انقلاب السيسي على الزند... لتخفيف الأعباء وحماية شعبية النظام

14 مارس 2016
الصورة
الزند الوزير الوحيد الذي خالف تعليمات السيسي(خالد دسوقي/فرانس برس)
 


لا يمكن الفصل بين تخلّص الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من وزير العدل أحمد الزند، وتحركات واسعة تجريها الدائرة الاستخباراتية الرقابية التي أنشأها السيسي لإدارة المشهد السياسي، للتخفيف من الأعباء التي ورثتها من الأجهزة والدوائر الأمنية والسيادية التي يراد لها حالياً الابتعاد عن المشهد، ولا يمكن فصله كذلك عن إسقاط عضوية النائب توفيق عكاشة وتحريك العديد من القضايا ضده، بعدما ظل سنوات عصياً عن الملاحقة القضائية أو السياسية.

كما لا يمكن تحليل ما حدث في مشهد إقالة الزند بمعزل عن الحملة الإعلامية الشرسة التي تشنّها الصحف المقربة من النظام، على أشخاص كانوا يوصفون سابقاً بأعمدة نظام 30 يونيو/حزيران 2013، وبأنهم لاعبون رئيسيون في إسقاط حكم "الإخوان المسلمين"، مثل الهجوم المتواصل على النائب مرتضى منصور، الذي كان سابقاً يفتخر بعلاقته الوطيدة بالسيسي، وبأن الأخير يتواصل معه شخصياً ويطلب نصائحه.

هذه الأحداث المتعاقبة تكشف "مخطط استبدال" تجريه دائرة السيسي المقربة للتخفيف من الشخصيات التي تفقد النظام شعبيته وتخفض بتصرفاتها رصيده في الشارع، من جهة، ومن جهة أخرى تدفع بدلاً منهم شخصيات جديدة ومسؤولين جدداً إلى مواقع الصدارة والمسؤولية، لإدارة أجهزة الدولة وفق توجيهات السيسي وبما يحقق مصالحه أيضاً.

فما حدث مع الزند دليل واضح على تربص دائرة السيسي به، على الرغم من تلقيه تعهدات سابقة بعدم الإطاحة به في التعديل الوزاري المرتقب، كتعويض له على عدم تعيينه في البرلمان والدفع به رئيساً له، وهو ما يكشف أن الزند تولى منصبه وبقي فيه لمدة 9 شهور تقريباً مدعوماً من دوائر أخرى، ذات ثقل داخل النظام، لكنها في الوقت نفسه على خصومة، أو على الأقل ليست على وفاق مع دائرة السيسي حالياً.

وكان الزند قد بلغ قبل إقالته، من السيطرة والتجبر، أن أصبح الوزير الوحيد الذي يخالف صراحة تعليمات السيسي بعدم الظهور الإعلامي للوزراء، وكان المسؤول الوحيد الذي يفتخر بقدرته على إدخال تعديلات تشريعية في الوقت الذي يريده، فهو مهندس القانون النهائي لمكافحة الإرهاب، والداعم الأبرز للجنة التحفظ على أموال "الإخوان"، والمخطط الوحيد لتشريعات مواجهة التظاهر والتيارات المعارضة، والمسيطر على قرارات نيابة أمن الدولة العليا، والمتحكّم عن بُعد في الجهاز المركزي للمحاسبات بعد تعيين مساعده هشام بدوي نائباً لخصمه هشام جنينة.

ولم تقف أي جهة رسمية في وجه الزند على مدار الشهور الماضية إلا مرتين. الأولى عندما رفض مجلس الدولة تمرير مشروعه لتعديل قانون الإجراءات الجنائية لجواز عدم سماع الشهود، وهو ما أثار حفيظته، وعلى الرغم من ذلك كان يصر على تمرير المشروع ويثق في أن السيسي سيحيله إلى مجلس النواب المقبل. والثانية عندما رفضت الدائرة الاستخباراتية-الرقابية، تعيين مرشحه الشخصي المستشار سري صيام كرئيس لمجلس النواب، وهو ما تم تعويضه له باختيار عدد لا بأس به من مرشحيه الشخصيين ضمن قائمة التعيينات الرئاسية في البرلمان.

اقرأ أيضاً: إقالة وزير العدل المصري الزند بسبب تصريح "حبس النبي"

لم يكن الزند وزيراً عادياً، وكان يعتمد على صورة خيالية مضخمة لدوره رسمها للسيسي وأقنعه بأن القضاء المصري لا يأتمر إلا بأمره، مستخدماً في ذلك أعوانه المنتشرين في كل المحاكم، ومستغلاً منصبه في تعيين مئات القضاة داخل مقر وزارة العدل في مناصب إدارية تغدق عليهم مزيداً من الأموال، ليصبحوا عوناً له وظهراً يحميه في أوقات الشدة، كما كان لتضخيمه المستمر لدوره في محاربة "الإخوان" مفعول السحر على السيسي وإعلامه مما كان سيدعم بقاءه فترة أطول.

وكل هذه السمات تؤكد أن قرار إقالة الزند، على الرغم من أن دائرة السيسي كانت تتربص به، لم يكن سهلاً، بل أنه اتُخذ بهذه الصورة المهينة وعلى هذه الدرجة من السرعة لمنع أي تحرك مناوئ من الدائرة الداعمة للزند، وكذلك من القضاة المؤيدين له والذين هددوا فور إعلان نبأ الإقالة بالعصيان والتصعيد، لكنهم تراجعوا بعد تدخّلات رسمية من مسؤولين كبار، ينتمون لمكتب السيسي نفسه.

ولم يكن السيسي ليقدم على هذا التحرك الخطير الذي يهدد بزعزعة أركان نظامه، إلا إذا كان هناك دافع ضخم لهذا التحرك، وهو في حالة الزند تقرير سري حديث رفعته له دائرته اعتماداً على معلومات استخباراتية، يؤكد أن بقاء الزند سيُضعف شعبية السيسي، وأن تضخّم دائرته الشخصية كدولة داخل الدولة سيجعل من الصعب التعامل معه في المستقبل كوزير أو مسؤول عادي.
هذا التقرير، وبحسب مصادر مطلعة، حذر من استمرار الزند لما بعد العام الحالي، وأوصى بتغيير التعامل معه لفترة انتقالية تمهد لنقل الوزارة إلى شخصية أخرى. وعلى الرغم من استبعاد السيسي شخصياً إجراء تعديل على وزارة العدل قبل بيان الحكومة المقرر نهاية الشهر الحالي، فإنه أمر أجهزته الرقابية بإعداد قائمة من المرشحين لخلافة الزند والتحري عنهم، لتكون جاهزة لأي تعديل وزاري مقبل، نهاية العام الحالي أو العام المقبل.

أما القشة التي قصمت ظهر البعير، فهي الظهور الإعلامي للزند مساء الجمعة في قناة "صدى البلد"، فلم تكن عبارة "أحبس النبي نفسه" التي قالها الوزير المقال هي السقطة الوحيدة له، فقد تفوّه الزند وعلى عكس المتوقع بمعلومات تشير إلى تورط جهاز في وزارة الداخلية في تعذيب وقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، ملمّحاً بعبارات لمقدّم البرنامج حمدي رزق، مثل قوله "المعلومات اللي بتتردد صحيحة، لكني مش هقولها رسمياً عشان اللي بالي بالك ما يستغلوهاش"، قاصداً بذلك جماعة "الإخوان المسلمين" ومعارضي النظام. وبدا كلام الزند عن هذه القضية مغايراً تماماً للسيناريو الذي رسمه السيسي في خطاب له منذ أسبوعين، وهو المقاربة بين قتل الطالب الإيطالي وبين تفجير الطائرة الروسية فوق سيناء، والإشارة إلى أن الحادثين مدبران ومؤامرة للإساءة لمصر.

حديث الزند عن النبي وريجيني كشف إلى أي حد أصبح عصياً على الترويض، مما أغضب السيسي بشدة، لا سيما أنه قد وصلته ملفات كاملة بكل التدوينات التي كتبها رواد مواقع التواصل الاجتماعي ضد الزند والسيسي على خلفية الإساءة للنبي، فاتخذ السيسي القرار الصعب بإقالة الزند. ولم يتسن التأكد من أن الحملة الواسعة على مواقع التواصل الاجتماعي كانت عفوية، أم تدخلت لإشعالها جهات لا ترغب في بقاء الزند.

ومن هذا الاستعراض، يمكن الوصول إلى عدد من النتائج، أولها أن السيسي ما كان ليقيل الزند إلا بعد تربص دائرته الشخصية بالرجل في إطار خطة التخفيف من الأعباء، والنتيجة الثانية أن حديث الزند كله، وليس فقط عبارة النبي، أسرع بالإطاحة به، والنتيجة الثالثة أن السيسي ومقابل هذا التخفيف من الأعباء سيكون لزاماً عليه دفع تكلفة ما في القريب العاجل لتهدئة أنصار الزند وأتباعه في القضاء.

وتكلفة الإطاحة بأحد أعمدة نظام السيسي كبيرة، ومن الطبيعي أن يشهد القضاء تكرار السيناريو الحادث في أجهزة الدولة الأمنية والسيادية بعد التغييرات التي أحدثتها دائرة السيسي على المناصب القيادية والوسيطة، وهو ما أدى إلى تفاقم ظاهرة صراع الأجنحة والدوائر داخل الأجهزة، وليس فقط صراع الأجهزة، مما ترتب عليه سوء تحرك الدولة في العديد من الملفات، وتضارب القرارات، وتناقض المواقف، وآخرها اتهام حركة "حماس" بإيواء وتدريب المتهمين بقتل النائب العام هشام بركات، في الوقت الذي تلتقي فيه قيادات الحركة بقيادات الاستخبارات المصرية.

ويمكن تصوّر الأثر الكبير لقرار الإطاحة بالزند على القضاء باستعراض خريطة وزارة العدل وعلاقتها بالمحاكم والجهات القضائية على مستوى الجمهورية. فالزند وخلال مدة توليه المسؤولية، أعاد هيكلة وزارة العدل بصورة شبه كاملة، فاستحدث العديد من القطاعات والإدارات، وفكك بعضها، وعيّن العشرات من المساعدين والقضاة المنتدبين في الوزارة، وجميعهم باتوا يمثلون مراكز قوى داخل القضاء بواسطة مناصبهم والسلطات الموكلة إليهم، لا سيما المختصين بأبنية المحاكم والطب الشرعي والرعاية الصحية وحقوق الإنسان والكسب غير المشروع والتعاون الدولي.

كما أسند الزند العديد من القضايا المهمة والمتعلقة بوقائع تهم الرأي العام إلى قضاة مقربين منه، وزرع عدداً من أنصاره وأصدقائه في مناصب قانونية كمستشارين منتدبين في وزارات وأجهزة أخرى أبرزها الجهاز المركزي للمحاسبات، كما تم إسناد قضايا الإرهاب في كل محاكم الجمهورية لقضاة معروفين بعلاقتهم الوطيدة به، وتم إبعاد وتنحية مئات القضاة المعروفين بمواقفهم المناوئة له.

وتبدو الفرصة سانحة أمام فلول دائرة الزند للانتقام له، وتأليب الرأي العام على أي وزير يخلفه من دون أن يكون حاصلاً على مباركة الزند نفسه، أو نادي القضاة التابع له على أقل تقدير، وهو ما يهدد بمزيد من الانقسامات في صفوف القضاء المصري خلال الأيام المقبلة، كما يهدد النظام بعودة الروح لتيار الاستقلال القضائي الذي كان الزند يعتقد أنه أجهز عليه بأحكام العزل وقرارات الإبعاد والملاحقة.

اقرأ أيضاً: برلمانيون يرحبون بإقالة الزند.. ويطالبون بتعديل وزاري موسع