بحوث علمية مدفوعة الثمن في البحرين.. التوصيل إلى المنازل

09 مارس 2016
الصورة
تجارة الأبحاث الجامعية في البحرين تؤرق الأكاديميين (العربي الجديد)
+ الخط -
لأكثر من نصف ساعة، خاض سعيد أحمد، مالك أحد محلات القرطاسية في العاصمة البحرينية المنامة، نقاشا تفاوضيا، في محاولة لإقناع طالب جامعي بثمن بحث علمي يعدّه لصالحه، حول الصحة والسلامة المهنية.

رضخ أحمد، بعد رفض الطالب وإصراره على خفض الثمن، إذ تشهد سوق الأبحاث الجاهزة منافسة كبيرة بين المكتبات، كما أن هذا الوقت من العام ليس موسم عملهم، إذ لا توجد امتحانات قريبة على الأبواب، كما يقول.

اقرأ أيضاً: خريجو الجامعات الخاصة في البحرين..مرفوضون في سوق العمل

توصيل الأبحاث إلى المنازل

رصد معد التحقيق، عبر جولة في العاصمة المنامة، عدة إعلانات أمام واجهات المكتبات ومحلات القرطاسية، للترويج لإعداد وبيع بحوث علمية للمراحل التعليمية الجامعية وما قبلها، فيما تنتشر إعلانات إلكترونية على المنتديات وموقع التواصل الاجتماعي (إنستغرام)، تروج للموضوع ذاته، وكذلك يعلن وسطاء في مجلات إعلانية مرخصة رسميا، عن استعدادهم لتوصيل البحوث إلى منازل الطلبة، "ما يشي بأن شراء البحوث العلمية مدفوعة الثمن لم يعد مجرد حالة فردية وإنما ظاهرة منتشرة في المجتمع البحريني، وسط غياب رقابي وتشريعي للحد منها"، كما يقول الدكتور عدنان بو مطيع؛ أستاذ الصحافة في جامعة البحرين.

من بين 15 مكتبة ومحل قرطاسية في المنامة، وضعت 7 منها إعلانات على واجهاتها تشير إلى توافر البحوث الجامعية، بينما قال عاملون في خمس مكتبات إنهم مستعدون لعمل الأبحاث لكنهم لا يعلنون عن ذلك، بينما قال عاملون في 3 محلات أخرى إنهم لا تتوفر لديهم هذه الخدمة.

بحسب خالد محمود، مالك محل قرطاسية (اسم مستعار)، تراوح أسعار الأبحاث العلمية ومشاريع التخرج ما بين 20 ديناراً، ما يوازي 54 دولاراً، إلى 100 دينار، (265 دولاراً أميركياً)، بينما يصل ثمن رسائل الماجستير إلى 300 دينار بحريني، ما يوازي 797 دولاراً.

يصف محمود عملهم في مجال الأبحاث مدفوعة الثمن بـ"الضرورة"، ويبرر ذلك بضعف المقابل المادي للطباعة (الخدمة الأساسية للمكتبات ومحال القرطاسية)، (15 فلساً للورقة، ما يوازي 4 سنتات)، بالإضافة إلى تراجع القيمة المادية لأدوات القرطاسية الأخرى مثل الدفاتر والأقلام بسبب التنافس الكبير مع المحال التجارية، وارتفاع الإيجار، ما يجبرهم على العمل في مجال يبتعد عن تخصصهم كما يقول.

ويؤكد لـ"العربي الجديد"، أن موسم عمله يكون خلال فترات تسليم الأبحاث ومشاريع التخرج خلال شهر مايو/أيار الذي يسبق امتحانات نهاية العام قائلا "قد نرفض قبول طلبات إضافية من الطلاب، حتى إن الكثير من أولياء الأمور باتوا يأتون بأنفسهم للتدخل وشراء البحوث لأبنائهم".

ويشرح لـ"العربي الجديد" كيفية تحديد الثمن، قائلا "لا توجد معايير وأسعار ثابتة، لكن صاحب المكتبة ينظر إلى الحالة المادية للزبون عبر تحديد مكان دراسته، فإذا كان الطالب يدرس في جامعة خاصة، فالثمن يزيد في هذه الحالة عن طالب يدرس في جامعة حكومية وهكذا".

في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، قدم النائب في مجلس النواب، عادل العسومي، اقتراحا برغبة لمطالبة وزارة التربية والتعليم باتخاذ إجراء عاجل للحد من ظاهرة بيع البحوث الجاهزة من بعض المكتبات باعتبارها سببا رئيسيا في انهيار التعليم.

حينها ردت الوزارة بأنها تقوم بتوعية طلاب المدارس وتهتم بمكافحة بيع البحوث العلمية لما له من تأثير سلبي على إعداد الطالب تعليميا وتربويا، بالإضافة إلى تدمير قدراته في البحث والاستنباط.

اقرأ أيضاً: الأبحاث المزورة.. تسقط جامعات الجزائر في ذيل التصنيف

تجارة الأبحاث في العلن

لتوثيق الظاهرة، تواصل معد التحقيق مع أستاذ جامعي يبيع البحوث العلمية الجامعية ورسائل الماجستير، عبر منتديات مركز البحرين التجاري، إذ وضع الأستاذ الجامعي إعلانا عن استعداده لتجهيز وتوصيل الأبحاث العلمية والمساعدة في إعداد أبحاث الماجستير.

من خلال التفاوض معه على المقابل المادي لشراء رسالة ماجستير، تبين أنه أستاذ سابق بإحدى الجامعات الخاصة، فيما كرر أكثر من مرة خلال حديثه أنه يقوم بهذا الأمر لمساعدة الطلبة في المقام الأول ومواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة. رفض الأستاذ الجامعي بشدة تقليل ثمن الرسالة عن 240 ديناراً بحرينياً، (ما يوازي 638 دولاراً أميركياً).

للتعليق على تجارة الأبحاث العلمية، تواصل معد التحقيق مع العلاقات العامة في وزارة التربية والتعليم البحرينية، وقد أكدت الوزارة لـ"العربي الجديد"، عدم وجود قانون لمراقبة عمل المكتبات والقرطاسيات ومن يقومون بالإعلان عن بيع الأبحاث العلمية للطلاب، وأكدت الوزارة أن تجارة المكتبات ومحلات القرطاسية في البحوث العلمية ليست مخالفة للقانون، لكنها تعمل على مواجهة الظاهرة عن طريق توضيح أهمية البحث العلمي للمعلمين والطلبة عن طريق دورات تدريبية مستمرة.

ولفتت الوزارة في تصريحها إلى اعتمادها مقرر (أساليب البحث العلمي) في جميع الجامعات الحكومية والخاصة لتعريف الطالب بأساليب البحث العلمي، وتخصص حصة أسبوعية يقضيها الطالب في مركز مصادر التعلم للبحث والمطالعة، كما تخصص نسبة من درجات البحث للمناقشة، مما يحفز الطالب على إعداد البحث بنفسه، ومراعاة الأمانة العلمية في الاقتباس.

اقرأ أيضاً: تزييف الشهادات الجامعية.. تجارة الوجاهة الاجتماعية في السعودية

كيف يكتشف الأساتذة البحوث الجاهزة؟

يتمتع الأستاذ في قسم الدراسات الإسلامية بجامعة البحرين، عبد الستار الهيتي، بخبرة كبيرة في اكتشاف الأبحاث المزورة، إذ كثيراً ما كشف عن بحوث كاملة منقولة، دون أي تغيير في صياغتها، ولدى مناقشته للطالب، يتأكد من صدق حدسه، إذ لا يعرف أي شيء عن محتوى بحثه.

ويكشف الهيتي لـ"العربي الجديد" عن قيامه باستخدام ما يصفها بالأساليب الجديدة، لمواجهة هذه الظاهرة، ومنها طلب أبحاث مكتوبة بخط اليد حتى يتأكد من إعداد الطالب لبحثه، كما يطلب من الطلبة شرح بعض المواضيع الدقيقة التي جاءت خلال المحاضرات التي يلقيها، مؤكدا أن الكسل وضيق الوقت أبرز سببين يتذرع بهما الطلبة لشراء الأبحاث.

يؤكد الدكتور بومطيع، والذي يعمل أيضاً منسقاً لقسم الصحافة في جامعة البحرين (الحكومية)، أنه كشف عدة حالات لتقديم مشاريع تخرج جامعية جاهزة، ويقول بومطيع لـ"العربي الجديد"، "أصيب الطلاب بالحرج الشديد بعد أن ناقشتهم فيها لأنهم متغيبون أغلب المحاضرات، ولا يعرفون ما يوجد في مشاريع التخرج". ويتابع أن "انتشار الظاهرة يؤكد وجود خلل كبير في المنظومة التعليمية والاجتماعية، وفي الحقيقة بعض الأساتذة يتحملون المسؤولية الكاملة لتقاعسهم في متابعة وتوثيق مصدر البحث".

تستخدم جامعة الخليج العربي برنامجاً يسمى iThenticate للتحقق من البحوث العلمية والكشف عن كمية الانتحال في بحوث الطلبة قبل الموافقة على قبولها. وبحسب ما اطلع عليه معد التحقيق، يختبر البرنامج حجم الاقتباس الذي قام به معد البحث. لكن أستاذاً جامعياً يبيع الأبحاث العلمية للطلاب، (رفض ذكر اسمه)، أكد في تصريحات لـ"العربي الجديد"، استخدامه برنامج مطابقة النصوص Turnitin، بعد الانتهاء من إعداد البحث لفحصه والتأكيد على خلوه من مصطلحات متطابقة مع أبحاث أخرى من أجل تصعيب مهمة اكتشاف انتحال البحث. 

اقرأ أيضاً: مافيا رخصة السواقة..المدربون في البحرين يستغلون المواطن والمقيم

برنامج كشف السرقات العلمية

تؤكد وزارة التربية والتعليم البحرينية، لـ"العربي الجديد"، أنها تعتمد على برنامج كشف السرقات العلمية في جميع المؤسسات التعليمية لتحديد طريقه ونسبة الاقتباس، لكن أساتذة في جامعات خاصة يؤكدون لـ"العربي الجديد" عدم توافر البرنامج في مؤسساتهم، إذ يقول الدكتور عزام الطويل؛ الأستاذ المساعد سابقا في كلية العلوم بالجامعة الخليجية (خاصة)، أن "نسبة شراء البحوث العلمية مرتفعة بدرجة كبيرة، لأنه لا يوجد قانون لمحاسبة الطلبة الذين يشترونها"، واصفاً ذلك بأنه تغاضٍ عن الأمر.

ويضيف الطويل الذي عمل أيضا في جامعة دلمون (الخاصة)، في تصريحات إلى "العربي الجديد"، أن "نسبة تقديم الأبحاث الجاهزة التي رصدتها كبيرة جدا بحسب سنوات عملي، لن أبالغ إذا قلت إنها تخطت 90%، في بعض الأحيان. من يقومون بشراء الأبحاث الجاهزة يبحثون بصورة أساسية عن الشهادة وليس المحتوى العلمي، ونحن الأساتذة تقع علينا ضغوطات في العمل مثل تصحيح الامتحانات وضيق الوقت، فبعضهم بسبب الضغوط غير قادر على تمييز الأمر".

يفسر مدير إدارة الإعلام والعلاقات العامة بجامعة البحرين الصحافي غسان الشهابي، قيام بعض الأساتذة الجامعيين، وباحثين مستقلين بإعداد البحوث مدفوعة الثمن بإنه محاولة للاسترزاق، ويقول لـ"العربي الجديد": "أعلم شخصيا بعض الحالات ممن أعدوا رسائل ماجستير لطلاب آخرين من أجل المال وبعضهم باحث أو مشتغل بالبحث العلمي وعلى اطلاع بشروطه، ما يمكنه من أداء عمله باحترافية كما يعتقد".



مطالب بمنظومة قانونية

يطالب الدكتور بومطيع بمنظومة قانونية تحمي حقوق البحث العلمي من الانتحال والغش في البحرين، بحيث تردع الطلاب الذي يشترون الأبحاث والأماكن التي تبيع البحوث العلمية المزورة، مؤكدا ضرورة اعتماد برنامج كشف "السرقات العلمية" رسمياً في كل مؤسسات المملكة التعليمية، وحث الأساتذة على متابعة خطوات إنتاج البحث بصورة منهجية منذ البداية وكذلك مساءلة الطالب أثناء العرض وإجراء تقييم شفوي وأكاديمي.

لكن طالب الحقوق في إحدى الجامعات الخاصة، سيد جعفر، يرى أن الأساتذة يتحملون مسؤولية انتشار الظاهرة، بسبب تقاعسهم في متابعة تنفيذ الأبحاث مع الطلاب والاكتفاء فقط بالحصول عليها في الوقت المحدد، فيما يرى الطالب مصطفى السيد، والذي يدرس الإعلام في جامعة المملكة الخاصة، أن ضيق الوقت يؤدي بالطلبة إلى شراء الأبحاث، بالإضافة إلى عدم التركيز على الجانب العملي، ما يؤدي إلى كثرة التكليفات البحثية النظرية، والتي لا تعوض خبرة الجانب العملي، وهو ما يجعل الطالب حريصاً على توفيرها من أجل الدرجات والتقييم فقط.

أحمد محمد طالب الهندسة في جامعة البحرين، يؤكد لـ"العربي الجديد"، أن الكسل وطبيعة الحياة المتسارعة للجيل الحالي من العوامل التي تدفع الطلبة إلى شراء الأبحاث، مشيرا إلى تزايد الظاهرة بالمقارنة بجيل شقيقه الذي لم يره قط يشتري بحثا عندما كان طالبا في الجامعة ذاتها، فيما ترى ناريمان من جامعة البحرين أيضا أن الضغوط التي يضعها الأساتذة على عاتق الطلبة تدفعهم إلى محاولة تقليل المهام التي لديهم وشراء البحوث للتفرغ للامتحانات والواجبات الجامعية.