باكستان تخشى الضربات الأميركية: نهاية "الملاذ الآمن" لقادة طالبان؟

02 سبتمبر 2017
الصورة
غضب شعبي وسياسي بباكستان من التهديدات الأميركية(آصف حسن/فرانس برس)
يبدو أن العلاقات الباكستانية الأميركية ستدخل مرحلة جديدة من التوتر بعد الإعلان عن الاستراتيجية الأميركية الجديدة حيال أفغانستان، التي تتعامل مع باكستان كبلد يأوي "جماعات مسلحة" تحارب ضد القوات الأميركية في أفغانستان. ويخشى الباكستانيون من تنفيذ الأميركيين ضربات عسكرية تستهدف قيادات حركة "طالبان" داخل الأراضي الباكستانية، وهو ما لم يستبعده قائد القوات الأميركية في أفغانستان، الجنرال جون نيكولسن، حين أعلن منذ فترة، أن قادة "طالبان" يعيشون في مدينتي كويتا وبشاور في باكستان، وأن الولايات المتحدة ستستخدم كل السبل للتعامل معهم.

وأثارت تصريحات الجنرال الأميركي حفيظة الباكستانيين بشدة. وأعلن رئيس الوزراء الباكستاني، شاهد خان قان عباسي، أن القوات الأميركية يبدو أنها تسعى لجعل باكستان ميداناً للحرب وتنقل الحرب من أفغانستان إليها، مشيراً إلى أن بلاده تدرك ذلك جيداً ولن تسمح لأحد بأن يتلاعب بسيادتها، وفق تعبيره. ولم يكن عباسي الوحيد الذي طرح مسألة التدخل الأميركي المباشر ضد "طالبان" على الطرف الثاني من الحدود الأفغانية. وهذا الموقف يتبناه عدد كبير من الساسة والوزراء، ودارت بشأنه نقاشات طويلة في وسائل الإعلام. ورفض وزير الداخلية، أحسن إقبال، الحديث عن وجود قيادات "طالبان" في باكستان. وقال إن الحركة تستولي على 40 في المائة من الأراضي الأفغانية، بالتالي قيادة الحركة ليست بحاجة إلى الإيواء خارج أفغانستان.

واستحوذ احتمال التدخل الأميركي المباشر للقضاء على مراكز "طالبان" داخل الأراضي الباكستانية، على اهتمام واسع من قبل وسائل الإعلام الباكستانية. وعكست النقاشات في الآونة الأخيرة أن هناك استعداداً باكستانياً للتنازل عن المساعدات الأميركية، مقابل رفض قاطع لفكرة التعاون مع واشنطن بشأن استراتيجيتها الجديدة ضد "طالبان".

واعتبر الدبلوماسي والمحلل السياسي، أياز وزير، أن واشنطن "لا ترتكب مثل هذا الخطأ الفادح، ولا تقوم بنقل الحرب من أفغانستان إلى باكستان باستهداف المسلحين على الأراضي الباكستانية"، لافتاً إلى أن حل المعضلة يشترط التعاون الباكستاني، وهو الأمر الذي لا يتحقق إلا من خلال احترام السيادة الباكستانية والاعتراف بالجهود التي بذلتها باكستان طيلة السنوات الماضية في مواجهة الإرهاب، بحسب قوله.

واعتذرت باكستان عن استقبال القائمة بأعمال مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون جنوب ووسط آسيا، أليس ويلز، بذريعة أن القيادة الباكستانية "منشغلة هذه الأيام"، وهو ما يشير إلى مدى امتعاض باكستان من الاستراتيجية الأميركية. وتخشى إسلام أباد من تعريضها لموقفٍ حرجٍ إذا ما بدأت القوات الأميركية بإطلاق عمليات داخل الأراضي الباكستانية، على غرار عملية تصفية زعيم تنظيم "القاعدة"، أسامة بن لادن، في مدينة أيبت أباد، في مايو/ أيار عام 2011.


والسؤال الأبرز يتمثل في معرفة ماذا ستكون ردة فعل باكستان إذا شنت القوات الأميركية عمليات داخل أراضيها؟ وثمة من يقول إن حركة "طالبان" ستكون الخاسر الأكبر، لأنه من غير المتوقع أن تدخل باكستان في مواجهة مع أميركا، ما يعني أنها قد تضحي بالحركة وبقياداتها إذا تزايدت الضغوط على الحكومة الباكستانية، كما حدث عام 2001، حين سلمت الكثير من قيادات "طالبان" إلى واشنطن، وكان من بينهم سفير "حكومة طالبان" الذي كان معتمداً لدى إسلام أباد آنذاك، الملا عبد السلام ضعيف، والذي عاش سنوات عدة في سجن غوانتنامو.

وانطلاقاً من ذلك، يخشى قادة "طالبان" على أنفسهم، لذلك بدأ البعض منهم يتوجهون إلى أفغانستان خلال الأيام القليلة الماضية. وأكد مصدر عسكري أفغاني أن قادة بارزين في الحركة جاؤوا إلى مدينة قندهار مع أسرهم، بعدما عاشوا لسنوات في باكستان، ومنهم القيادي البارز في الحركة، الملا لطف الله آغا، الذي شغل منصب نائب وزير الدفاع في حكومة "طالبان" قبل عام 2001، وعدد من القياديين البارزين في الحركة، وأعضاء من أسرة مؤسس الحركة الملا عمر. ويتوقع الجيش الأفغاني عودة قادة آخرين في الحركة إلى البلاد خلال الأيام المقبلة، خوفاً من رضوخ باكستان للضغوط الأميركية والتضحية بهم، ومن احتمال استهداف القوات الأميركية لهم داخل الأراضي الباكستانية.

وفي هذا السياق، يبدو أن الملا عبدالسلام ضعيف، بات يقبل عودة قيادات "طالبان" إلى قندهار. وشدد في تصريحات له أخيراً، على أن تلك العودة ستكون فرصة قوية لإنجاح عملية المصالحة الأفغانية. وقال إن الاستراتيجية الأميركية الجديدة قد تؤدي إلى استمرار دوامة الحرب في أفغانستان، لكن عودة قيادات "طالبان" ستساهم في إنجاح عملية المصالحة، شريطة أن تكون لدى الأطراف المعنية نية صادقة، بحسب تعبيره.

وكشفت مصادر في حكومة كابول عن أن رئيس الاستخبارات الأفغانية، معصوم ستانكزاي، يتحدث بشكل يومي عبر الهاتف مع قيادات "طالبان" في باكستان وقطر، وأن الحديث يتمحور حول عملية المصالحة. وأضافت المصادر أن قيادات الحركة قدمت شروطاً جديدة للمصالحة بعدما أبدت استعدادها لأول مرة، لقبول دستور البلاد والعودة إلى المسار السياسي. ومن أبرز شروطها الجديدة تشكيل حكومة مؤقتة ومحاكمة الجناة في الحرب المستمرة منذ 2001.

ولا تشكل الخشية من استهداف قادة "طالبان" داخل الأراضي الباكستانية، السبب الوحيد وراء عودتهم إلى أفغانستان. فهناك سبب آخر يرتبط بالخلاف المتزايد بين "طالبان" وباكستان. ويخشى قادة الحركة من سعي الأخيرة لإبراز وتقوية التنظيم المعروف باسم "شبكة حقاني"، على حساب "طالبان". ويبدو أن دوافع باكستان لإضعاف الأخيرة تتعلق بانزعاجها من تقارب الحركة مع كل من إيران وروسيا. ورأى قادة في الحركة أنه في هذا السياق قتل زعيمها السابق، الملا أختر منصور، وأن باكستان كانت شريكة في قتله في مايو/ أيار عام 2016، بغارة أميركية.

ويخشى قادة "طالبان" من سعي باكستان لاضمحلال قوة حركتهم لمصلحة "شبكة حقاني"، وهو ما يشير إليه المؤتمر الصحافي لبعض علماء باكستان الأسبوع الماضي. وركّز السياسي البارز، عالم الدين، سميع الحق، المعروف بـ"أب طالبان"، حديثه على "شبكة حقاني"، وقال إن باكستان لن تعمل بأية حال ضد هذه "الشبكة" التي تدافع عن سيادة أفغانستان، على حد قوله، ولم يأت على ذكر "طالبان". من هنا يخشى قادة الأخيرة من أن باكستان إذا تزايدت عليها الضغوطات الأميركية، فإنها قد تستجيب وتضحي بها، لتحل "شبكة حقاني" مكانها. لذلك، يفضل بعض قادتها العودة إلى أفغانستان وآخرون الحوار مع الحكومة الأفغانية.