بالفيديو.. تمرد مغربي على حكم "الأمغار" في الأطلس المتوسط

الرباط
محمد سموني
13 يناير 2015
+ الخط -
بين جبال الأطلس المتوسط المغربية، وتحديداً في محضن قبائل آيت ويرا (الأمازيغية) البعيد عن العاصمة المغربية  نحو 273 كيلومتراً لا صوت يعلو على صوت الأمغار (شيخ القبيلة) يحكم بعرف خاص، يتدخل في جميع تفاصيل الحياة العامة وحتى الخاصة لأفراد القبائل.
"العربي الجديد" في هذا التحقيق انتقل إلى هذه القبائل لكشف النقاب على عرف "مقدس" يجعل من التماهي مع قانون الدولة المغربية، خروجاً على الجماعة ويعاقب الخارج عن العرف بغضب جماعي يرفض مخالفه ويحاصره.

صورة أمغار
في الطريق إلى لقاء موحى أوخلاف، وهو أمغار قبائل آيت ويرا (الأمازيغية) كان كل من صادفناه وسألناه عن شيخ هذه القبائل يرسم لنا "بورتريه" عن هذا الرجل القوي الذي يحكم قبائل كثيرة في منطقة الأطلس المتوسط (وسط المغرب)، الكل يتكلم عن حزمه، جبروته، معاقبته مخالفيه. لكن، لا أحد من هؤلاء وافق على مرافقتنا إلى مكان وجوده، بدعوى أنه سينال عقوبة وغضب أمغار والقبيلة بأكملها عليه، استطاع "العربي الجديد" بعد ذلك الحصول على رقم هاتفه المحمول والاتصال به لأخذ موعد لمقابلته.

رفض أمغار مقابلة "العربي الجديد"، في البداية، وبعد إلحاح على نيل موعد وافق، لكن بعد عودته من رحلة الصيد في الجبل، بمجرد إقفال خط المكالمة، تكلم شاب إلى جانب كاتب التحقيق في مقهى القصيبة، أثاره فضول المكالمة: "أنت صحافي وتنوي لقاء أمغار، لن يلتقيك، فهو يخشى الصحافة أكثر مما يخاف السلطة".

"أمغار" الكلمة الفصل

خلال وجود كاتب التحقيق في قرية قصيبة موحى أوسعيد استقى رأي مجموعة من الناس عن رأيهم في أمغار وحكمه، منهم فاطمة سيدة خمسينية مقيمة في قرية القصيبة، بمجرد سؤالها عن أمغار، بدأت تسرد لنا في الكثير من المشاكل التي استطاع أمغار حلها مباشرة بكلمته داخل "المحكمة العرفية" التي تقام كل يوم أحد الذي يصادف يوم سوق قبائل آيت ويرا، تقول فاطمة إن "جميع المشاكل التي تثار عن الأرض أو الماء أو حتى الصراع عن الإرث، جميع عقلاء القبيلة يتجهون إلى محكمة أمغار لحلها".

توضح فاطمة، أن زمن مثل هذه النزاعات "لا يمكن أن يستوفي أسبوع على أكثر تقدير لأنه يحل بالرجوع إلى أعراف وتقاليد أجدادنا" معتبرة في ذات الحديث أنه "لا يمكن لعاقل في هذه القبائل أن يتخلى عن عرفنا الذي يحل المشاكل بفعالية ويتجه لحكم قضاء الدولة التي تستغرق مساطرها سنوات من دون التوصل إلى حل يرضي الجميع".

وعن طبيعة الأحكام التي يفصل بها أمغار النزاعات داخل هذه القبيلة، تشرح لنا أسرة السيدة فاطمة أن "معظم الأحكام هو عقاب جماعي، ففي البداية عندما يظهر المعتدي يفرض أمغار عليه إطعام عدد من أبناء القبيلة يتراوح عددهم بين عشرين ومائة شخص، ويتكلف الشخص المرتكب مخالفة أو اعتداء أن يطعمهم بشكل كامل"، وفي حالة رفض أي شخص الانصياع لحكم الأمغار تضيف فاطمة أنه "يتم إعلان الحصار عليه، فلا أقرباؤه يكلمونه ولا التجار يبيعونه شيئاً أو يتعاملون معه، حتى سائقو سيارات الأجرة، إلى أن يتواضع ويعود إلى حكم القبيلة".
مبررات تبدو معقولة إلى حد ما، لكن مجموعةً من الشباب المتمرد على هذا الحكم، لهم آراء أخرى معها، يسلطون الضوء على بؤرة أخرى وهي اختلاط السياسي بالعرفي والتقليدي داخل منظومة الحكم.

هل يلغي الصراع السياسي العرف؟

رحلة البحث عن الغاضبين من حكم أمغار جعلت "العربي الجديد"، تلتقي مع عيساوي ميمون، وهو مستشار جماعي (وظيفة تمثيلية عن طريق الانتخابات البلدية). هذا الرجل حكم عليه بأقصى عقوبة في القانون القبلي وهي "الحصار" وتم إخراجه من الحياة الجماعية لقبيلة "آيت ويرا".

روى ميمون قصته لـ"العربي الجديد": "كل شيء بدأ عندما عارضت مستشارون جماعيون معي في المجلس البلدي عن قرارات تبدو لي غير صالحة للقرية، وهو ما أثار غضب أمغار عني، لأنه يدعم هؤلاء الأعضاء ويتقاطع معهم في توجهاتهم السياسية". يضيف ميمون وهو يروي الأثر النفسي الذي تركه عنده العقاب الجماعي الذي فرضه عليه "الأمغار" لم أعد أقوى على العيش والكل يقاطعني ولا يرغب في الحديث معي حتى أبنائي الصغار عوقبوا من قبل أطفال الجماعة لا أحد يرغب في اللعب معهم ولا نساء القبيلة كذلك يكلمون زوجتي". بدا التأثر على ميمون واضحاً، وهو يتحدث عن وضعية المعاقب جماعياً، لهذا التأم مع مجموعة من الغاضبين على حكم أمغار، ليقود معهم حركة تمرد على الشيخ وأحكامه.

تمرد
وجدناهم في مقهى القرية، ولا حديث يدور بينهم سوى عن كيفية مواجهة أمغار وأحكامه عليهم، مجرد التعرف على صفاتهم كاف لفهم أن من بين الخلافات الأساسية ما يرجع إلى ما هو انتخابي أو سياسي بمفهومه المحلي أي الصراع على التحكم في المجلس البلدي وقراراته، لهذا بمجرد التساؤل على كون مواجهة أمغار وأحكامه هي مواجهة لخصوصيتهم التقليدية والعرفية؟ حتى يبدأ الشيوخ فيهم بالإيجاب على عكس الشباب فيهم أن الصراع هو صراع مع موحى أوخلاف، "الأمغار" وليس مع التقاليد، يشعر شباب القرية بنوع من الحرج، بعدما اعتبروا في حديثهم معنا أنهم "ضد وجود ازدواجية في الأحكام بين قوانين عرفية وأخرى وضعية تعبر على سيادة الدولة".

لقاء أمغار

في صباح اليوم التالي، اتجهنا إلى منزل أمغار القبيلة، وما إن خرج إلينا الرجل حتى اكتملت صورة الرجل القوي في القبيلة، بعد التحية وتذكيره بموعدنا معه، ثار صارخاً في وجهنا: ماذا تريدون بالضبط؟ أنتم تدخلون في مِؤامرة الخارجين عن القبيلة وتقاليدها؟ كانت مهمة إقناعه بالحديث مع "العربي الجديد"، صعبة ولم يقتنع بأن مهمتنا صحافية محضة حتى تدخل حفيد الرجل الذي اطلع على هويتنا ليستقبلنا في منزله بعدها.

"لا حديث لي عن هؤلاء الذين يطالبون بإلغاء تقاليدنا وأعرافنا"، كانت أول جملة ينطق بها بعد أن بدأ حوارنا مع الشيخ الأمغار، لننتقل إلى الحديث عن التقاليد والأحكام التي يصدرها ومن أين يستمد مشروعيته، يقول أمغار "هذه تقاليدنا منذ سنين كثيرة حتى قبل أن يغزو الاستعمار المغرب، الأمغار يعين من القبيلة، وهي من تسلمه النظر في أمرها وفي حل النزاعات بين أفرادها" وعن كيفية هذا التعيين يشرح أمغار "أنه بعد موت أمغار القبيلة يجتمع الحكماء، ويختارون واحدا من بينهم".

يضيف أنه "اعتاد أجدادنا على حل جميع مشاكل القبيلة بينهم، وأن لا يتدخل فيها أي أجانب، حتى ولو كانوا ممثلي الدولة المركزية، فمن المعيب أن يلتجأ أي شخص إلى المحكمة أو غيرها وأن يتجاوز القبيلة حينها فلا مكان لهذا الشخص بيننا".

وعن البديل عن الدولة يقول أمغار إن عندنا أعرافنا التي بها تحل النزاعات، نجتمع مرة في الأسبوع لطرح جميع المشاكل التي يأتي بها "إيمور" (وهو خليفة الأمغار في القبيلة الصغيرة ويبلغ عددهم في هذه المنطقة حسب الأمغار 83 خليفة). وبعد الاستماع إلى المشكلة والمتنازعين، يحل الإشكال بالحكم على المعتدي بضيافة عدد محدد من الناس عنده كنوع من رجوع الشخص للقبيلة بأكملها، وعن عدد الناس الذي على المعتدي أن يستضيفهم يقول "أمغار" إنه "حسب درجة الاعتداء لكنه في المجمل يتراوح بين عشرين إلى مائة ضيف".

من جهته، يقول باحث العلوم الاجتماعية، في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، موليم العروسي، في قراءته لشخصية "أمغار" ومنظومته التي يستمد منها الشرعية، في تصريح إلى "العربي الجديد"، إن "هذه القبائل عادت بعد حصول المغرب على الاستقلال عام 1962 إلى نظام العرف القانوني من خلال عودة (أمغار) الشيخ ليقود هذه القبائل ويحسم فيها، بشكل علماني لأنه لا دخل للديني فيها".


الحصار أو العقاب الجماعي

"كل قبائل آيت ويرا متفقة على تقاليدنا وأعرافنا إلا أولئك الذين يريدون أكل رزق إخوانهم، فهم ليس منا ولا نحن منهم"؛ بهذه العبارة يشرعن أمغار القبائل أقصى عقوبة تقوم الجماعة باتخاذها ضد المخالف لقوانينها العرفية، بمجرد ثبوت غلط المخالف وخروجه على التقليد القاضي بإطعام عدد من أبناء القبيلة كرمز لعودته عن غيّه، حتى يتم الإعلان عن الحصار عنه وعن أسرته الصغيرة، أي أن لا أحد من أبناء القبيلة يكلمه أو يتعامل معه أو يتاجر معه.

يقول أمغار، إنه "لا أحد منا يكلم الخارج عنا أو يتعامل معه حتى يتواضع للقبيلة ويعود بين يديها"، وعن تضارب الاختصاص بين حكم أمغار وقانون الدولة يعتبر أمغار القبائل "لكل واحد منا اختصاصه، وأنا لا أفصل في المنازعات إلا إذا عرضت علي في المحكمة من خلال إيمور (أي الخليفة)، معلناً أن أزيد من 1160 قضية عرضت علي، وحلت في حينها، فمن يريد تحكيم شرعنا، وحل مشاكله داخل القبيلة له ذلك ومن أراد أن يتجه للمخزن فليذهب".

يعود العروسي، معلقاً على المنظومة العقابية لهذه القبائل الأمازيغية فقال إن "هذا النمط في الاشتغال من خلال الأعراف تتماهى مع المخزن (الدولة) وذلك من خلال الاستعانة بحكماء القبيلة و(الأمغار) في فض النزاعات الناشئة عن الرعي في الأراضي الجماعية"، وفي تعليقه على المنظومة العقابية التي تتجلى في الإطعام والحصار، اعتبر أنها منظومة متنافية مع حقوق الإنسان على الرغم من خضوع الجماعة إليها".

حاول "العربي الجديد" الاتصال بوزير العدل والحريات مصطفى الرميد، لأخذ رأي الدولة على هذه المنظومة العرفية وكيف لها أن تتماهى مع قانون الدولة إلا أنه لم يجيبنا على الرغم من إرسال تساؤلات التحقيق لمستشاره الإعلامي الذي وعد بتقديم رأي الوزير حول الموضوع.

قوانين عرفية تظهر من فعالية تدخل الجماعة وحل نزاعاتها بعيداً عن تدخل الدولة وعلاقات السُلط فيها أو كما أكد الأنثروبولوجي بيار كلاستر، في دراسته لما كان يعرف بـ"المجتمعات البدائية"، معتبراً إياها "مجتمعات ضد الدّولة"، وأن غياب الدّولة عندها "لا يعود إلى نقص فيها أو لأنّها تمثّل طفولة البشريّة أو بسبب عدم اكتمالها، أو لأنّها ليست مجتمعات كبيرة الحجم أو غير راشدة"، بل لأنّها "تحديداً ترفض الدّولة في مفهومها الواسع، أي الدّولة المعرَّفة في أدنى صورها بأنّها علاقة سلطة".