بالمباريات.. لا بحروب الهويات!

03 يوليو 2014   |  آخر تحديث: 05:04 (توقيت القدس)

فلسطيني يتابع برام الله مباراة الجزائر وألمانيا (فرانس برس)

+ الخط -

2 يوليو 2014

أزعم أن أغلبية الجماهير الرياضية العربية تابعت، بحماسة شديدة، المباراة الأخيرة للمنتخب الجزائري في بطولة كأس العالم. بل إن كثيرين ممّن لا يتابعون البطولة، ولا يحبون كرة القدم عادة، حرصوا على متابعة المباراة، وما قبلها من مبارياتٍ، كان المنتخب العربي الوحيد المشارك في ذلك الاستحقاق الرياضي العالمي طرفاً فيها.
سألت طفلاً في عائلتي، وأنا أحاول مواساته، بعدما ارتسمت مشاعر الأسى على وجهه عند نهاية المباراة بخسارة المنتخب الجزائري على يد المنتخب الألماني، عن سبب تشجيعه الجزائر، فقال بعفوية وبساطة: "لأنهم عرب"!
لم يكن الطفل، قبل انطلاق البطولة، يعرف شيئاً عن الجزائر، ولا عن علاقتنا بها، إلا ما كان قد تعلّمه في المدرسة الابتدائية، وهو قليل، لكنه حرص، في الأيام الأخيرة، على معرفة كل شيء، حتى أنه أدهشني في الحوار، عندما فسّر حديث لاعبين على الشاشة باللغة الفرنسية بأن ذلك يعود إلى أن فرنسا احتلت الجزائر، و"خلتهم يتكلمون فرنسي"! قالها بحسرةٍ حقيقيةٍ، انبعثت من شعوره المستجدّ بالأخوّة مع الجزائريين، وعشق كل ما هو جزائري.
من أين للطفل هذا الشعور تجاه الفريق العربي الذي لم يشاهد له مباراة واحدة قبل المونديال؟ كيف انبعث داخله فجأة هذا الإحساس "القومي" الذي جعله يذرف الدمع الساخن، وهو يرى الكرة الألمانية تعانق الشبك الجزائري؟
أنا متأكدة من أن كثيرين غيره في كل البلاد العربية تصرفوا كما تصرف هذا الطفل الكويتي الصغير، والذي كان من دواعي حسرته، في تلك الليلة، أنه لم يجد قميصاً بألوان العلم الجزائري ليلبسه، كما يفعل عادة في مباريات الفرق المفضلة لديه. والأمر الأكثر إثارة لي، وربما لغيري، رؤية الجماهير المصرية، بمختلف أطيافها السياسية والرياضية، تشجع الجزائر، بعدما شهد العالم تفاصيل الخصومة الكروية الشهيرة بين مصر والجزائر في العام 2009، على خلفية مباراتهما في السودان. يومها، اندلعت حرب إعلامية شعواء بين الطرفين، ساهمت في تفاقم الخلاف، واستدرجت مثقفين للمشاركة فيها بشكل عشوائي سلبي. ذاب هذا كله، فجأة، لنشهد على أن الجماهير المصرية كانت من أشد المتحمسين للفريق الجزائري!
سنوات من ثورات الربيع وتداعياتها السلبية لدى كثيرين جعلت التفكير وفقاً للمنظومة القومية يبدو وكأنه خارج سياق التاريخ، فالدماء التي سالت إنما من أجل كل شيء تقريباً، إلا أن تكون من أجل الهوية القومية الواحدة، بل إننا، كعرب، لم يسبق لنا أن فكرنا بتلك الروح المنقسمة على بعضها، كما فعلنا في السنوات الأخيرة، وأصبح من الطبيعي جداً أن تبرز الطائفية والمذهبية والقبلية والمناطقية والعائلية، وغيرها من أنواع التقسيمات في حروبٍ حقيقيةٍ، تتقاتل فيها الهويات في كل مكان، لا في الوطن العربي ككل، بل في خصوصية كل دولة، على حدة أيضاً.
هل أنهت مباراة الجزائر هذا كله؟ بالتأكيد لا.. لم تفعل، ولن تستطيع أن تفعل ذلك بهذه البساطة، لكنها أثبتت، لنا على الأقل، أن حروب "الهويات القاتلة" بين الشعوب، مفتعلة من سياسيين لا تهمّهم شعوبهم، كما يدّعون، بقدر ما تهمّهم مصالحهم الأنانية التي لا يعملون إلا لأجلها، حتى وإن أشعلوا الحروب تلو الحروب من أجلها، فهم، على أية حال، لا يخسرون شيئاً، ما دامت أجساد الشعوب وأفكارهم وأحلامهم وتطلعاتهم هي السلاح، والوقود، والضحية أيضاً.
جاءت المشاركة الجزائرية في المونديال، لتفضح هذا كله، ولتؤكد لنا من جديد أن الدماء التي تسيل، هنا وهناك، في سبيل شعاراتٍ، صنعها السياسيون وحدهم، إنما تسيل مجاناً، وتذهب هدراً، ولا يستفيد منها إلا هؤلاء السياسيين وحلفائهم من أعداء الأمة والإنسان. لذلك، علينا أن نثق بصيحات الجماهير العربية في المدرّجات، أو وراء الشاشات في مثل هذه المباريات، أو غيرها من المناسبات المشابهة، أكثر من ثقتنا بالبيانات الختامية للقمم العربية!

 

 

 

CC19B886-294F-4B85-8006-BA02338302F0
سعدية مفرح

شاعرة وكاتبة وصحفية كويتية، من مجموعاتها الشعرية "ليل مشغول بالفتنة" و"مجرد امرأة مستلقية"، ولها مؤلفات نقدية وكتب للأطفال. فازت بعدة جوائز، وشاركت في مهرجانات ومؤتمرات عدة.