بؤس لا يخص الفلبين وذكورية روسية وهطل مكسيكي

23 مارس 2020
ـ "وماذا تفعل إذا كنت غير قادر على غسل يديك؟"، سؤال طرحه الكاتب والأكاديمي الفلبيني سايليتو هابيتو في مقال له في صحيفة (إنكوايرير) اليومية الفلبينية، متحدثاً عن مأساة افتقار ملايين المواطنين الفلبينيين إلى وجود المرافق الصحية التي تمكنهم من غسيل إيديهم لمقاومة فيروس الكورونا، ففي حين يمتلك تسعة من كل عشرة فلبينيين هاتفاً محمولاً، يوجد بينهم من ثلاثة إلى أربعة فقط يمتلكون حماماً صحياً خاصاً بهم، وترتفع هذه النسبة بين الأفقر من مواطني الفلبين، الذين لا يجدون وسيلة صحية لتصريف فضلاتهم، حيث يقوم حوالي 6 مليون فلبيني بتصريف فضلاتهم في الحقول والمجاري المائية، وهو ما يهدد بزيادة انتشار فيروس كورونا المستجد، الذي ثبت أنه ينتقل أيضاً عبر لمس الفضلات، وليس فقط بلمس الرذاذ الموجود على الأسطح، مما يجعل مسألة وجود دورات مياه نظيفة أمراً يجب أن يهتم به كل فلبيني أياً كان وضعه الاقتصادي، لأن البلاد بأكملها ستصير عرضة للعدوى والأمراض.

يضيف الكاتب المتخصص في الشؤون الاقتصادية في مقاله الذي نقلته مجلة (ذي ويك) الأميركية أن الحكومة الفلبينية حاولت قبل سنوات حل هذه الأزمة بتوزيع مراحيض وكراسي تواليت على المواطنين الفقراء، بشرط أن يقوموا بحفر خزانات تستقبل فضلاتهم، ثم يقوموا بتفريغها بعد ذلك، بدلاً من أن تقوم بعمل نظام صرف صحي يحل المشكلة بشكل جذري، فكانت النتيجة أن قام كثير من المواطنين بتحويل التواليتات التي استلموها إلى ديكور منزلي لتجميل البيوت، بل وقام بعضهم بتعليقها على الحوائط كـ "فازات" يتم تزيينها بالورود، ليكتشف مسئولو منظمة ماء مانيلا التي قامت بتوزيع التواليتات، أن استخدام المواطنين لها يستوجب أن يتم توعيتهم بأضرار التلوث على أطفالهم، وبطريقة تركيبها وأن يتم الإشراف على تركيب التواليتات وحفر الخزانات التي ستتلقى ما يأتي منها، واصفاً ذلك بالمهمة التي لا تقبل التأجيل حرصاً على صحة الفلبينيين جميعاً أياً كان وضعهم الاقتصادي.

إذا كنت تعتقد أن هذه الأزمة فلبينية فقط فأنت مخطئ، لأن حوالي 40 في المائة من سكان العالم لا يمكنهم الحصول على فرصة غسل أيديهم بانتظام طبقاً لتصريحات أدلى بها سام غودفري المسؤول عن الموارد المائية لجنوب وشرق أفريقيا في منظمة اليونسيف، والذي قال أن 63 في المائة من سكان المدن الأفريقية جنوب الصحراء وعددهم يصل إلى 258 مليون نسمة ليس لديهم فرصة غسل أيديهم بانتظام، وأن النسبة تصل إلى 22 في المائة في وسط وجنوب آسيا أي ما يقرب من 153 مليون مواطن، وهو ما يجعل تفشي الفيروس بين هؤلاء وضعاً كارثياً لا يستطيع أحد تصور تبعاته، ولا يملك الإنسان في مواجهة تداعي أفكاره وخيالاته في هذه المنطقة المرعبة، إلا دعاء الأجداد الشهير "يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف".


...

ـ لم أكن أعرف أن المرأة الروسية ظلت ممنوعة لسنوات طويلة من العمل كمهندسة قطارات، إلا حين قرأت مقالاً نشرته صحيفة (موسكو تايمز) قالت كاتبته سامانثا بيركهيد إن المرأة الروسية سيصبح من حقها قريباً العمل كمهندسة قطارات، وهو ما كان ممنوعاً منذ عام 1974، حين صدرت قرارات بمنع المرأة من العمل في 456 وظيفة تم اعتبارها خطيرة أو مجهدة أو غير مناسبة للمرأة، فلم تعد النساء يصلحن للعمل كميكانيكيات طيران أو قائدات شاحنات أو مهندسات قطارات، وبرغم سقوط الاتحاد السوفيتي قبل عقود، إلا أن هذه القواعد بقيت حية من ميراثه الذي اعتبر أن منع النساء من هذه الوظائف يهدف لحمايتهن من خطورة تلك الوظائف، ليتم الحفاظ على قابليتهن لتربية الأطفال بشكل له أهمية فائقة في الحفاظ على الدولة الشيوعية، طبقاً لأدبيات تلك المرحلة.

لإسقاط هذه القوانين تطلب الأمر دعوى قضائية من سيدة اسمها سفيتلانا ميدفيديفا كان من أحلامها أن تكون قائدة مركب نهري، وبرغم دراستها واستعدادها لأداء تلك المهنة، لم يكن مسموحاً لها بأن تمارسها قانوناً، ولذلك رفعت دعوى قضائية على وزارة العمل الروسية، وبعد أن كسبت دعواها القضائية، قامت الوزارة بحذف معظم الوظائف التي كانت ممنوعة على النساء من قوائم محظوراتها الرسمية، لتكون متاحة بشكل رسمي للنساء من يناير القادم، في الوقت نفسه لا زالت مائة وظيفة تقريباً على قائمة الممنوعات النسائية، من بينها العمل في المناجم وإطفاء الحرائق واللحام، والتي ستظل حكراً على الرجال الروس.

ترى الكاتبة أن هذه الأرقام لا يمكن فصلها عن السيطرة الرجالية على قوة العمل في روسيا، فحوالي 15 في المائة فقط من عضوات المجالس التشريعية الروسية من النساء، وهناك ثلاثة نساء فقط من أعضاء مجلس الوزراء البالغ عددهم 31 وزيراً، ولذلك لم يكن غريباً أن يتأخر تنفيذ الحكم القضائي الذي حصلت عليه سفيتلانا في عام 2017، لتستمر في العمل في شركة شحن ويتأخر تحقيقها لحلمها، ويتطلب الأمر ثلاث سنين من المماطلات الحكومية لكي يتم تعديل القوانين، وهو ما اعتبرته سفيتلانا تعبيراً عن عدم رغبة الحكومة الروسية في التعامل مع النساء بوصفهن مساويات للرجال، أو على حد تعبيرها "لأن حكامنا يعتبرون النساء حاضنات ومرضعات في المقام الأول".

...

ـ من أخبار فيروس كورونا في الولايات المتحدة خبران خارجان عن السياق المألوف، الأول من ولاية نيفادا التي تشهد إقبالاً على خدمات عاملات الجنس وهو الاسم الرسمي لهن في الولاية التي تعمل بائعات الهوى فيها بشكل شرعي، وطبقاً لتصريح إحداهن واسمها روكسان برايس البالغة من العمر خمسة وعشرين عاماً، فإن الخوف من فيروس كورونا ساهم في تذكير الناس بأن الحياة قصيرة، ولذلك أصبحوا حريصين على تحقيق أحلامهم الجنسية المكبوتة عاجلاً لا آجلاً. الخبر الثاني من ولاية أوريجون التي ناشدت شرطتها المواطنين بألا يتصلوا بخدمة 911 المخصصة لاتصالات الطوارئ لكي يطلبوا ورق تواليت بعد أن ينفد في حماماتهم، إدارة البوليس في مدينة نيوبورت حذرت المواطنين في بيان رسمي على صفحتها في الفيس بوك من تكرار ذلك الفعل، لكنها في خطوة تثقيفية قامت بتذكير المواطنين بأن التاريخ يعرض حلولاً بديلة في حالات الطوارئ، فأبناء حضارة المايا كانوا يلجئون إلى أكواز الذرة لتساعدهم على تطهير أنفسهم من الفضلات، وهو حل أسهل من حل لجأ إليه بعض البحارة، الذين كانوا يستخدمون الحبال القديمة والمنقوعة في الماء المالح. وفي اليوم التالي وجدت أن اقتراح شرطة أوريجون انتقل من شمال غرب البلاد حيث تقع الولاية إلى جنوبها، حيث قام مايك هاكابي حاكم ولاية أركنساس السابق بتذكير مواطني ولايته وأبناء الجنوب الأمريكي بتراث أجدادهم الذين يعرفون أهمية أكواز الذرة في مسح المؤخرات كبديل عن أوراق التواليت، ليناله من السخرية نصيب أكبر بكثير مما نال شرطة مدينة نيوبورت. وإن كنت أظن أن مثل هذا النوع من الاقتراحات لن يصمد طويلاً، لأن الأمريكان كما يبدو من خلال العديد من الفيديوهات التي سرى ذكرها في السوشيال ميديا على وشك أن يكتشفوا متأخراً أهمية الشطاف في حل مشكلة المؤخرات.

...

ـ من أغرب ما صادفني من أخبار الهطل مؤخراً خبر عن إصابة حوالي 43 مواطن مكسيكي في فعاليات مهرجان يحمل عنواناً شديد الغرابة "مهرجان المطارق المتفجرة"، والذي يقام منذ حوالي 300 عام في مدينة سان خوان دي لا فيجا، ويحتفل فيه أهالي المدينة بذكرى قديس اسمه سان جوانيتو، يمكن وصفه بأنه قديس من طراز روبن هود أو اللص الشريف نصير الفقراء، وبدلاً من أن يحيي المترددون على المهرجان ذكرى قديسهم مثلاً بإجبار الأغنياء على التضامن مع الفقراء، يقومون باستخدام مرزبات أو مطارق يوضع في أطرافها خليط من الكبريت ومساحيق الكلور، ثم يتم ضرب قضبان معدنية بتلك المرزبّات والمطارق، لينتج عن ذلك انفجارات يؤدي بعضها إلى الإطاحة بالمرزبات والمطارق في الهواء لتستقر على رؤوس وأجساد أصحاب النصيب، وبرغم المآسي التي تنتج عن ذلك الاحتفال كل عام، فإن أهالي المدينة لا يفكرون في التخلي عنه، إكراماً لقديسهم وفخر مدينتهم.

لكن ذلك الهطل على كل عبثيته ودمويته أرحم مائة مرة من الهطل الذي يمارسه حتى الآن الرئيس المسكسيكي أندريس مانويل أوبرادور الذي لا يزال حتى الآن يرفض التعامل بجدية مع انتشار فيروس كورونا في المكسيك، برغم تسجيل 53 حالة إصابة على الأقل في البلاد، ومع ذلك فهو يرفض فرض قيود على حركة الطيران من وإلى المكسيك، ولم يقم باتخاذ أي من قرارات الحجر الصحي التي اتخذتها دول أخرى لتقييد انتشار الفيروس، ولا زال مستمراً في عقد اللقاءات الجماهيرية الحاشدة، وقام بنشر فيديو يظهر فيه الأسبوع الماضي وهو يقبل ويتحضن ويصافح مؤيديه في جولة جماهيرية قام بها في ولاية جويريرو، قائلاً في خطابه: "إذا أتيت إلى هنا وأنا أرتدي كمامة، إذا فعل الرئيس ذلك، فما الذي سيفعله المواطنون في ظروف عصيبة كهذه"، واصفاً ما فعله بأنه كان مهماً لرفع معنويات الناس.

المشكلة أن موسم الربيع وعيد الفصح هي مواسم رئيسية في حركة السياحة في المكسيك، واستمرار تدفق السياح على المكسيك دون أي قيود يهدد بحدوث كارثة صحية، خصوصاً مع استمرار الحفلات الموسيقية التي يشارك فيها الآلاف والتي لا زالت تعقد في مدينة المكسيك حتى الآن، كفانا الله وكفاكم شر الهطل بكل جنسياته ودياناته.
تعليق: