك الشركات، ربما قبل ظهور الفيروس وعلى خلفية التعريفات التجارية التي فرضها ترامب على المنتجات الصينية، في البحث عن البديل في دول جنوب شرقي آسيا.

ورغم ظهور فيتنام والهند كخيارين واضحين، إلا أن كلا البلدين لا يمكن اعتبارهما بديلاً كفوءاً لما تقدمه الصين من مصانع ومرافق وأيدٍ عاملة ومهارة، حيث تعاني فيتنام من نقصٍ كبير في الأيدي العاملة، مما يتسبب في تأخير الإنتاج في المنشآت الموجودة بالفعل في البلاد.

وعلاوة على ذلك، فإن إنشاء المصانع المتمتعة بشهادات السلامة التي تركز عليها الولايات المتحدة، وتزويدها بالمعدات باهظة الثمن، يعدان أمراً مكلفاً. أما الهند، التي تمتلك القوى البشرية، فإنها تفتقر إلى المهارات المطلوبة في التصنيع رغم سيطرتها على قطاع برامج الحاسب الآلي وتطبيقاته في العالم، كما أن سياسات الحكومة لا يعتبرها مجتمع الأعمال مؤاتية.

وأظهرت بيانات وزارة التجارة الأميركية الصادرة في واشنطن يوم الأربعاء عن العام المنتهي 2019 أنه في الوقت الذي شهد حجم التجارة بين الولايات المتحدة والصين أكبر نسبة انخفاض، كانت فيتنام صاحبة أكبر نسبة ارتفاع في تعاملات الولايات المتحدة التجارية مع كل دول العالم، "وإن كانت الفترة الماضية قد شهدت العديد من الاختناقات التي أظهرت صعوبة اضطلاع فيتنام في الوقت الحالي بالدور الذي لعبته الصين خلال السنوات الماضية".

ومع ما يلاحظه المستهلك في السوق الأميركية من توفر العديد من السلع التي تحمل علامة الصنع في دول من جنوب شرقي آسيا بخلاف الصين، فإن أغلب الدول لن تتمكن من تعويض غياب التنين الصيني عن سوق سلاسل الإمداد، نظراً لارتفاع نسبة ما يتم شراؤه من الصين مما يدخل في صناعة منتجات تلك الدول. وفي حين تأتي أكبر سبع دول اعتماداً على المدخلات الصينية في الإنتاج من جنوب شرقي آسيا، تحتل فيتنام المرتبة الأولى عالمياً في نسبة ما تمثله المواد الوسيطة الصينية، وبنسبة تقترب من 16% من إجمالي القيمة المضافة في الاقتصاد.

وتضاعف من تعقيدات الأزمة لدول جنوب شرقي آسيا سياسة إدارة المخزون في أغلب شركات تلك الدول، والتي تقوم على أساس ما يعرف بسياسة "في الوقت المناسب Just in time"، والتي لا تحصل فيها الشركات في تلك الدول على الإمداد المطلوب إلا عند الحاجة إليه.

الأمر الذي يعني أن مخزون تلك الشركات قد لا يسمح لها بالاستمرار في الإنتاج أكثر من أسابيع، وربما أيام، بعد تعطل إنتاج المكونات الرئيسية في الصين.

وأشار سيمون ماكادم، مسؤول الاقتصاد العالمي من مركز الأبحاث الشهير كابيتال ايكونوميكس، في مذكرة أرسلها لعملائه يوم الأربعاء، واطلعت عليها "العربي الجديد"، إلى مؤشر مشتريات المديرين للمنتجات الإلكترونية حول العالم، والذي يدور في الفترة الأخيرة حول مستوى يقل عن متوسطه على المدى الطويل، "وهو ما يعني أن المخزون من تلك المنتجات في الوقت الحالي يعد منخفضاً بالفعل".

دلالات