اندفاعة العنصرية الفرنسية

12 ابريل 2020
الصورة
كأنه لا يمكن للقوى الاستعمارية الكفّ عن اعتبار مستعمراتها السابقة مناطق نفوذ دائمة، بغض النظر عن طبيعة أنظمتها، وعن التحولات فيها. ودائماً ما تعدّها هذه القوى مناطق قابلةً لأن تُجري فيها تجاربها العسكرية أو الجرثومية أو الطبية، أو حتى الاقتصادية والاجتماعية، ففي هذا السياق، ومن علائم الانحطاط الأخلاقي غير القابل للشفاء ازدياد وتيرة الخطاب العنصري الفرنسي، ليس لدى سياسييها فحسب، بل لدى عاملين في المجال الطبي فيها، حين دعوا إلى إجراء تجارب لقاحاتٍ ضد فيروس كورونا على "الأفارقة الفقراء" المحرومين من أي واقٍ من الإصابة به، ما يؤكّد استمرار العقلية الاستعمارية المتحكّمة بهذه الدول.
وكان اثنان من أهم المسؤولين الطبيين في فرنسا؛ رئيس طوارئ أحد مشافي باريس والمدير العام للمعهد الوطني للصحة والأبحاث الطبية، قد توافقا علناً، بداية إبريل/ نيسان الجاري، وعلى شاشة إحدى محطات التلفزة الفرنسية على فكرة إجراء تجارب لقاح ضد فيروس كورونا في الدول الأفريقية. ويعد مجرد اقتراحهما الدول الأفريقية، بدلاً من الأوروبية، أو غيرها من الدول التي انتشر فيها الفيروس بكثرة، ممارسةً فجّةً للعنصرية، لا تحتاج إلى تدقيقٍ كثير لتشخيصها حين اعتبرا أفريقيا مختبراً للتجارب. ويأتي تبريرهما إطلاق هذه الفكرة من أن "الأفارقة الفقراء"، على حد تعبيرهما، ليس لديهم أي وسائل وقاية من الإصابة بالفيروس من كمّامات ومعقّمات، ولا العلاج والإنعاش، ليزيد من عنصريتهما.
ويَعْرِف هذان الطبيبان أن دولتهما، ودولاً أخرى في الغرب، هي المسبّب في فقر الأفارقة، بسبب سنوات الاستعمار الطويلة، وسياسة الاستعباد التي اتّبعتها في القارة، وما رافق ذلك من نهب 
ثرواتها وتنصيب الدكتاتوريات فيها، ودعم أنظمتها القمعية بعد خروجها العسكري منها، ثم اتّباعها أسلوب دعم الحكومات الفاسدة فيها، لتمرير الصفقات المشبوهة والعقود التجارية المجحفة بحق شعوبها، ما أدّى إلى حرمان مواطني هذه الدول عوائد ثرواتها، وكرّس الفقر والتخلف والتبعية للغرب في كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية. ولذلك يسهل على جميع دول الغرب إجراء تجارب العقاقير الجديدة على الأفارقة، من دون تحمّل مسؤولية الأخطاء والمضاعفات التي تؤدّي، في أحيانٍ كثيرة، إلى موت الخاضعين لهذه التجارب. ومارست فرنسا ودول أوروبية أخرى تجارب من هذا القبيل في دول أفريقية وآسيوية، وحتى في دولٍ من أوروبا الشرقية، لعقاقير ولقاحات مضادّة للإيدز، وغيره من الأمراض، مستغلين حالة الفقر التي يعاني منها كثيرون ممن خضعوا للتجارب. كما أجروا تجارب على أطفال، من دون إعلام ذويهم، أو إعلام سلطات الدول التي تجرى فيها التجارب.
ولم ينجُ الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ذاته من الوقوع في اختبار تحديد حجم العنصرية ومقدار الاستعلاء لديه، والعقلية الاستعمارية، حينما وجَّه كلاماً، أقرب ما يكون للأوامر منه إلى الطلب الرسمي، إلى السلطات المغربية لاتخاذ التدابير المناسبة لإعادة الفرنسيين العالقين في المغرب إلى بلادهم بعد إغلاق الأجواء وتوقيف رحلات الطيران في كل المنطقة. وجاء كلامه في تغريدةٍ على حسابه على "تويتر"، أواسط مارس/ آذار الماضي، وجهها إلى الفرنسيين العالقين في المغرب، وليس إلى السلطات المغربية. وأثار كلامه غضب المواطنين المغاربة، وذكَّرهم بسنوات الاستعمار الفرنسي الذي كانوا ضحيته.
ولكن لماذا أفريقيا ولماذا فرنسا؟ معروفٌ أن فرنسا فرضت على دول عديدة في القارة الأفريقية التبعية لها بعد جلائها عنها في النصف الثاني من القرن الماضي. ولأجل ذلك، أسست مع الدول التي كانت خاضعة لها وتلك التي تتحدث اللغة الفرنسية لغة رسمية أولى أو متداولة، المنظمة الدولية للفرنكوفونية، لإدامة علاقاتها مع هذه الدول في القارّة الأفريقية وخارجها، أو على وجه الدقة إدامة نفوذها السياسي والاقتصادي فيها. ولم يرجح ميزان العلاقية بين الفريقين في يوم من الأيام لمصلحة الدول الأفريقية من ناحية تحقيق التنمية المستدامة، كما ينصّ أحد أهداف المنظمة، بل تمارس فرنسا عملية نهب مقدّرات هذه البلدان وثرواتها.
ومع العنصرية المستجدّة والمرافقة ظهور الفيروس، استعادت مواقع أجنبية مقالة كُتبت سنة 2014، تحدَّث كاتبها عن واقعةٍ حدثت عندما قرّر رئيس غينيا الاستقلال عن فرنسا، سنة 
1958. ويذكر كيف أمرت فرنسا رعاياها في البلاد المغادرة، وحمل ما يمكنهم حمله وتدمير كل ما تبقى. يومها دمَّر الفرنسيون المقرّات التي كانوا يشغلونها، فطاولت معاولهم وتفجيراتهم المدارس والعيادات الطبية ومراكز الأبحاث وأبنية الإدارة العامة، والسجلات الوطنية التي تتضمّن الدراسات والخطط، والسيارات والكتب والأدوية. كذلك دمّروا الجرارات الزراعية، وغيرها من أدوات الإنتاج الزراعي والطرق، وقتلوا الأبقار والأحصنة، وأحرقوا مخازن المواد الغذائية، وسمّموا ما لم يستطيعوا حرقه منها. وبكلامٍ آخر؛ دمّرت فرنسا البلاد، لأنها طالبت بالاستقلال، وجعلتها تجثو على ركبتيها. وغرضها منع المستعمرات الأفريقية الخاضعة لها من أن تحذو حذوَ غينيا، ما دفع دولاً إلى الوصول إلى تسوية، تُبقي فيه فرنسا ما شيدته وأسست له في هذه الدول في مقابل إدامة نفوذها عليها، عبر اتفاقية تعاون تحدّد العلاقة بين الطرفين، وتدفع بموجبها 14 دولة من التي كانت تحت الاستعمار الفرنسي بدلاً نقدياً سنوياً، وصل سنة 2014 إلى خمسمائة مليار دولار، تحت بند ديون استعمارية، وهي استحقاقاتٌ لفرنسا بدلاً من البنية التحية التي بنتها خلال فترة استعمارها هذه البلدان. أما من لم يوافق على هذه التسوية فكان مصيره الموت اغتيالاً، أو الاعتقال بعد إطاحته عبر انقلاب تدبّره فرنسا، وتنصب من يوافق على الدفع وعلى تنفيذ تعليماتها.
عند وصوله إلى الحكم، صرّح الرئيس ماكرون أنه يريد القطع مع السياسية الاستعمارية تلك، لكن تغريدته و(تعليماته) للمغرب كذَّبت ادعاءه، لأنه "من دون أفريقيا ستنزلق فرنسا إلى مرتبة دولة من دول العالم الثالث"، كما صرّح الرئيس الراحل، جاك شيراك، مرة. ولذلك، ومع تخبّطها لدى مواجهتها كورونا لا يتبقى لها، ولدول استعمارية أخرى، سوى أن تعود إلى خطاب الفترة الاستعمارية الذي من دون اللجوء إليه قد تفكر الدول المقيدة بالاتفاقيات مع فرنسا في الإخلال بها، إذا لمست ضعفاً لديها. ولا مانع، خلال هذا الوقت، من جرعةٍ عنصريةٍ تُوْصِل إلى الدول الأفريقية رسالة تفيد بأنها ما تزال في مرتبة الخضوع التي وضعتها فيها فرنسا، ويُمنَع عليها تجاوزها.
تعليق: