المناظرة التلفزيونية بين مرشحي الرئاسة في تونس: نجاح التجربة وتباين المرشحين

08 سبتمبر 2019
الصورة
تأتي المناظرات قبل ثمانية أيّام من الجولة الأولى للانتخابات(Getty)
+ الخط -
انطلقت مساء أمس السبت، أولى المناظرات التلفزيونية بين المرشحين للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها تحت عنوان "الطريق إلى قرطاج، تونس تختار".

وضمت المناظرة التلفزيونية الأولى، التي تتواصل اليوم وغدا، وفق نتائج القرعة، عددا من أبرز المرشّحين من أصحاب "الوزن الثقيل"، بينهم مرشّح حركة النهضة عبد الفتاح مورو، وأوّل رئيس تونسي ما بعد الثورة منصف المرزوقي، ورئيس الوزراء السابق مهدي جمعة، والناشطة المعارضة للإسلاميين عبير موسى، وناجي جلول، وزير التعليم السابق.

إضافة إلى ذلك، ضمت المناظرة أيضاً محمد عبو المرشح عن حزب التيار الديمقراطي، وعبيد البريكي، النقابي اليساري، والمرشح عمر منصور. وكان هناك كرسي فارغ لرجل الأعمال المثير للجدل نبيل القروي والذي تغيب لكونه موقوفاً على ذمة القضاء منذ 23 أغسطس/آب الماضي، بتهمة التهرّب الجبائي وتبييض الأموال.

وجاء في تغريدة على الصفحة الرسمية للقروي تعليقاً على غيابه "حرموني هذه الليلة من حقّي الدستوري للتعبير أمام الشعب التونسي. ويجرؤون على الحديث عن انتخابات شفافة وديمقراطية في غياب مبدأ أساسي وهو التساوي في الحظوظ".

ودرس المنظّمون إتاحة مشاركته في النقاش عبر الهاتف من زنزانته، لكنّ القرار تُرِك للقضاء.

بلهجة مازحة، يقول بلعباس بن كريدة، مؤسّس مبادرة "مناظرة"، الشريك غير الحكومي للعمليّة، تعليقاً على هذه المناظرات: "لا مجال للإفلات منها".

وشكّلت المناظرة حدثاً سياسياً بارزاً استقطب اهتمام التونسيين بشكل كبير، تابعوه في بيوتهم وفي المقاهي والأماكن العامة، بانتظار معرفة نسب المشاهدة رسمياً، حيث بث التلفزيون الرسمي المناظرة ومنح إمكانية بثها أيضاً للقنوات الخاصة بما فيها الإذاعية والأجنبية، وهو ما جعلها حدثاً وطنياً جديداً ولافتاً من ناحية، وحمل معها من ناحية أخرى إمكانية التأثير في نوايا الناخبين، إذا ثبتت فستحول هذه المناظرات إلى محطة استراتيجية في الانتخابات القادمة.

وأيًّا كان مستوى المناظرات، على مستوى الإعداد التقني واللوجستي والمضمون أيضاً، فإنها استطاعت أن تؤكد مرة أخرى أن التجربة الديمقراطية التونسية تتطور وترتقي وتجدد أساليبها وتثبت أن كل ما يحدث في بقاع الدنيا المتقدمة يمكن أن يحدث في البلاد العربية أيضاً.

ويضيف بلعباس بن كريدة "لم تجد ثقافة النقاش بعد مكاناً لها في العالم العربي".

ومع تأكيده أنّ العرض سيُعاد بثّه على قنوات عراقيّة وجزائريّة وليبيّة، فإنّه يأمل في "أن تكون الخطوة الأولى بمثابة مصدر إلهام" للآخرين.


المناظرة من حيث الشكل

شكلاً، يمكن تقديم ملاحظات عديدة تتعلق بالمحتوى التقني وطريقة إلقاء الاسئلة وإجابات المتناظرين وطريقة تفاعلهم ولباسهم وشكل تخاطبهم مع التونسيين ولغة الجسد وحركة الأيدي وتعابير الوجه ومستوى أصواتهم وتفاعلهم البيني فيما بينهم واستعداداتهم، التي كشفتها إجاباتهم على مختلف المحاور.

ولكن الحلقة الأولى من المناظرة حافظت على حد أدنى من اللياقة ولم يحدث تفاعل كبير بين المتناظرين إلا نادراً، وانطلقت المناظرة رتيبة في البداية، تميزت في كثير من الأحيان بخروج عن نص الأسئلة وعدم تركيز واضح لعدد من المترشحين، قبل أن يرتفع إيقاعها تدريجياً ويحاول بعض المتناظرين استدراك ما فاتهم من الفرص والعودة إلى شعاراتهم ومضامين حملاتهم الانتخابية وخطاباتهم السياسية واستغلال ما تبقى من وقت مخصص لهم لتسجيل نقاط جديدة في التواصل مع المتفرجين والمستمعين.

المناظرة من حيث المضمون

مرشّح حركة النهضة عبد الفتاح مورو بدا متمكناً لغوياً كعادته، ولكنه خرج عن أسلوبه المعتاد الذي يمزج فيه بين العربية والدارجة التونسية، وبين الجد والهزل، ربما لجدية الحدث والإطار، وجِدّته عليه من ناحية أخرى، تحدث عن "الجيش الرابع الرقمي. واعتبره ضرورة حتمية تفرض علينا أن نقف سداً منيعاً دون انتقال المعلومة والتأثير على أبنائنا، ونعلم أن 70 في المائة من الإرهابيين الذين عملوا في تونس تم انتدابهم عن طريق المنظومة المعلوماتية وعن طريق انتداب خارجي مطلوب".

وأضاف مورو "تمكنا من مسك الإرهاب في عقر داره وعطلنا ما كنا نعاني منه من سوء مناعة جسمنا ونحن نتابع الإرهاب كما يتابعه أي بلد في العالم…وعلينا أن نسعى لإرساء استراتيجية عالمية لمقاومة الإرهاب يكون لنا فيها إمكانية الضغط على الإرهابيين حتى لا يتسللوا إلى بقاعنا".

وخاطب مرشح النهضة بذكاء فئة مهمة من الناخبين وهم المتقاعدون، مطالباً بحمايتهم واستثمارهم كمستشارين للدولة حسب اختصاصهم، معتبرا أن فئة كبيرة من المواطنين الذين تحمّلوا الوطن مدة 35 سنة، يخرجون من التقاعد ويرمون إلى النسيان، مؤكداً ضرورة أن تتحول تونس إلى قبلة للأفارقة، تعليمياً وصحياً واقتصادياً".

ناجي جلول، وزير التعليم السابق، دافع عن فكرة الرئيس المثقف، معتبراً أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون "حكيماً ومحارباً، وأن يكون رئيس استشراف لأن الحروب القادمة هي حروب طاقة وماء".

وأكد أن "محاربة الإرهاب تبدأ بالمدارس والثقافة والشارع، وعلى الرئيس أن يعلن الحرب على الفقر"، متسائلا "كيف نتحدث عن أمن قومي وعندنا نصف مليون جائع؟ ويجب أن تشن الحرب حول مسألة البذور… اليوم يجب أن يُحاكم من أدخل البذور المعدلة جينيا وتسبب في 15 حالة إصابة بالسرطان وأعرف من أدخلها".

وتابع "رئيس الجمهورية يجب أن يكون مسؤولاً عن الأمن الثقافي وأن يعيد قيمة الموسيقى التونسية والثقافة التونسية والمسرح التونسي والكتاب التونسي".

ولكن جلّول بدا متلعثماً في كثير من الردود ولم يوضح ما يقصده بضرورة أن تكون تونس حاضرة في تفاهمات الشرق الأوسط وخصوصا يتعلق بليبيا، وبدت إجابته غامضة وغير دقيقة.

ورد عليه الرئيس الأسبق منصف المرزوقي، بأنه كان لتونس بالفعل رئيس مثقف (يقصد نفسه) طرح أسئلة الأمن البيئي والبذور وقضايا الطاقة وتحدث عن ضرورة استشراف كل هذه القضايا.

ولكن المرزوقي شدّد في معرض إجابته عن فكرة محاربة الفاسدين وليس الفساد، "لأنهم معروفون للجميع، أما محاربة الفساد فمجرد شعار بقي حبرا على ورق".

وأضاف المرزوقي "عندما كنت في الرئاسة كان لنا برنامج وطني لمكافحة التطرف مبني على جملة من العوامل هي الأمني والعسكري والتربوي والاقتصادي والاجتماعي، وكان من المهم إشراك الإعلام والآباء الروحيين لهؤلاء المتطرفين لإثنائهم عن هذه العمليات".

وشدّد على رفض "صفقة القرن" والانتصار للقضية الفلسطينية، مطالبا بأن تكون تونس دائما مناصرة للقضايا المبدئية في العالم، ومناصرة لحق الشعوب في الحرية والديمقراطية.

وذكّر الرئيس الأسبق بأنه قام إبان عهدته بـ"جولة واسعة في أفريقيا ورافقه عشرات رجال الأعمال" وأطلق "استراتيجية حقيقية لإعادة انتشار تونس أفريقيّا، بينما يتحدث الآخرون عن ذلك الآن".

المرزوقي بدا متعباً في البداية ومتوتراً نسبياً وصوته مبحوح شيئاً ما، ربما بسبب التحركات المكوكية التي يقوم بها في حملته الانتخابية وخطاباته في الأحياء والشوارع في مختلف الجهات، ولكن مواقفه كانت واضحة ومتناسقة مع أفكاره المعروفة.

محمد عبو المرشح عن حزب "التيار الديمقراطي"، بدا أكثر استعداداً من بعض المتناظرين، على الأقل جسدياً، دافع عن موقفه في رفض عقوبة الإعدام وإنهاء حالة التسيب والفساد المستشري، مشدداً على أن الفوضى متواصلة منذ 9 سنوات.

وأكد عبو ضمن وعوده الانتخابية أنه في حال فوزه لن يكون في مقدور أي سياسي مد يده إلى أطراف أجنبية، وأنه سيتخذ القرارات اللازمة لمنع تواصل ذلك بالتعاون مع القضاء، كاشفاً أن أجهزة الدولة تعرف السياسيين الذين تحصلوا على أموال من جهات أجنبية وأنها لم تتخذ أي قرار في هذا الشأن.

والتزم مرشح "التيار الديمقراطي"، بنشر قائمة جرحى وشهداء الثورة وبإعادة البريق لصورة تونس التي شكلتها بعد الثورة، وتعهد بجلب الاستثمارات، مشيرا إلى أنه سيعمل على أن تتدخل تونس في بعض الملفات وأن تكون دولة ذات مصداقية تُحترم في الداخل والخارج.

رئيس الحكومة الأسبق مهدي جمعة، بدا متوتراً في البداية، ولكنه دافع عن فكرة الرئيس الملم بالقضايا الاقتصادية التي تعتبر أهم مطالب التونسيين، وقال إن الرئيس ينبغي أن يكون مفاوضاً قادرًا على التحدث مع المؤسسات الدولية لحفظ مصالح الدولة التونسية، وبتلميح وصل إلى حد التصريح، قال جمعة "لن أكون شاهد زور على الفقر، على البطالة، على الفوضى"، في إشارة واضحة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد.،

عبير موسى مرشحة الحزب "الدستوري" التونسي، بدت نمطية جداً في معرض إجاباتها في البداية، قبل أن تتفطن وتعود إلى خطابها السياسي الذي عرفت به، وهو محاربة الإسلاميين وكشف شبكات التسفير إلى بؤر التوتر وحقيقة الاغتيالات السياسية والعودة بسياسة تونس إلى المبادئ الأولى التي أسسها الرئيس الحبيب بورقيبة القائمة على مبدأ الحياد والنأي بتونس عن سياسة المحاور.

وبدا عبيد البريكي، النقابي اليساري، هادئاً ومتمكناً من إجاباته ومن القضايا التي طرحت عليه، ووعد بتعيين امرأة على رأس وزارة الخارجية وإقرار مبدأ التناصف في التمثيليات الديبلوماسية معتبرا أنه حان الوقت لذلك.

وكان المرشح عمر منصور غير مستعد تماماً للمناظرة وكانت إجاباته مهزوزة ولم يستغل الوقت المخصص له وتنازل عن حقه في ذلك أكثر من مرة، وهو ما شكل مفاجأة للمشاهدين وخصوصا لمن يعرفونه عن قرب.

وتخصص حصة اليوم الأحد للمجموعة الثانية، والتي تضم كلا من محسن مرزوق ومنجي الرحوي وإلياس الفخفاخ ومحمد الهاشمي الحامدي وعبد الكريم الزبيدي ومحمد الصغير النوري وحمادي الجبالي ومحمد لطفي المرايحي وحاتم بولبيار.

وتخصص حصة يوم غد الإثنين للمجموعة الثالثة والأخيرة التي تضم كلا من يوسف الشاهد وقيس سعيد وسليم الرياحي وأحمد الصافي سعيد وحمة الهمامي وسيف الدين مخلوف وسعيد العايدي وسلمى اللومي.