انهيار الجيوش ومستقبل الشعوب

23 ابريل 2020
الصورة
مرّ نحو خمسة أشهر على ظهور فيروس كورونا الجديد، وتحول الأمر إلى جائحةٍ تضرب البشرية. إلا أن العالم كله لم يتوصل بعد إلى لقاح، أو مصل، يقي من الفيروس، أو إلى عقار للعلاج الناجع منه. ولم يجد العلماء في مراكز البحوث ما يقدّمونه للناس، في هذه المرحلة، سوى النصح باتخاذ إجراءات الوقاية، بالتباعد الاجتماعي والعزل والحجْر والتزام المنازل، وما إلى ذلك من الإجراءات الاحترازية، إلى أن يشاء الله، ويوفقهم إلى الوصول إلى لقاح، أو مصل، أو عقار للوقاية والعلاج من ذلك الفيروس.
ما علاقة جائحة كورونا وتلك والجيوش التي انهارت، والشعوب التي تتطلع بقلق إلى مستقبلها؟ في ظل أجواء القلق وحالة العزل التي تعيشها الشعوب، وقايةً من الفيروس اللعين، هناك شعوب في الشرق الأوسط لا تتمكّن حتى من اتخاذ إجراءات الوقاية البسيطة، حيث حالات الحروب والاقتتال الدامي، وانهيار تام لمقومات الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمة تلك المؤسسات الجيوش الوطنية النظامية ومنظومات الرعاية الصحية والاجتماعية.
شعوب ليبيا واليمن وسورية، وهي النماذج الفجّة التي دعت الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غويتريس، إلى توجيه نداء يطلب فيه إنهاء تلك الحروب، حتى تتاح للشعوب فرصة مواجهة جائحة كورونا، ثم ما أُعلن عن نية الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، بعقد اجتماع لبحث سبل إنهاء تلك الحروب المستدامة في الشرق الأوسط. وتعاني دول وشعوب أخرى فى منطقة الشرق الأوسط، بدرجات متفاوتة، من حالات اضطراب وفوضى وصراعات، بل وحصار وإغلاق، مثل العراق والأرض الفلسطينية المحتلة (ومنها قطاع غزة)، وتنعكس تلك الحالات على قدرات الشعوب على مواجهة فيروس كورونا.
ليبيا واليمن وسورية نماذج للدول الفاشلة التي انهارت فيها الجيوش الوطنية النظامية، وانقسمت شعوبها إلى فرق وطوائف وقبائل، وهي النماذج التي تعنيها الدول الخمس دائمة العضوية في 
مجلس الأمن. والدول الخمس هذه، التي تمثل القوى الدولية الرئيسية، في وسعها - لو أرادت - أن توقف تلك الحروب والصراعات وفوراً، عندما توقف إمدادات السلاح والذخائر ووسائل القتال إلى الأطراف المختلفة. وأيضاً، تُمارس ضغوطها على القوى الإقليمية المؤثرة في الصراعات، وهي - بالمناسبة - خمس قوى أيضاً، في مقدمتها قوى فاعلة بشكل مباشر، تركيا وإيران والسعودية والإمارات، وقوة مؤثرة بشكل غير مباشر، هي دولة العدو الإسرائيلي.
خمس قوى دولية كبرى كانت لها مصالح في نشر حالة الفوضى والاضطراب في قلب منطقة الشرق الأوسط، وكان لها ما أرادت، وكانت البداية في دفع الجيوش الوطنية إلى الانهيار، كما حدث في سورية، حيث انقسم الجيش إلى جيش خاضع لنظام بشار الأسد في دمشق وآخر تابع للمعارضة المسلحة وعشرات المليشيات. وفي اليمن، جيش تابع لما تعرف بحكومة الشرعية، وآخر تابع لسلطة الحوثي في صنعاء، ومليشيات متعدّدة في الجنوب والشمال. وفي ليبيا، هناك جيش تابع للجنرال المتقاعد خليفة حفتر في الشرق، وآخر تابع لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها في العاصمة طرابلس، وعشرات المليشيات والمرتزقة.
تتقاتل كل تلك الجيوش والمليشيات بسلاح تنتجه القوى الدولية الخمس، بدعم مباشر وغير مباشر من القوى الإقليمية الخمس. والسؤال الأكثر أهمية، بعيداً عن جائحة كورونا، وادعاء أن السعي إلى وضع حد لحروب الشرق الاوسط هو بدافع إنساني، لإتاحة الفرصة أمام شعوب تلك المنطقة لمواجهة الفيروس، فالقوى الكبرى لا تحرّكها الدوافع الإنسانية. لماذا، الآن، ترى تلك القوى أن الوقت قد حان لوضع حد لتلك الحروب؟ للإجابة عن ذلك السؤال شديد الأهمية، لا بد من العودة إلى الغرض الأساسي من حالة الفوضى التي دُفعَت المنطقة إليها، وما إذا كان قد تحقق. وبالتالي، لم يعد هناك مبرّر لاستمرار الحرب، خصوصاً مع زيادة تكاليفها، وقصور التمويل بسبب ما يتعرّض له العالم من أزماتٍ اقتصادية بسبب الجائحة.
بنظرة فاحصة على المشهد في المنطقة، يدلّ ما وصلت إليه الأحوال على أن الأغراض تكاد تكون قد تحققت. لم تعد سورية دولة قومية متماسكة، ولن تكون، ولم يعد شعبها متمسكاً بنسيجه المتجانس، بعد التهجير والنزوح والتقسيم والتقطيع. والأهم أنها لم تعد تمثّل خطراً، ولا تهديداً لدولة إسرائيل، بل استسلم النظام، حتى لإعلان السيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة. وفي اليمن، عاد الشمال شمالاً، والجنوب جنوباً. وفي الشمال هناك شمال غربي يحكمه الحوثيون بدعم إيراني، وجنوب تتنازعه قوى الانفصال المدعومة من الإمارات، وأجزاء من الشمال تحكمه قبائل ومليشيات باسم الشرعية، مدعومة من السعودية. والأهم أن اليمن لم يعد قوة 
إقليمية على البحر الأحمر وباب المندب، وفقد أهميته الجيوستراتيجية. وفي ليبيا، ذات السواحل الممتدة إلى أكثر من ألفي كيلومتر على البحر المتوسط، وذات الموقع الجغرافي المهم في مدخل الشمال الأفريقي، والجوار مع دول رئيسية، مثل مصر وتونس والجزائر والسودان وتشاد، تحولت إلى غرب وشرق وجنوب، كما كانت قبل أن تتحد على يد الملك إدريس السنوسي، واشتعلت فيها الحروب والمعارك، وتداخلت فيها المصالح الإقليمية والدولية، ولن تعود ليبيا كما كانت. والعراق سيبقى تتنازعه قوى الانقسام الطائفي والنفوذ الإقليمي والدولي، فلا إيران ستترك العراق، ولا النفوذ الأميركي سيتوقف، ولا الدور التركي سينتهي.
تبقى أمّ القضايا، القضية الفلسطينية، غزة المحاصرة، والضفة الغربية الرهينة، في ظل تواطؤ عربي مخزٍ. وبعد الاتفاق على تشكيل حكومة العدو الإسرائيلى التوافقية، أصبحنا في انتظار الخطوات التنفيذية لاستكمال ما سُميت صفقة القرن، بإعلان ضمّ غور الأردن وشمال البحر الميت، ومناطق المستوطنات إلى دولة الكيان الإسرائيلى رسمياً، وبمباركة إدارة ترامب.
في كل تلك الأجواء، تحاول الدول الخمس الكبرى والأمم المتحدة أن تخرج علينا بوجه إنساني، وتدعو إلى وقف حروب الشرق الأوسط، الحروب التي، في حقيقة الأمر، حققت أهدافها. انهارت الجيوش الوطنية، وتفكّكت الدول القومية، فما هو مستقبل الشعوب؟ هذا ما يجب أن تفكر فيه كل القوى الوطنية، وتستجمع قواها من أجل التطلع إلى بناء مستقبل جديد، على أسس راسخة، فهل تفيق الشعوب؟

تعليق: