انكسار الثورة المضادة في ليبيا

09 يونيو 2020
+ الخط -
تطورات الأوضاع في ليبيا وانكسار الجنرال المتقاعد خليفة حفتر ولجوؤه إلى الجنرال المنقلب في القاهرة عبد الفتاح السيسي تشي بأن آمال وأحلام محور الثورات المضادة بوأد الربيع العربي والتمثيل بجثته بدأت بالتراجع والتلاشي.

فحفتر الذي أعلن في فبراير/ شباط 2014 عملية "الكرامة"، لم يكن إلا حلقة في مسنن، عمل على تنفيذ الجزء المطلوب منه في سياق خطة محور الثورات المضادة الذي انقض في غفلة من الثورة على القاهرة وبطش بأحلام الشباب هناك، هجمة شرسة على مسار التحول الديمقراطي بدأت من تونس، لم تنجح في المحصلة في القضاء على ذلك الحراك، باختصار لأن أسباب الحراك ما زالت قائمة بل وتجذرت.

وسبقت هزيمة حفتر انتكاسة لمحور الثورات المضادة في تونس، والتي جهد ذات المحور فيها خلال الأسابيع الماضية بالعمل لإطاحة رئيس مجلس النواب، واستهداف حالة الوفاق السياسي القائمة هناك، والتي حصنت الساحة السياسة من تكرار سيناريو انقلاب واستئصال على غرار ما جرى في مصر، تلك الضربة والانتكاسة الموجعة في تونس هي الأخرى كفيلة بأن تعطينا مؤشراً آخر على عمق الأزمة التي بات يعيشها ذلك المعسكر.


ولا بد من الغوص في فهم المشهد الذي انتهى إليه الوضع في ليبيا وأبعاده الإقليمية والقوى الفاعلة فيه والمنهزمة بالضرورة مع جنراله المهزوم، فمن هزم في ليبيا ليس حفتر، بل هزمت معه مصر السيسي بسبب ضعف جيشها، الذي حور عقيدته القتالية من الحرفية الحربية إلى عقيدة الانقلابات ولعب دور وظيفي في أجندات إقليمية مشبوهة، كما حول السيسي للأسف عقيدة الضباط من حراس للوطن وحدوده إلى الإشراف على المعكرونة والطماطم والسمك وخطوط إنتاجها، لذلك لم تُهزم عصابات حفتر وحدها هناك، بل هزم سلاح الجو المصري والقوات المصرية الخاصة لأن السيسي جعل من جيش مصر جيشاً لا يصلح إلا للانقلابات، تماما كما فعل القذافي من قبل، إذ حول الجيش الليبي لكتائب قذافية تتمحور مهمتها في قتل الليبيين، وتعكير صفو حياتهم.

هزم في ليبيا كذلك حلف الثورات المضادة مجددا كما هزم في اليمن على يد عصابات مسلحة، فذلك الحلف الذي اعتقد في غفلة من الزمن أن إعلانه الحرب الشاملة على الشعوب باستعمال القوة العسكرية التي يحتكرها، بات يحصد الهزيمة والفشل، لأنه لا يمكن لذلك الحلف أن يخترع نظرية جديدة، فالأقلية "العسكرتارية" لا يمكنها أنه تهزم الأمة.

لا يمكن أن نفهم كل ما قام به خليفة حفتر من دون النظر إلى حلف الداعمين له، فذات من يدعم حفتر هم من دعموا الجنرال السيسي في بطشه بالديمقراطية المصرية، وتجريفها من ثورتها ونخبها، ومن ثم الولوج لاستكمال مسلسل التخريب في سورية بإشعال حرب أهلية وتجريم وتشويه صورة الثوار، ثم تخريب الساحة الليبية ومحاولة فرض جنرال عسكري على مسار سياسي توافقي كان في طريقه للنضوج، جنبا إلى جنب مع تخريب الثورة اليمنية، وقطع الطريق على اتفاق الشراكة الذي انتهي له مؤتمر الحوار الوطني قبل أن يدعم ذات المحور جماعة الحوثي العبثية للانقضاض على العاصمة صنعاء نكاية بخصومها في حزب الإصلاح، وبشباب وشابات الثورة.

وفيما يترنّح حفتر، فإن مرشد الثورات المضادة "دونالد ترامب" الذي وصف السيسي بـ"ديكتاتوريه المفضل" يترنح هو الآخر، تبنّى ذلك الرجل خطابا ومقاربة تشبه إلى حد كبير خطاب ومقاربة دول العالم الثالث، فلولا وجود رئيس أميركي متغطرس وعنصري في البيت الأبيض لما تمادى حفتر وداعموه في حربهم على الشعوب، وتقطيع أحلامهم، ولعل تقطيع الصحافي السعودي جمال خاشجقي في قنصلية بلاده لهو ملخص لشكل العقلية التي تحكم ذلك المحور، في وقت يوجد في البيت الأبيض رئيس يتبنى سياسة المال مقابل المواقف.

باختصار فإن المعركة المحتدمة في العالم العربي منذ قرابة عقد من الزمان يمكن توصيفها بأنها مواجهة بين جماهير عريضة تواقة للديمقراطية والحرية والعدالة، وبين أقلية حاكمة مستبدة حولت الدولة من جهاز لخدمة المجتمع إلى أداة لقمعه.

ما الحل؟
لا حل إلا أن يلتفت الحاكمون في العالم العربي يوما للتجربة العمرية: "عدلت فأمنت فنمت"، فإذا لم يسعوا للعدل لن يناموا أبدا آمنين، فلا يمكن أن يستجلبوا الأمن من الخارج، كما عليهم أن يلتفتوا إلى ما قاله ماركس مبكرا: "لو لم تتحول الدولة من جهاز فوق المجتمع إلى جهاز في خدمة المجتمع فإنها ستزول"، ونحن نقول: فإن هذا الصراع لن ينتهي.