بالوثائق: التطبيع بين المغرب وإسرائيل من البذور للتمور

بالوثائق: التطبيع بين المغرب وإسرائيل من البذور للتمور

الرباط
عبدالله الطويل
04 يونيو 2014
+ الخط -


"نصدّر السلع يومياً إلى إسرائيل.. أمورك سهلة لا تخشَ شيئاً.. مرحباً بك وبأصدقائك الراغبين في التصدير لإسرائيل". العبارة السابقة ليست إعلاناً تجارياً علنياً يسوّق للتطبيع التجاري، بل هي فقط رد من مدير إحدى شركات الاستيراد والتصدير في المملكة المغربية على سؤال تلفوني من شخص أخبره بأنه تاجر أحجار أثرية مغربي يرغب فى تصدير حاويات لإسرائيل، لكن شريكه يخشى الامر، فما كان من المكلف بالمكتب إلا أن عاجله القول بأريحية: "لا تخشَ شيئاً، لأننا نقوم بالأمر يومياً". 

هذه الحكاية ليست سوى قمة جبل الجليد التي تخفي تحت السطح تفاصيل روايات متعددة كلها تدور حول التطبيع بأنواعه المختلفة في المملكة المغربية، التي دائماً ما نفت وجود تطبيع من أي نوع مع إسرائيل على الرغم من نشر الأخيرة لإحصائيات رسمية إسرائيلية تؤكد العلاقة التجارية المهمة مع المغرب.

"العربي الجديد" استقصى جانباً مهمّاً من قصص شبكات التطبيع المغربية وآليات عملها، في ظل غياب أي بيانات حكومية مغربية عن الأمر، ونشر "المركز الإسرائيلي للإحصاء" بشكل شهري لمعاملات إسرائيل الإجمالية مع المغرب.

 

احتلال الأسواق

الخطوة الأولى في عملية البحث عن خيوط شبكة التطبيع في المغرب، اصطدمت بصعوبة الحصول على المعلومة، وخصوصاً في ظل معاملات تحت الطاولة ومن وراء الستار، فقط في المغرب، بينما الأمر "على عينك يا تاجر" في إسرائيل. لكن ما لبث خيط، بمثابة البوصلة، أن لاح في الأفق بعد التوصل إلى معلومة حول هاتف وعنوان شركة "زيم" الإسرائيلية المتخصصة في نقل السلع عبر العالم. وكشفت تحريات "العربي الجديد" أن لهذه الشركة مقراً بالمغرب، ولكن العنوان الخاص بها كان غير مكتمل، لتطفو على السطح مجموعة من الأسئلة حول الشركة التي توجد في قلب الدار البيضاء (العاصمة الاقتصادية للمغرب). وكانت المعلومة الأكثر أهمية أن فرع الشركة بالمغرب يرأسه مغربي، ابن رئيس وزراء سابق.

تم الاتصال بمكتب "زيم" بالدار البيضاء، والتي لا تبعد عن مقر البورصة المغربية إلا خطوات قليلة، من أجل معرفة إجراءات تصدير واستيراد السلع من إسرائيل. وكان القائم بالاتصال مغربي ادعى أنه تاجر يرغب في تصدير بضاعته إلى إسرائيل.

رد الموظف بالمكتب جاء سريعاً، إذ أخبر التاجر أن المكتب سيتكفل بالعملية من الألف إلى الياء، وسيتم إرسال السلع إلى ميناء بإسبانيا في مرحلة أولى، وهو التعامل الذي سيسجل مع الجمارك المغربية، وبعد ذلك سيتكفل المكتب عبر فرعه بإسبانيا بعملية تصدير السلع في مرحلة ثانية إلى إسرائيل، ولم ينس المكلف بالمكتب أن يختتم مكالمته بترحيب كبير بالتاجر.

وثيقة 1  نقل السلع من الدار البيضاء الى حيفا يستغرق 15 يوماً



















المفاجأة أن عملية نقل أو جلب السلع من إسرائيل أسهل من نقل السلع أو البضائع داخل المغرب، فمن خلال موقع شركة "زيم"الإسرائيلية على الانترنت، يظهر موقع الكتروني يمكن لأي شخص أن يدخل إليه مثلا تفاصيل نقل السلع من الدار البيضاء إلى حيفا أو العكس، يظهر للباحث جدول يوضح أن العملية تتم على مرحلتين من الدار البيضاء إلى تيراكونا (مدينة بإسبانيا) ثم من هذه الأخيرة إلى حيفا لتستغرق عملية النقل 15 يوماً (الصورة 1) .

"الحاوية التي تزن 48 ألف كيلوغرام تبلغ قيمة نقلها 1150 دولار من المغرب إلى إسرائيل بالإضافة إلى تكاليف الميناء المقدرة بـ 260 دولاراً"، يقول الموظف بمكتب "زيم" بالمغرب.

عاد "التاجر" وشكك في ضمان وصول السلع إلى الوجهة، ولكن المسؤول في مكتب "زيم" طمأنه قائلاً "شركتنا تعمل بشكل يومي ومستمر ولم يسبق أن واجهتنا مشكلة في هذا الصدد".

سيون أسيدون، يهودي مغربي وناشط حقوقي في المغرب، يؤكد أن هناك دلائل عديدة بخصوص تنامي التجارة المغربية الإسرائيلية. ويقول "يمكن ملاحظة هذه العلاقة من خلال تجول حاويات شركة زيم الصهيونية التي لها ممثل بالدار البيضاء، كما أنه ومن نفس المصدر هناك ناقلات للحاويات التابعة لهذه الشركة للملاحة التي تتوقف في ميناء طنجة المتوسط".

وتساءل أسيدون "كيف يعقل مثلا أن آلات مستعملة لصنع الأسلاك الشائكة تدخل المغرب في حاوية لشركة زيم الصهيونية عن طريق ميناء الدار البيضاء المغربي بدون علم الجمارك؟!".


الاستثمار في قطاع استراتيجي

قصة أخرى وشبكة جديدة تعمل بعيدا عن صخب الدار البيضاء، حيث اختار رجل أعمال إسرائيلي الاستثمار في قطاع النخيل على تخوم الصحراء على بعد أكثر من 20 كيلومتراً عن مدينة الراشيدية جنوب شرق المغرب.

ووسط منطقة خاوية على عروشها، يحصل المستثمر الإسرائيلي، وفق معاينة "العربي الجديد" الميدانية وحسب إفادات اهل المنطقة، على 6000 آلاف نخلة من "المجهول" وهو النوع الرفيع الذي ينتج تمور بالمغرب في مزرعته التي تسمى (بروق).

لكن كيف حصل على رخصة الاستغلال؟

الجواب يأتي على لسان "ل.أ" مدير معهد الزراعة الذي اعترف، وفق مصادر من المنطقة، بأنه هو الذي قام بدراسة الجدوى للاسرائيلي، وتوجد بعض مشاريع من هذا الشكل مملوكة لإسرائيليين بالقرب من بوذنيب وهي مدينة غير بعيدة عن هذا المكان.

مصدر مسؤول رفض الكشف عن هويته أسرّ لــ"العربي الجديد" بأن "محافظ أحد أقاليم المنطقة أقام غذاء عمل أخيراً جمع وفداً من وزارة الفلاحة المغربية، ووفداً من إسرائيل، حيث قاموا بزيارة لاكتشاف فرص الاستثمار في المنطقة".

الوثيقة 2  شركة حازيرا الاسرائيلية حصلت على ترخيص تسويق بذور الطماطم في المغرب



















البحث عن حقيقة تحرك شركات تتعامل مع إسرائيل أو شركات إسرائيلية تستثمر بالمغرب شبيه بالدخول في متاهة، في ظل حساسية الموضوع والتكتم الشديد وشبكة المصالح. لكن "العربي الجديد" حصلت على وثيقة رسمية تبين استثمار شركة "حازيرا" الإسرائيلية في بذور الطماطم بالمغرب، حيث تشير بيانات المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (تابع لوزارة الفلاحة المغربية) للشركة ضمن الشركات التي يتم قبول زراعة بذور الطماطم بالمغرب (الصورة 2). كما ان أنواع وأصناف النباتات التابعة لشركة "حازيرا" الاسرائيلية قابلة للزراعة في المغرب، وفقا لصورة من الجريدة الرسمية بالمغرب (صورة للجريدة الرسمية) مرفقة.

ما سبق يؤكد على التطبيع الذي تمارسه شبكات مصالح، من نجل رئيس وزراء سابق ومستثمرين بالتعاون مع مسؤولين نافذين في الرباط، ما أدى الى شراكة مغربية إسرائيلية في القطاع الفلاحي، ولكن تظل في الكواليس حتى لا يكشف المستور، وخصوصاً في ظل مكانة القضية الفلسطينية في قلوب المغاربة.

وثيقة 3  اثبات استمعال وزارة الفلاحة المغربية لبعض البذور الاسرائيلية مثل UI



















ورغم الأبواب الموصدة عن معطيات رسمية، ونفي المسؤولين للتعامل التجاري مع إسرائيل، ظهرت وثيقة لوزارة الفلاحة المغربية، تكشف المستور: شركات إسرائيلية توفر بذور العديد من الخضر (الطماطم والخس وبنجر السكر) للوزارة، بينها "زيريم غاديرا" و"حازيرا".(صورة 3) و(صورة 4) و(صورة 5).

مصدر من الجمعية المغربية لمصدري الخضر والفواكه كشف لــ "العربي الجديد" أن "بعض الفلاحين الكبار يستوردون بذور الطماطم بطريقة غير مباشرة من إسرائيل، حيث يتم التعاقد مع فروع شركات إسرائيلية بفرنسا" .

الوثيقة 4  شركة فرنسية تسوق منتجات شركة زيريم غاجيرا الاسرائيلية بالمغرب


















المعطى الأخير صحيح، خاصة أن "العربي الجديد" حصل على وثيقة (صورة 6) تبين أن شركة فرنسية تسوق لمنتجات شركة "زيريم غاديرا" الإسرائيلية بالمغرب.

وفي نفس السياق فان شركة مغربية أخرى لاستيراد السلع تسمى "كونطوار دو سوس" تأكد أن أحد أبرز شركائها بالمغرب هي الشركة الإسرائيلية "نيفطاليم"، إذ يبدو في موقع "كونطوار" الالكتروني صورة لشركائها في الخارج ومن بينهم شركة نيفطاليم.

 

السلطة والتطبيع

اتهم تقرير صادر عن المرصد المغربي لمناهضة التطبيع (غير حكومي)، في شهر مارس/اذار الماضي، مجموعة من الشخصيات المغربية بكونها "رموز الاختراق الصهيوني بالساحة المغربية ومن بين الأسماء التي جاءت باللائحة مثلاً: أندري أزولاي (يهودي مغربي) وهو مستشار للعاهل المغربي محمد السادس، وإدريس اليزمي رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان (حكومي)، ونور الدين الصايل مدير المركز السينمائي المغربي (حكومي).

وثيقة 5  صورة من الجريدة الرسمية في  المغرب توضح ان شركة حازيرا الاسرائيلية يتم قبول تسويق منتجاتها من البذور في المغرب 



















وتبين بعض الأحداث ارتباط السلطة والتطبيع بالمغرب، لكن الحصول على إحصاءات حكومية حول استثمار الإسرائيليين بالمغرب، يعد سباحة ضد التيار، بسبب لجوء عدد كبير من الشركات المطبعة الى  إنشاء فروع لها بأوروبا حتى لا ينكشف أمرها إلا أن غرفة التجارة الفرنسية الإسرائيلية، من خلال موقعها الالكتروني، اكدت أن 45 شركة إسرائيلية تستثمر بالمغرب، مما يؤكد أن هناك من يقف وراء الستار ويتحكم في قانون اللعبة.

وثيقة 6  تبث ان شركة حازيرا الاسرائيلية تم قبول تسويقها لمنتجاتها من البذور في المغرب


















ما إن يسمع المسؤولون أو الأطر العاملة بالوزارات سؤال حول المعاملات مع إسرائيل، حتى يرفضوا الحديث أو ينفون الأمر جملة وتفصيلا.

مصدر مسؤول من وزارة التجارة الخارجية المغربية نفي وجود علاقة تجارية بين المغرب وإسرائيل، إلا أنه أكد في تصريحات خاصة لــ "العربي الجديد" لجوء بعض الشركات من الطرفين إلى إنشاء شركات بأوروبا حتى يتم إخفاء العلاقة المباشرة".

وثيقة 7  تبين استعمال وزارة الفلاحة المغربية لبعض البذور الاسرائيلية مثل البطيخ والخس وبنجر السكر




















المثير في الأمر أنه عندما اقترب الساسة المغاربة من مصالح إسرائيل بالمغرب، تحركت الآلة الإسرائيلية داخليا وخارجيا، فبمجرد أن تقدمت 4 أحزاب مغربية (من الأغلبية والمعارضة) خلال السنة الماضية بمقترح قانون بالبرلمان يجرم التطبيع مع إسرائيل، حتى تدخلت رئيسة الدبلوماسية الأوروبية  كاثرين أشتون محذرة البرلمان المغربي من المصادقة على هذا القانون، بالإضافة إلى تحرك اللوبي الإسرائيلي بالولايات المتحدة. كما تعهد وزير الخارجية الهولندي فرانس تيمرمانز لبرلمان بلاده، بالعمل على منع المغرب من إقرار قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني.

مصدر من الأغلبية الحكومية المغربية كشف إن المقترح تعرض لضغوط على المستوى الداخلي والاقليمي والدولي، واستبعد المصادقة على المقترح، وخصوصا في ظل حساسية الموضوع والتحرك القوي للوبي الإسرائيلي على المستوى الدولي.