باحثون أجانب: الأمن المصري يطاردنا كأننا جواسيس

باحثون أجانب: الأمن المصري يطاردنا كأننا جواسيس

11 ابريل 2016
الصورة
(العربي الجديد)
+ الخط -
ناقشت مؤسسة حرية الفكر والتعبير- منظمة مجتمع مدني مصرية- ظاهرة ملاحقة اﻷجهزة الأمنية الباحثين الأجانب في مصر، على خلفية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، في تقرير مطول لها بعنوان "مشتبه بهم".


وقالت المؤسسة في تقريرها الصادر اليوم، إنه "منذ اللحظة الأولى للعثور على جثة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، ثارت الشكوك حول تورط أجهزة اﻷمن المصرية في اختطافه وتعذيبه وقتله. وجاءت هذه الشكوك على خلفية انتقادات واسعة لتعامل اﻷجهزة اﻷمنية مع المواطنين، وانتهاكات حقوق الإنسان التي سجلتها المنظمات الحقوقية وتناولتها وسائل الإعلام وشهدتها ساحات القضاء المصري".

ورأت المؤسسة أنه "أيّا كانت الحقيقة حول قضية مقتل ريجيني، تبقى هناك حالات أخرى، تلقي الضوء على ملف الطلاب والباحثين الأجانب، وتطرح الكثير من الأسئلة حول علاقة أجهزة الأمن به. فكيف تتعامل الأجهزة الأمنية قبل ذلك مع عمل الباحثين الأجانب في مصر؟ وما طبيعة التضييقات التي تعرضوا لها؟ وهل تضع الأجهزة الأمنية الباحثين الأجانب في دوائر الاشتباه؟ ولماذا لا تفصح جهات بحثية وأكاديمية عن معلومات متعلقة بملاحقة الباحثين الأجانب؟ وهل من الممكن أن تفضّل دوائر دبلوماسية غربية التعتيم على حالات أخرى لباحثين أجانب تعرضوا لانتهاكات؟".

وتوجهت المؤسسة الحقوقية بنداء إلى كافة الهيئات البحثية والأكاديمية، وكل الباحثين والطلاب الأجانب، لإعلان شهاداتهم والمعلومات التي بحوزتهم عن شكل وطبيعة التضييقات الأمنية التي تعرضوا لها، مما قد يسهم في تعزيز الحماية للباحثين الأجانب أثناء عملهم في مصر.

وقال أحد العاملين بمؤسسة بحثية أوروبية تعمل بمصر– فضل عدم الكشف عن هويته– للمؤسسة، إن "هناك تضييقا يواجه الباحثين الأجانب دومًا خلال سعيهم لإجراء أبحاث في مصر، بدءًا من الحصول على تأشيرات ﻷغراض البحث العلمي، إذ تمتنع السفارات المصرية في أوروبا غالبا عن منح تأشيرات للباحثين بغرض إجراء أبحاثهم، ما يضطر الباحثين إلى الحصول على تأشيرة سياحية ليتمكنوا من الدخول وإجراء اﻷبحاث".

وأضاف "لا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد الباحثين الذين يأتون إلى مصر بشكل فردي لاستكمال أبحاثهم الدراسية، ولكنهم على أي حال أكثر من الباحثين المسجلين في برامج مشتركة أو اتفاقيات مع الجامعات المصرية. وفي حال إقامة الفعاليات العلمية التي يدعى إليها باحثون عرب، كثيرا ما ترفض السلطات المصرية منح تأشيرات الدخول لهؤلاء الباحثين، وفي بعض الأحيان ترفض السلطات المصرية منح التأشيرة لطلاب عرب قادمين للدراسة في برامج مشتركة بين الجامعات المصرية والأوروبية".

وقال أستاذ في إحدى الجامعات الأوروبية– فضّل عدم الكشف عن هويته– للمؤسسة، إنه "عادة ما يحصل الباحثون على التأشيرة السياحية قبل زيارة مصر، وإذا كان لديهم تسجيل في جامعات بمصر، فإنهم يجددون إقامتهم داخل مصر بغرض الدراسة، أما باحثو الماجستير والدكتوراه غير المسجلين في جامعات بمصر، فيقضون الفترة المخصصة لتأشيرة السياحة فقط".

ويضيف "الحصول على تأشيرة سياحية من المطارات المصرية أكثر سهولة، وهو ما يجعل الطلاب يقبلون على هذا النوع من التأشيرات".


وأكدت "حرية الفكر والتعبير": "يبدو أن هناك رغبة لدى عدد من الجهات البحثية ودوائر دبلوماسية غربية في عدم اﻹفصاح عن معلومات تفيد في معرفة حجم التضييقات والملاحقات الأمنية للباحثين الأجانب. وأنه من ضمن دائرة ضيقة من الحالات التي توصلت إليها المؤسسة، قررت الباحثة الفرنسية، فاني أوييه، أن تسرد شهادتها كاملة، عما تعرضت له في مصر من قبل أجهزة الأمن المصرية. كان ذلك قبل 7 أشهر من مقتل جوليو ريجيني".

وجاء في شهادة الباحثة الفرنسية: "كانت فاني أوييه طالبة ماجستير في كلية دراسات العلوم الاجتماعية المتقدمة (EHESS)، وهي كلية مرموقة في فرنسا، وفي إطار عملها على الحصول على الدرجة الأكاديمية، اختارت أوييه كتابة بحث لتحليل أنماط النشاط السياسي للشباب في مصر بعد أحداث 30 يونيو/حزيران 2013. قضت فترة في مصر عملت خلالها بالصحافة من خلال موقعي (ديلي نيوز إيجيبت) و(حقوق)، وامتدت فترة وجودها في مصر من سبتمبر/أيلول 2012 وحتى يوليو/تموز 2013. لذلك اختارت مصر موضوعا لأحد أبحاثها للحصول على درجة الماجستير، وأتت إلى القاهرة مرة أخرى في 14 مايو/أيار 2015".


وفي شهادتها لمؤسسة حرية الفكر والتعبير، تروي فاني أوييه ملابسات القبض عليها من قبل الأجهزة الأمنية في مدينة دمياط وترحيلها من مصر إلى فرنسا. تقول فاني أوييه "في البدء جئت إلى مصر لإعداد بحث قصير ضمن إطار دراستي، كنت أعتقد أن الأمر بسيط ولن يترتب عليه متاعب، لم أكن أنوي الكتابة الصحافية عما يحدث في مصر آنذاك".

وتضيف أوييه: "جئت إلى مصر بتأشيرة سياحية، لم أكن أود لفت الانتباه إلى الموضوع الذي سأعمل عليه تجنبا لحدوث متاعب من قبل السلطات المصرية، وكنت أعتقد أن التعامل مع الباحثين سيكون مختلفا عما يحدث مع الصحافيين. الصحافيون الأجانب يتعرضون لتضييق في مصر، ولكن لماذا قد تهتم السلطات المصرية بالعمل البحثي الذي لا يتم نشره أو تداول أخبار بشأنه، حينها كنت أعلم أن كثيرًا من الباحثين يأتون إلى مصر بتأشيرة سياحية ويعملون على أبحاثهم في هدوء".


وتقول "لقد كان الأمر عفويا، أردت أن أتعرف إلى نشاط الشباب خارج القاهرة، وذهبت إلى دمياط لأنها مدينة صغيرة في الدلتا، وبالطبع سأتعرف إلى الفروق بين العمل السياسي في مدينة كبيرة كالقاهرة، والمدن الأخرى الصغيرة. لقد توخيت الحذر واخترت أن أتواصل مع دوائر يعرفها أصدقاء لي".

وعن التحقيق معها، تقول فاني أوييه "بدأوا يسألونني: هل أنت صحافية؟ ورأوا بعض العمل الصحافي الذي قمت به في تونس على حاسبي الشخصي. وسألوني: هل تقومين بكتابة شيء عن مصر في الصحافة؟ لم أخبرهم بشيء على الإطلاق، ولم أشأ التحدث عن البحث الذي قمت به، حتى لا أسبب متاعب لآخرين من نشطاء حركة 6 إبريل. قلت لهم إنني فقط سائحة، وعندها سألوني لماذا أتيت إذاً إلى دمياط؟ وأجبتهم أنه لم تسبق لي زيارة المدينة، وأتيت فقط لزيارة مكان جديد. لم يستغرق التحقيق أكثر من ساعة على ما أعتقد وأغلب الوقت كانوا مهتمين بفحص الحاسب الشخصي. نمت قليلا في القسم. وفي الصباح أتوا بسيارة لكي نغادر إلى القاهرة، كان بصحبتي سبعة من رجال الأمن والجيش. كنت أسألهم من حين لآخر: لماذا ألقيتم القبض عليّ، وكانوا يجيبون هذا فقط من أجل سلامتك الشخصية".

وبعد وصولهم إلى القاهرة، تتابع أوييه: "ذهبوا بي إلى مجمع التحرير، وقاموا بإلغاء تأشيرة دخولي مصر، خشيت أن أتحدث معهم بالعربية، حتى لا يعتقدوا أني (جاسوسة). في ذلك الوقت كان صديقي الذي كان موجودا في الفندق قد أبلغ السفارة الفرنسية، واتصل ببعض الأصدقاء. السفارة بلغها خبر القبض علي،ّ ربما بعد حدوثه بساعة واحدة فقط. سمحوا لي بالتحدث في الهاتف إلى أحد العاملين بالسفارة الفرنسية، أخبرني أن السلطات المصرية تريدني أن أغادر مصر خلال 24 ساعة، وإن لم يكن معي المال الكافي لحجز تذكرة طيران فورا، سيبقون عليّ تحت الاحتجاز في القسم، وهذا أمر يجب تجنبه".

وتضيف "كانت معي أموال كافية، وذهبنا لإحدى شركات حجز الطيران في التحرير، وكان رجال الأمن الذين رافقوني من دمياط لا يزالون معي. حجزت التذكرة ومن ثم ذهبنا إلى مطار القاهرة، كانوا ودودين معي، لقد بقينا معا لساعات، وكنت أخشى أن يتعرضوا لي بأذى رغم ذلك. أعطوني هاتفي قبل الوصول للمطار، وتمكنت من الحديث إلى بعض الأصدقاء. هناك بقيت في منطقة الترحيل، وقضيت ليلتي هناك، قبل أن أغادر إلى فرنسا في التاسعة صباح يوم 3 يوليو/تموز 2015".

وتشير شهادة أوييه إلى تنصل سفارة بلادها من الدفاع عن حقها في البحث العلمي، ويتفق ذلك مع معلومات حصلت عليها مؤسسة حرية الفكر والتعبير من أحد الباحثين– فضل عدم الكشف عن هويته– عن إبلاغ سفارة دولة أوروبية للباحثين أنها لا تتحمل عواقب عملهم البحثي طالما أنهم جاءوا بتأشيرة سياحية، وفي حال واجهوا مشكلات مع السلطات الأمنية في مصر، فهذا أمر يعود لهم، فقط ستعمل السفارة على نقل تحذيرات لهم حال وجود تهديدات أو وضع خطير في البلاد.

و"ربما أدت هذه الحالة من التعتيم إلى تركز أغلب التحذيرات الأكاديمية بعد مقتل جوليو ريجيني على الحادثة التي تعرض لها ريجيني، من دون التطرق لحالات أخرى لباحثين أجانب تعقبتهم أجهزة الأمن المصرية وقامت بالتضييق عليهم"، بحسب التقرير.

المساهمون