انعكاس على القضية الفلسطينية

23 مارس 2019
الصورة
ارتقى العديد من الشهداء خلال المسيرات(عبد الحكيم أبو رياش)
شكلت مسيرات العودة وكسر الحصار بترتيباتها وآلياتها الراهنة خروجًا عن المألوف في تاريخ النضال الفلسطيني وتدشينًا لمسار آخر لم يتم سلوكه أو الخوض فيه بهذا العمق والتكتيك من ذي قبل، وإن كان من دلالة يمكن استخلاصها من توجه الفلسطينيين نحو مسيرات العودة في هذه المرحلة الحرجة التي تواجه فيها القضية الفلسطينية خطرًا وجوديًا عبر صفقة القرن الأميركية ومشاريع التصفية المدعومة والمباركة من زعامات عربية، فهي أنه كلما حُشرت القضية الفلسطينية في زاوية الإنهاء والإسقاط وصار أغلب الظن أنه لم تعد في يد الفلسطينيين أوراق قوة يمكنهم المناورة بها، ابتدع الفلسطينيون عبر وسائل غير متوقعة ولا مألوفة مخرجًا ينقذهم مما يحاك لهم ويستهدف قضيتهم، ويتضح على هامش مسيرات العودة وفعالياتها أنه ليس من السهل توقع مسارات ومآلات القضية الفلسطينية، وأنه من غير الممكن فرض أجندة لا تتوافق مع تطلعات وآمال الشعب الفلسطيني، وقد ظن البعض أن الفلسطينيين بعد طول هجرة ولجوء قد فقدوا الأمل في الحرية وتقرير المصير، وأنهم ونتيجة لما آلت إليه أوضاعهم من سوء وفاقة وشقاء، وما صار إليه حالهم من جراء تغول وتجبر الاحتلال الإسرائيلي عليهم خصوصًا في قطاع غزة والضفة المحتلة والقدس قد تناسوا حقوقهم المشروعة وسئموا من الدفاع عنها، وأن الوقت قد حان لمساومتهم على تطلعاتهم الوطنية الخالدة وتجريدهم من حقوقهم الموسومة بالدماء والأشلاء.

لكن الفلسطينيين فاجأوا الجميع بإطلاقهم مسيرات العودة وكسر الحصار بعزيمة قوية ترفض الصفقات وتتحدى المخططات وتترفع عن المشاريع بما تحمله من إغراءات وامتيازات، وذلك بُعيد الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل وبالتزامن مع ذكرى يوم الأرض في 30 مارس 2018م، وقد شكل الفلسطينيون هيئة وطنية عليا لإدارة وتنظيم الفعاليات تتمتع بالإجماع الوطني وتطوي تحت جناحها الأحزاب الفلسطينية كافة في خطوة مهمة على طريق تحقيق الوحدة الوطنية، وعملت الهيئة قبل بدء الفعاليات على تهيئة الشارع الفلسطيني وحثه على المشاركة الجماهيرية والحاشدة تكون الثوابت الفلسطينية هي عنوانها بعيدًا عن أي مظاهر حزبية أو فئوية، وأنشأت مخيمات عدة على طول الحدود في قطاع غزة، وذلك بالتزامن مع تجهيزات مشابهة في الضفة المحتلة والقدس وبعض دول الطوق، مما دلل على وحدة هدف المجتمع الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وإنهائه، رغم ما يعانيه من خلافات وانقسامات داخلية.

استطاع الفلسطينيون من خلال فعاليات مسيرات العودة والأنشطة المرافقة لها أن يعيدوا إلى الذاكرة العالمية مشاهد النكبة الفلسطينية، وأحيوا حق العودة بعد أن شرعت إدارة ترامب في خطوات تهدف إلى إلغائه، وأعادوا ملف القضية الفلسطينية إلى دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي بقوة فقدها منذ زمن بعيد، وتمكنوا من طرق أبواب البرلمانات والمؤسسات الدولية الحقوقية والقانونية، وقد وفق الفلسطينيون في مقاصدهم واستطاعوا أن يجندوا كثيرًا من الجهات والهيئات في صف مناصرتهم لما في المسيرات من سلمية وتوافق مع القوانين الدولية وقبول في الشارع الغربي، ولفتت مسيرات العودة الأنظار من جديد إلى القرارات الأممية التي أقرت حقوق الفلسطينيين وطالبت بإنفاذها، وأكدت أنه لا يمكن حل القضية الفلسطينية إلا عبر المسارات السياسية المنطقية والتي يكون الفلسطيني جزءًا منها وتجري بالتفاوض والتباحث حولها، وأن محاولات إسقاط الحلول على الفلسطينيين وفرضها عليهم بعيدًا عن إرادتهم الحرة لا يمكن لها أن تصل إلى حل منصف أو أن تنهي الصراع بشكل عادل.

أحيت مسيرات العودة وكسر الحصار الحنين للوطن والعودة للديار في قلوب الشباب والجيل الناشئ ورسخته كحق يأبى النسيان ليس على المستوى الفلسطيني وحسب بل وعند كل محب ومناصر للقضية والحقوق الفلسطينية، وقد أعادت زمام المبادرة إلى الشارع الفلسطيني ومنحته فرصة كبرى في الأخذ بمجاميع الفعاليات والمشاركة النشطة في مقاومة الاحتلال ومواجهته وأبرزت دوره الجوهري في حماية قضيته وتثبيت أركانها وتأكيد إيمانه بعدالة وشرعية حقوقه وثوابته، وقد اجتذبت المسيرات الشباب الفلسطينيين الذين تفننوا وأبدعوا في اختراع وسائل للتظاهر والاحتجاج السلمي مؤثرة في الاحتلال ومزعجة له، وبرهنوا على مدى عمق تمسك الفلسطينيين بأرضهم ومدى إصرارهم على إحراز حقوقهم، ودعمت تضحياتهم أوصال القضية الفلسطينية ووثقت عُراها وبرهنت على أنها ليست في عزلة مكشوفة لمن يساوم بل هي في حماية الشباب الفلسطيني الذي أظهر مدى قابليته واستعداده للتضحية والفداء وبذل الغالي والنفيس في سبيل القضية والثوابت الفلسطينية.

أفشلت مسيرات العودة وكسر الحصار محاولات بعض الأنظمة العربية احتواء القضية الفلسطينية تحت جناحها وتجريدها من بعدها العربي والإسلامي وحطمت آمالهم في فرض هيمنتهم على القرار الفلسطيني وفرض وصايتهم وولايتهم على حقوق الشعب الفلسطيني، وألجمت بهبتها الجماهيرية الحاشدة أطماعهم المتواطئة مع الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأميركية، وأعاقت قطار التطبيع العربي مع دولة الاحتلال وهذا من أعظم إنجازاتها، إذ إن أخطر ما يمكن أن يواجه القضية الفلسطينية هو التصفية العربية لها ومد يد السلام العربية لدولة الاحتلال وتشريع أبواب التطبيع معها قبل أن تمنح الفلسطينيين حقوقهم.

ساهمت مسيرات العودة وكسر الحصار في فضح جرائم جيش دولة الاحتلال الإسرائيلي الذي تعمد استهداف الطواقم الطبية والصحافيين والأطفال والنساء والمدنيين العزّل وقد وثقت كاميرات الهواتف النقالة ووسائل الإعلام الاجتماعي والرسمي الكثير من الجرائم من استهداف مباشر وقاتل للمتظاهرين بدون أدنى جرم أو سبب يستدعي الاستهداف، وتعمد إصابة المتظاهرين في أماكن حساسة من الجسد والأطراف ما تتسبب في إعاقات دائمة عند أكثر المصابين، مما أثار موجة انتقاد حادة وسخطا عالميا على سلوك جيش الاحتلال الإسرائيلي، ودفع مؤسسات حقوقية وإنسانية للمطالبة بفتح تحقيقات وإرسال لجان دولية رسمية للتحقيق في الجرائم الإسرائيلية المرتكبة، وصرحت جهات عدة بوجود شبهات وشكوك في إقدام جيش الاحتلال الإسرائيلي على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية واستخدام أسلحة محرمة دوليًا ضد المتظاهرين العزّل، مما أربك قادة دولة الاحتلال ووضعهم في خانة الدفاع واختلاق المبررات، وبالتأكيد كل انتقاد للاحتلال الإسرائيلي هو في صالح القضية الفلسطينية ويعمل على انتقال المتعاطفين مع دولة الاحتلال إما للتعاطف مع الفلسطينيين أو الاصطفاف على الحياد.

لعبت مسيرات العودة وكسر الحصار دورًا مهمًا ورائدًا في تأكيد شرعية القضية الفلسطينية والذود عن الحقوق الفلسطينية والتخفيف من حصار قطاع غزة، واستطاعت أن تعيد للقضية الفلسطينية حضورها ومكانتها التي تآكلت مع الزمن وتهمشت بعد أوسلو ومفاوضاتها المتعثرة، وعززت من قوة القضية الفلسطينية وعظمت تأثيرها في أغلب المستويات والصعد، وقد منح اجتماع الكل الفلسطيني عليها أول انطلاقها الأمل للفلسطينيين بتمام المصالحة وتحقيق الوحدة ووقف العقوبات والمناكفات بين أحزاب الوطن وفصائله، وقد حققت المسيرات الكثير من الإنجازات والمكتسبات على الصعيد الداخلي والخارجي شعبيًا ورسميًا، وعليها في ذات الوقت بعض المآخذ وأصابت مسيرها بعض التلمات، مما يحتم ضرورة إجراء مراجعات لها وتقييمها وذلك لتجنب الإخفاقات واستثمار الإنجازات والإيجابيات، وتقويم مسارها المستقبلي بما يضمن تحقيق أفضل النتائج المرجوة على صعيد الأهداف المرحلية والمستقبلية، مع التأكيد على ضرورة وأهمية أن تصب تلك النتائج في صالح القضية الفلسطينية بجميع مكوناتها وألا يتم تجييرها لخدمة مصالح حزبية أو فئوية.