بحر الآخرين: من تاريخ الفن إلى مملكة للغرقى

10 ابريل 2016
الصورة
(منمنمة عثمانية)
كلٌّ كان يسمّيه وفق ما يعتقد. المصريّون القدامى أطلقوا عليه "الأخضر الكبير"، تسمية الرومان حملت نفساً إمبريالياً "بحرنا" (مار نوستروم)، أما العرب فسمّوه "بحر الروم" وكأنه تصديق منهم للروم، إنه بحر الآخرين. هكذا إلى أن أتى المؤرّخ والمبشر إيزودور الإشبيلي في القرن السابع وأطلق عليه "ميديترانيان" أي البحر الذي يتوسط الأراضي، وانتقلت الصيغة إلى لغات أخرى باسم المتوسط.

أما اللون الأبيض في الاسم، فستجد أن أول من جعل اسم المتوسط ينتمي إلى العرق الأوروبي هم العثمانيون حين أطلقوا عليه "باهر آي سيفيد" أي "البحر الأبيض النقي". كل هذه التسميات ليست إلا انعكاساً لمبادرة الروم بنسبة البحر لأنفسهم والتي انتقلت إلى تسميات الآخرين للبحر نفسه، وعكست طريقة تفكيرهم فيه.

يظهر هذا التأثير إذا حاولنا تتبّع كيف يفكّر الفنان العربي بالمتوسط بوصفه مساحة لا تخصّه، ويزداد هذا الاستنتاج تأكيداً ونحن نفتّش بلا طائل في كتب تاريخ الفن عن حضور البحر في العمل الفني العربي بشكل خاص، والإسلامي بشكل عام، منذ القرن السابع إلى القرن التاسع عشر، حيث لم يرافق تطوّر رسم البحر أو الكتابة عنه الفنون الأخرى كالخط والزخرفة وبدء دخول مفردات الطبيعة إلى المنمنمات التركية والفارسية، بل ودخول الحيوانات قبل ذلك التاريخ بكثير كشخصيات أدبية مثل كتب "كليلة ودمنة" أو "الحيوان".

وأثناء البحث عن حضور المتوسط في تاريخ الفن العربي أو الإسلامي، نجده غائباً، عدا في بعض المنمنمات العثمانية والتي تقدّم البحر بوصفه موضع الأساطيل البحري، البحر كمكان مهيمن عليه، إذ تظهر السفن الحربية راسية على الساحل والفرسان على البر مقابلها. من جهة أخرى، تحضر الأنهر في الرسوم العربية أو الإسلامية القديمة بوصفها بحراً، سنجد الواسطي يصوّر دجلة تعبره السفن المليئة بالبشر.

وقد يكون تاريخ الفن الإسلامي والعربي في القرون الوسطى زاخراً بحضور البحر، الذي اجتازته السفن الحربية والتجارية وهي في طريقها إلى أوروبا، لكن الحظ لم يحالف كاتبة هذه السطور في العثور على مصدر متخصّص في دراسة هذه العلاقة، أو حتى التمتع بقراءة سير فنانين أو كتّاب أو مترجمين انتقلوا عبره إلى أوروبا، وكيف أثر في مسيرتهم.

الأمر ليس نفسه في تاريخ الفن الأوروبي، فالمصادر كثيرة حول علاقة المتوسط بتاريخ الفن. هنا يكون البحث الثقافي والأكاديمي امتداداً طبيعياً للهيمنة على تاريخ المتوسط، مقابل استعداد لدينا إلى التخلي عن البحث في أثر هذا الحوض الخطر والمؤثر في ماضينا القريب والبعيد، فضلاً عن غياب مشاريع تأريخ فني عربي جادة أساساً.

لكن الأمر لا يخلو من مفارقات أيضاً، إذ سنجد في هذه المراجع الأوروبية أن الفنانين القادمين من اليونان وقبرص كانوا يعتبرون مشرقيين، مثل إل غريكو، الفنان الذي أبحر إلى إيطاليا من قبرص عام 1567، وكانت "مدينة الماء" البندقية، هي الميناء الأول له. سنرى أن عبور المتوسط لم يكن مجرد هجرة فقط أو قرار سفر، بل إنه اقتراح بصري وجمالي وثقافي وفني جديد سينعكس على أعمال إل غريكو، التي ستتأثر بتيزيانو وتينتوريتو، الأمر الذي غيّر أسلوبه الفني ونقله إلى مرحلة أخرى، ولا سيما بعد تأثير أعمال مايكل أنجلو عليه.

في العام نفسه، ينتقل الفنان ماتيو أليتشي أو أليشيو، مما كان يعرف بممكلة نابولي إلى روما ويصل إليها في الوقت نفسه الذي يصل فيه إل غريكو، وسيظلّ المؤرخون حتى يومنا هذا يبحثون في احتمالية لقاء الاثنين. سيسافر أليتشي إلى مدن متوسطية كثيرة.

في 1576 ذهب إلى مالطا، ورسم فيها مجموعة من أهم الجداريات في تاريخ الفن والتي تمثل الجيش العثماني الذي هاجم الجزيرة قبل هذا التاريخ بعشرة أعوام، ويظهر فيها المتوسط مليئاً بالبشر والجنود والأسرى، والسفن بعشرات المجاديف على جانبيها، والمدفعيات، وتعتبر هذه الجداريات وثيقة حربية أيضاً، إذ يظهر فيها تكتيك الحروب البحرية في منتصف القرن السادس عشر.

وفي نفس الفترة، سيتعثر حظ ميغيل دي ثيربانتس في إسبانيا، فيقرّر الهجرة إلى إيطاليا عابراً المتوسط. ويُمضي بعض الوقت في روما قبل أن يسجل نفسه جندياً في قوارب الدوريات البحرية. وحين قرّر العودة إلى بلاده اختطفه قراصنة في الجزائر ليبقى أسيراً لديهم خمس سنوات، إلى أن أطلق سراحه وبات عليه أن يقطع المتوسط مرة أخرى إلى إسبانيا.

تنعكس هذه العلاقة مع البحر في كتابات ثيربانتس؛ المعارك التي دارت فيه، ذكرياته على متن القوارب الدورية. وربما يكون مشهد وصول دون كيخوته وسانشو إلى برشلونة في الفصل الثاني من روايته الأشهر، من أجمل ما كتب، حيث ظهر البحر في عيون البطلين كبدعة عجيبة، يقفان على الشاطئ ويتأملان القوارب والسفن الراسية، ويرسم الكاتب صورة للأعلام التي ترفرف في الريح وهذه التي تقبّل سطح الماء.

في مقابل غياب المتوسط هنا والحضور هناك، من المتوقع أن يصبح مدار أحداث أعمال فنية بصرية كلوحات وتجهيز وخلافه من الفنون المعاصرة، فقد بدأ يستعمر مخيلتنا بطريقة أخرى، بوصفه مملكة الغرق ودرب الجلجلة الذي يقطعه المهاجرون.