اندماج

06 أكتوبر 2018
الصورة
أطفال مختلفو الأعراق في ألمانيا (توماس لونز/ Getty)
الإنسان اجتماعي بطبعه، يختار غالباً معايشة من يشبهونه بالأفكار والمعتقدات وأساليب العيش. وحين تفرض عليه الظروف أن يكون في عالم مغاير، إما يندمج، أو يرحل.

عاصم اختار طريقاً آخر حين وصل إلى ألمانيا منذ أربعين عاماً، كان والداً لطفل واحد. وفي بلد الهجرة صار جدّاً. شاخ عاصم ولم يتعلم الألمانية، ولا يزال يعيش على مساعدات الدولة. انعزل في محيطه الضيق مع أقارب ومعارف تزايدوا مع الوقت، وأقاموا في وسط حوّلوه إلى ما يشبه قريتهم. يقولون عن عاصم في لبنان إنه لم يندمج مع الألمان، لكنه لم يعد يستطيع العودة أيضاً، لأنه هو ووطنه غيرتهما الأيام.

الاندماج مسألة تشغل كل الناس وليست مرتبطة بالضرورة بتغيير مكان العيش، لكن ربطها بالهجرة هو الأبرز لأن حجم التغيير الذي يخوضه المهاجر كبير وجذري في أغلب الأحيان. ومع موجة الهجرة الأحدث، وزحف ملايين الناس نحو أوروبا "الغريبة" خصوصاً، صار فعل الاندماج أو عدمه تحت المجهر، وشغَلَ المراقبين بالبحث عن مؤشرات قبول أو رفض جموع المهاجرين.

المشكلة ليست بالاندماج بل في تفسيره ومعرفة حالاته وأنماطه. عاصم رسم لحياته نمطاً من الاندماج قبِلَ به الطرفان، هو والدولة الألمانية. صار جزءاً من المجتمع مع نيله الجنسية، وله علاقات مع الدولة وإن بالحدود الدنيا كونه مواطنا. كثيرون مثله، عاشوا في "قوقعة" تشبههم لرهبة التغيير، أو رفض المستجد في حياتهم، لكنهم رغم ذلك لم يعودوا كما كانوا. فالانتقال والمكوث سلوكان يؤشران على الاندماج.

في حالة الهجرة يصطدم الناس بعادات وتقاليد مغايرة، ومفاهيم مربكة، وعقائد مختلفة، وأزياء تخبر عن أصحابها. وهو الإرباك ذاته يعيشه أبناء البلد المستقطب للهجرة. فمشكلة الاندماج ليست بالشرق الذاهب باتجاه الغرب، بل هي أيضاً مشكلة الغرب المتلقي للمهاجرين ونظرته لهم.

صور نمطية تحضر في البال عند النطق بكلمة اندماج. "نحن" نجد تفسيرها بنموذج المهاجر الذي وصل إلى المهجر ورتب أموره القانونية والتزم بالعمل، وتعلم اللغة الجديدة، واختار السكن بمناطق أهل البلد المضيف. و"هم" يعتبرون أن المهاجر المندمج هو "الحيادي" شكلاً ومضموناَ، وليس المتمسك بزيه الديني أو التقليدي ولا الرافض لمناهج التعليم، أو المعارض للقوانين العامة.




و"فكرة" الاندماج لن تتحقق إذا اكتفت دولة الهجرة بتصنيف المهاجرين يداً عاملة، أو طلاباً، أو أشخاصاً يسعون لنيل الجنسية فقط. وفي المقابل لن يصبح المهاجر "ابن البلد" طبق الأصل، ولو حاول الذوبان في المجتمع الجديد، فإرث موطنه وهويته يبقيانه مختلفاً.

ألمانيا وباقي دول المهجر ستجتر أزمة الاندماج طالما استمرت في بحثها عن مهاجر بمقاييسها، تأخذ منه ما يفيدها وتلغي أو تطمس اختلافه عنها. ولن يجد عاصم وغيره من المهاجرين مستقراً إذا دام بحثهم عن وطنهم في بلد الهجرة.