انفصال كردستان العراق: خيارات قبرص التركية والسودان واسكتلندا ومونتنيغرو

انفصال كردستان العراق: خيارات قبرص التركية والسودان واسكتلندا ومونتنيغرو

02 ابريل 2017
الصورة
من تظاهرات في أربيل تطالب بانفصال كردستان(صافين حامد/فرانس برس)
+ الخط -
اختار إقليم كردستان، شمال العراق، البدء مبكراً بتنفيذ ما هدد به سابقاً ومفاده أن عملية القضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) ستعقبها تغييرات كثيرة، وأن مرحلة ما بعد "داعش" لن تكون كما قبلها. فالإعلان الرسمي الذي جاء على لسان رئيس وزراء الإقليم نجيرفان البرزاني، قبل أيام، عن أن موعد تنظيم الاستفتاء العام لمواطني الإقليم على الانفصال سيكون قبل نهاية هذا العام، رافقته إجراءات على الأرض، من أبرزها تعزيز التواجد العسكري لقوات البشمركة على الأراضي التي انتزعتها من تنظيم "داعش" وتدّعي أحقيتها بها، أعقبها بأيام رفع علم الإقليم على مدينة كركوك. وسبق ذلك بدء الإقليم بعمليات تودد لدول عدة من بوابة استثمار نفط الإقليم، أبرزها روسيا والصين، التي قد تؤدي دوراً في التأثير على إيران، أشد المعارضين لإقامة دولة كردية على حدودها المضطربة أصلاً بفعل هجمات المعارضين الإيرانيين الأكراد، ومن أبرزهم الحزب "الديمقراطي الكردستاني" الإيراني. هذه الإجراءات تُقرّب الإقليم أكثر نحو خطوة الانفصال، التي تلقى ردود فعل متباينة بين مواطني الإقليم، بين مرحب ومتخوّف من أن الخطوة ستكون بوابة صراعات داخلية جديدة أو اعتداءات إيرانية كبيرة.

تحديات أمام الانفصال
من ناحية واقعية، فإن الإقليم الغارق في ديونه لدول عدة، أبرزها تركيا، بفعل أزمته الاقتصادية، ما زال يفتقر حتى الآن إلى مقوّمات الدولة. كما أن الجانب السياسي المتمثل بحزب "الاتحاد" وحزب "التغيير" المرحبين بإقامة دولة كردية، يرفضان في الوقت نفسه أن يكون رئيس الإقليم الحالي مسعود البرزاني أو أي من أفراد عائلته على رأس الدولة، ما يجعل من طريق مشروع الانفصال غير سهل. ولكن على الرغم من ذلك، فإن أربيل تعوّل على الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى.

وتختلف آراء الأحزاب السياسية الكردية حول الانفصال عن العراق، فأكبر الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، الحزب "الديمقراطي الكردستاني" برئاسة مسعود البرزاني، يتصدّر داعمي مشروع الانفصال ومعه أحزاب سياسية أصغر مثل "الحزب الاشتراكي". بينما تتحفظ أحزاب أخرى لأسباب تتعلق بالتوقيت وتحقيق تفاهم مع العراق وإيران وتركيا حول الموضوع وعدم الذهاب إليه بصورة منفردة، وضمان حل إشكالية المناطق المتنازع عليها لتجنّب أية مخاطر. وبسبب السجال حول الموضوع، أخذت الأحزاب تتبادل الاتهامات بـ"التخاذل" في دعم تأسيس دولة مستقلة، فيما الطرف المقابل يوجّه اتهامات باستغلال الموضوع لأغراض دعائية.
وأكد الناشط القانوني الكردي هوكر جتو، الذي شارك في مراقبة الانتخابات في العراق وفي دول عديدة في العالم، أن "إجراء استفتاء يفضي إلى تأسيس دولة بحاجة إلى تحقيق عملية توافق داخلية في كردستان، ووطنية على المستوى العراقي، وإقليمية مع تركيا وإيران، ودولية مع الدول الكبرى، وإلا فإن الخطوة ستكون محفوفة بالمخاطر". وأضاف جتو، في حديث لـ"العربي الجديد": "إذا كانت نية حكومة إقليم كردستان تنظيم استفتاء بهدف الحصول على وثيقة تثبت أحقية ذهاب سكان كردستان نحو الاستقلال عن العراق بالاعتماد على نتيجة الاستفتاء، فهذا أمر آخر بخلاف أن يكون الهدف تأسيس الدولة". وأوضح أن "الموضوع ليس من نوع تثبيت حالة أمر واقع، كالسيطرة على مكان ثم التفاوض على الانسحاب من عدمه، هذا تعديل للخرائط، وبالتالي فالموضوع له بُعد دولي وتداعيات وتأثيرات داخل وخارج حدود إقليم كردستان". وأشار إلى "تجربة دولة شمال قبرص التي تعترف بها تركيا وخمس دول أخرى فقط، وتعتمد في بقائها في الأساس على الدعم التركي، بينما الجيران لا يعترفون بها وكذلك الدول الكبرى والأمم المتحدة، فهل ستكرر كردستان تلك التجربة؟".

وبالنسبة لموقف السلطات العراقية، أكد مسؤول حكومي رفيع في بغداد، لـ"العربي الجديد"، أن "موقف الحكومة العراقية هو رفض أي خطوة نحو الانفصال"، مشيراً إلى أن "هناك قوى كردية عدة ترفض الانفصال عن العراق، ولا يمكن اختصار صورة الشارع الكردي بحكومة الإقليم أو الحزب الديمقراطي الذي يتزعمه مسعود البرزاني". ولفت المسؤول إلى أن "هناك مساعٍ لتثبيت سيطرة الأكراد على المناطق التي انتزعوها من داعش قبل الذهاب إلى أي خطوة انفصال، لكن نحن نلتزم بمشروع واحد وهو إعادة كل شيء إلى وضعه كما كان قبل العاشر من يونيو/ حزيران 2014 (تاريخ استيلاء داعش على الموصل) تحت حكم السلطة الاتحادية في بغداد، وبعدها سيكون لكل حادث حديث".

ومن المتوقع أن يثير إجراء الاستفتاء على الانفصال القلق لدى السنّة العراقيين بإمكانية أن يُلحق انفصال كردستان الضرر بهم بسبب وجود مناطق متنازع عليها بينهم وبين الأكراد. بدورهم، سيشعر التركمان بالقلق من موقعهم في الدولة الجديدة، وهل سيتم الاعتراف بحقوقهم كاملة. أما إقليمياً، فإيران قلقة ولا تخفي ذلك، كذلك تركيا، والبلدان لن يرحبا بذلك خوفاً من مطالبة مواطنيهم الأكراد بالانفصال.


سيناريوهات الاستفتاء

تبرز سيناريوهات عدة بشأن موضوع الاستفتاء، كأن يذهب الإقليم لبحث الاتفاق بشأن إجرائه مع السلطات الاتحادية العراقية في بغداد لوضع ورقة عمل مشتركة لتنظيمه والنتائج التي ستنجم عنه، عندها سيكتسب صفة الإلزام، ومثل ذلك الاتفاق الذي حصل بين صربيا ومونتنيغرو في عام 2003 يتيح بعد ثلاث سنوات إجراء استفتاء للانفصال، وقد جرى ذلك بصورة فعلية. أما الحالة الثانية فهي سيناريو ما حصل بين السودان وجنوب السودان، اللذين اتفقا على سقف زمني لاستفتاء الانفصال. وعليه، إذا ما اتفق إقليم كردستان مع بغداد على إجراء الاستفتاء، فإنه سيكتسب غطاء قانونياً وأي نتيجة له ستكون ملزمة. أما السيناريو الآخر، فهو تجاهل بغداد، وتحقيق اتفاق داخلي بين الأحزاب السياسية الكردية وإصدار قانون في البرلمان يمكن بواسطته تحديد إلزامية الاستفتاء ووضع خطوات التنفيذ والمرحلة التالية لإجراء الاستفتاء، أو اتخاذ ذلك الاستفتاء كوثيقة تدعم حق تقرير المصير لإقليم كردستان.

وكان رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني، قد دعا في 2 فبراير/ شباط 2016، السلطات المعنية في الإقليم إلى تنظيم استفتاء لآراء السكان لمعرفة موقفهم من الانفصال عن العراق أو البقاء ضمن الدولة العراقية. وقال في بيان أصدره، إن الاستفتاء غير ملزم بالتنفيذ الفوري والالتزام بنتائجه، وسيكون على غرار استفتاء تقرير المصير الذي أُجري في اسكتلندا، وغيرها من المناطق. ولم يحدد موعداً دقيقاً لإجرائه، لكنه قال في البيان "حان وقت إجراء الاستفتاء، وذلك لا يعني إعلان الدولة الكردستانية، بل هو تعبير عن إرادة ورأي الشعب، لكي تقوم القيادة السياسية في الإقليم بتنفيذ هذه الإرادة في الزمان والمكان المناسبين". وإذا ما تم تنظيم الاستفتاء فسيكون الثاني بعد الاستفتاء الذي نُظّم في عام 2005 وحينها كانت نسبة داعمي الانفصال أكثر من 90 في المائة.

ورأى المحلل السياسي الكردي وأستاذ العلاقات السياسية في جامعة صلاح الدين، عبد الحكيم خسرو، أن "إجراء الاستفتاء حول استقلال كردستان سيُشكّل تحدياً كبيراً لقيادة إقليم كردستان، إذ ستضع نتائج الاستفتاء هذه القيادة أمام خيارين: إما دعم ما طالب به السكان والذهاب نحو الاستقلال، أو تأجيل البت بمطلب السكان، وفي الحالة الثانية ستخسر قيادة الإقليم الكثير من شعبيتها ومصداقيتها". وأضاف في حديث لـ"العربي الجديد": "الأمر سيكون مختلفاً إذا ما أرادت حكومة الإقليم معرفة رأي المواطنين إن كانوا يدعمون الاستقلال أم لا، وفي هذه الحالة الحكومة ليست بحاجة لإجراء الاستفتاء، ويمكنها الطلب من مركز استطلاع تنظيم ذلك".

وكان آخر استطلاع لآراء السكان حول موضوع انفصال كردستان قد أجرته جامعة محلية بإدارة أميركية هي جامعة دهوك، نهاية العام الماضي 2016، وأظهر أن نسبة 84 في المائة من السكان يدعمون الاستقلال. وكان الأكراد قريبين من تنظيم استفتاء الانفصال، إلا أن سيطرة تنظيم "داعش" على أجزاء واسعة من العراق وسورية دفعتهم لتأجيل ذلك. لكن سرعان ما وفر قتال ذلك التنظيم فرصة تحقيق حلم الاستقلال بالنسبة لهم، بينما تثار شكوك حول نجاح دولة كردستان في حال انفصالها، بسبب ضعف إمكانياتها الاقتصادية وإحاطتها بإيران وتركيا وسورية، وهي دول لا ترغب برؤية دولة كردية بجوارها، بسبب الأقليات الكردية الموجودة لديها خوفاً من تشجيعهم على المطالبة بالاستقلال.

تركيبة المنطقة
يُقدّر عدد سكان إقليم كردستان العراق بـ5.2 ملايين نسمة، معظمهم من الأكراد، مع مجموعات تركمانية ومسيحية وعربية، وفقاً لإحصائية معتمدة من قبل حكومة الإقليم. ويتركز هؤلاء في محافظات أربيل، السليمانية، دهوك، وتغطي هذه المناطق مساحة 40 ألف كيلومتر مربع. والمساحة هذه للمحافظات الثلاث، ولا تشمل المناطق المتنازع عليها والواقعة ضمن الحدود الإدارية لمحافظات نينوى وديالى وصلاح الدين وكركوك.

يعترف الدستور العراقي الذي تمت المصادقة عليه في 2005، بحكومة إقليم كردستان وبرلمان كردستان وكل المؤسسات الرسمية الأخرى في الإقليم، وبالقوات المسلحة للإقليم ويطلق عليها "البشمركة"، أي الفدائيين، كجزء من منظومة الدفاع العراقية. اللغة الكردية هي اللغة الرئيسية إلى جانب العربية، كما تعترف قوانين الإقليم باللغات السريانية والتركمانية ويتم اعتمادها في مدارس خاصة بالمسيحيين والتركمان.

يُعدّ الاقليم منطقة زراعية وسياحية لتوفر الأراضي الصالحة للزراعة، إلى جانب اعتدال طقسها، وبعد عام 2006 بدأت السلطات باستثمار النفط والغاز الموجود في باطن أرض الإقليم، ولأجله وقّعت 17 اتفاقاً مع شركات من 17 دولة لاستثمار تلك الثروات. خلال السنوات الأخيرة، سعى الإقليم لتعزيز الحكم الذاتي من خلال بناء خط أنابيب نفط إلى تركيا وتصدير النفط بشكل مستقل، فيما أخذت العلاقات تضعف مع بغداد.

المساهمون