انتكاسة أتباع الإمارات في شبوة: حسابات معقدة تحكم المعركة

26 اغسطس 2019
الصورة
القبلية بشبوة تشكّل عاملاً مرجحاً(عبد الله القادري/ فرانس برس)
+ الخط -
لليوم الرابع على التوالي، تواصلت أمس الأحد المواجهات العنيفة بين قوات الجيش اليمني الموالية للشرعية، ومليشيات "المجلس الانتقالي الجنوبي"، الانفصالي الموالي للإمارات، في محافظة شبوة، جنوبي شرق اليمن، وسط تعرض الأخيرة لانتكاسة عسكرية جديدة بعدما تعثر الهجوم المرتد الذي أطلقته أمس تحت عنوان "معركة الأرض المحروقة"، وتعرض قيادات عسكرية بارزة موالية للإمارات للأسر. وتظهر التطورات في الأيام الماضية استماتة الشرعية من جهة والمليشيات المدعومة من أبوظبي من جهة ثانية للسيطرة على شبوة. وتحاول الإمارات الدفع باتجاه سيطرة وكلائها نظراً لإداركها حجم تداعيات أي هزيمة في شبوة، خصوصاً بعد أن أدى دعمها لانقلاب مليشياتها على الشرعية في عدن وتمدد الانفصاليين باتجاه أبين ومن ثم شبوة، إلى ظهور أصوات في الحكومة اليمنية تطالب بإعادة النظر في مشاركة الإمارات في التحالف العربي، الأمر الذي ردت عليه أبوظبي بطرق عدة، بما في ذلك خروج وزير الدولة للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في تغريدات عبر تويتر، مساء السبت، قائلاً إن "التحالف السعودي الإماراتي ضرورة استراتيجية في ظل التحديات المحيطة واليمن مثال واضح، فمشاركة الإمارات في عاصفة الحزم وضمن التحالف العربي جاءت استجابة لدعوة خادم الحرمين الشريفين واستمرارنا في اليمن ضمن التحالف الذي تقوده السعودية الشقيقة مرتبط بهذه الدعوة". وأضاف "ومن واقع علاقتنا الاستراتيجية مع السعودية الشقيقة فهي التي تقرر استمرار دورنا في مساندة الاستقرار في اليمن ضمن التحالف العربي من عدمه، ارتباطنا بالرياض وجودي وأكثر شمولاً، خصوصاً في الظروف الصعبة المحيطة وعلى ضوء قناعتنا الراسخة بدور الرياض المحوري والقيادي".

معركة الأرض المحروقة

وتعرضت المليشيات الموالية للإمارات، أمس الأحد، لانتكاسة عسكرية سريعة، بعد وقت قصير من إشارة مصادر محلية وأخرى مقربة من "المجلس الانتقالي" إلى أن قوات ما يُعرف بـ"النخبة الشبوانية"، وتشكيلات أخرى موالية لأبوظبي، بدأت ظهر أمس هجوماً مضاداً ضد قوات الشرعية، في مدينة عتق، مركز المحافظة. وتحدثت مصادر تابعة لـ"المجلس الانتقالي" عن إطلاق عملية عسكرية تحت مسمى "الأرض المحروقة"، تسعى خلالها القوات الموالية للانفصاليين إلى اجتياح مركز محافظة شبوة. لكن العملية تعثرت، إذ تصدت القوات الموالية للشرعية للمليشيات. وأفيد عن أسر عدد منهم، بينهم نائب قائد الحزام الأمني الإماراتي فرع أبين عبدالله عمر الدماني. وجاءت المحاولة الجديدة لأتباع الإمارات بعدما كانت مصادر محلية لـ"العربي الجديد" قد أفادت بأن تعزيزات كبيرة من قوات "الحزام الأمني" والتشكيلات الأخرى الموالية لأبوظبي، وصلت إلى شبوة في الـ48 ساعة الأخيرة، آتية من محافظات عدن ولحج والضالع وأبين، وفي إطار محاولة حلفاء أبوظبي استدراك الموقف العسكري في المدينة.
وكانت قوات الشرعية قد تمكنت خلال الأيام الماضية من تحقيق تقدمٍ ميداني، محوري، وسيطرت على مدينة عتق، بشكل كلي. كما هيمنت على ثلاثة من معسكرات "قوات النخبة الشبوانية"، المدعومة من الإمارات. وفي السياق، أصدرت وزارة الدفاع اليمنية بياناً أمس أكدت فيه استمرار الدعم الإماراتي للانفصاليين وإرسال تعزيزات بمختلف الآليات والعربات العسكرية، لاستئناف الهجوم على "عتق"، وقالت إنها "ستتصدى بكل حزمٍ".
من جهته، أصدر محافظ شبوة، محمد صالح بن عديو، بياناً أكد فيه أن "اليوم تكسب شبوة الرهان وتسقط انقلاباً رديفاً لانقلاب مليشيات الحوثي قامت به مليشيات المجلس الانتقالي بدعم كامل من دولة الإمارات العربية المتحدة"، فيما حيّا "دور الأشقاء في المملكة العربية السعودية في دعم الشرعية والحفاظ على مؤسسات الدولة". وأشار إلى أن "مشاريع التمرد على الدولة وصناعة كيانات ومليشيات توازيها بات أمراً لا يمكن القبول به ولا التعاطي معه". ووجّه نداء إلى من لا يزال يقاتل في صفوف الانقلابيين "بإلقاء السلاح والتوقف عن خوض معركة خاسرة".
في موازاة هجوم مليشيات الإمارات، قال مصدر مسؤول في الشرعية لـ"العربي الجديد"، إن قوات الشرعية تسعى حالياً إلى تأمين كامل محيط مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة، ومنع قذائف مليشيات الانتقالي المدعومة من الإمارات من الوصول إلى المدينة حماية للمدنيين وعدم تضررهم، فضلاً عن محاولة تجنيب منازل المدنيين والمؤسسات والمرافق الحكومية من تداعيات هذه الحرب وضمان استمرار تقديم الخدمات.
وبحسب المصدر، فإن عدد القتلى حتى الآن لا يعد كبيراً، لأن هناك توجيهات أصدرتها قيادات عسكرية بعدم الاستهداف المباشر لعناصر مليشيات الانتقالي باعتبار أنهم مغرر بهم وهم جزء من الشعب، عدا عن أن التركيز ينصبّ على استهداف الآليات والمدرعات العسكرية وأماكن وجود المعدات الثقيلة التي تقصف بشكل عشوائي مساكن المدنيين. ووفقاً للمصدر نفسه فإن "المعركة لن تتوقف فقط عند تأمين مدينة عتق ومحيطها بل إنها مستمرة حتى تطهير وتأمين كل محافظة شبوة، وفق التوجيهات من قيادة الشرعية بعدم السماح بتفجير الأوضاع العسكرية أكثر من ذلك، ووقف تمدد هذه الفوضى والخراب الذي يستهدف اليمن برمته وليس شبوة وحدها". وأشار إلى أن ما يحدث "يتم على يد من اعتقدنا أنه حليفنا لكنه قام بغدرنا وخداع شبابنا ليرميهم إلى المحرقة لتحقيق مصالحه".
ولا يمكن فصل اشتداد المواجهات ورغبة كلا الطرفين في الحسم عن وجود حسابات سياسية وعسكرية عدة، حتى إن البعض بات يطلق على معركة شبوة بـ"الفخ" الذي تريد الشرعية والإمارات توظيفه لصالحهما. ويتحدث مسؤولون في الحكومة اليمنية وآخرون في المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، كل من وجهة نظره، عن أبعاد مختلفة للمعركة تكسبها هذه الأهمية الاستراتيجية، وإن كان يوجد شبه إجماع على ضرورة عدم تجاوز دور القبيلة في شبوة، باعتبار أن من يكسبها إلى جانبه قد يكون ضمن نصف المعركة. وفي السياق، قالت مصادر لـ"العربي الجديد" إن الإمارات بدأت تدفع بأموال في محاولة لدفع مشايخ وقيادات قبلية في شبوة إلى الوقوف جانبها، بعد أن باتت القوات الموالية لها تتراجع في ظل دعم قبلي واسع لصالح الشرعية وانخراط قوى مجتمعية في المعركة.


حسابات الإمارات

وتصرّ الإمارات على عدم هزيمة مليشياتها في شبوة لحسابات عدة. ويسود اعتقاد لدى مسؤولين في الشرعية بأن الإمارات تسعى لتحقيق أكثر من هدف، أولها يتمثل في أن جرّ الشرعية من مأرب إلى شبوة وتحويل المعركة على أساس شمالي – جنوبي، يؤدي إلى استقطاب أكبر للجنوبيين، وبذلك يستطيع المجلس الانتقالي التغلب على المعضلة التي تواجهه منذ تأسيسه لجهة رفض قوى جنوبية الاعتراف به كممثل للقضية الجنوبية. من جهة ثانية، فإن محاولة دفع القوات الحكومية لتركيز وجودها في شبوة ينطوي على محاولة لاستنزافها وإضعافها أكثر، لا سيما أن القوة العسكرية والبشرية تتركز في مأرب. وبالتالي أي ضعضعة لها في مأرب ستمهد لمحاولة السيطرة عليها، كما أن التداعيات ستطاول مناطق عدة أولاها تعز.
ويسود تخوف من أي محاولة مماثلة لحصار مأرب ومحاولة السيطرة عليها ستتم عبر الدفع بطارق صالح نجل شقيق الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح وبمساعدة من القبائل الموالية للمؤتمر.
وفي حال تحقق ذلك، فإن الشرعية تخسر بذلك محافظة الثروة الوحيدة المتبقية بيدها شمالاً وبالتالي سيتم تجريدها من الإيرادات وتحجيم دورها على نحو أوسع بما يتيح التمهيد لشن عملية عسكرية للسيطرة على وادي الصحراء حضرموت منطقة الثروة الكبرى في اليمن. ويخدم كل ذلك المخطط الإماراتي في السيطرة على كامل السواحل اليمنية من الحديدة إلى المهرة بما فيها الجزر والموانئ ومضيق باب المندب.
ومن التداعيات الإضافية لذلك، إطاحة مخرجات الحوار الوطني التي تضمنت مشروع دولة اتحادية جديدة، والذي دفع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي من خلاله لتبني مشروع الأقاليم الستة، وبينها إقليمان جنوبيان؛ حضرموت والمهرة. وإقليم حضرموت وعاصمته المكلا، يتألف من المهرة، حضرموت، شبوة، وسقطرى، في حين تم التوافق على إقليم عدن، وعاصمته عدن، على أن يتألف من محافظات عدن، أبين، لحج، الضالع. أما في ما يتعلق بالأقاليم الشمالية، فتم الإعلان عن إقليم سبأ وعاصمته مأرب، ويتألف من الجوف، مأرب، والبيضاء. واختير إقليم الجند، وعاصمته تعز، ليضم كلاً من تعز وإب. كذلك تم إقرار إقليم تهامة، وعاصمته الحديدة، ليشمل كلاً من الحديدة، ريمة، المحويت، حجة. وأخيراً اعتمد إقليم آزال، وعاصمته صنعاء، على أن يضم كلاً من صنعاء، صعدة، عمران وذمار.
وبالتالي فإن سيطرة وكلاء الإمارات على شبوة، التي يفترض أنها تتبع إقليم حضرموت، سيؤدي عملياً إلى إسقاط فكرة الأقاليم الجنوبية (حضرموت وعدن)، ما يتيح للإمارات ووكلائها المضي في مسعاهم لجعل الجنوب إقليماً واحداً في إطار محاولة الانفصال.
ويذهب البعض في أوساط الشرعية إلى وصف ما يجري في شبوة بأنه فخ للسعودية أيضاً، من خلال تشتيتها أكثر وفتح جبهات جانبية لاستهداف ما تبقى لها من حلفاء داخل اليمن، خصوصاً بعد أن قام الحوثيون بتدمير وتهجير حلفاء السعودية في الشمال، والآن يتكرر السيناريو نفسه في جنوب اليمن، حيث تعمل أبوظبي على تقليص نفوذ الرياض إلى حده الأدنى، ما يتيح للإمارات أن تفرض وصايتها تدريجياً، وفق مخططها على الجنوب والشرق والغرب، في حين هيمنت إيران عبر حلفائها على الشمال، أما السعودية فلن يتبقى لها سوى نفوذ محدود على قبائل على مقربة من حدودها.

حسابات الشرعية

أما حسابات الشرعية فتبدو على النقيض من أهداف أبوظبي وأتباعها، إذ تراهن الحكومة اليمنية على أن المعركة التي بدأتها الإمارات ووكلاؤها في شبوة ستساهم في تشتيتهم بعد أن أصبحت مليشياتها موزعة على أكثر من جبهة، وأخذاً بعين الاعتبار مساحة شبوة الكبيرة، ما يتيح من الناحية العسكرية، وفي حال حافظت القوات الحكومة على تقدمها، استنزاف المليشيات وتدمير جزء من عتادها. وتدرك الشرعية أن سقوط شبوة بيدها يسهل بسرعة من سقوط أبين، نظراً لأن الأخيرة توالي هادي، وما تعرضت له القيادات والشخصيات الأمنية المعارضة للإمارات ووكلائها من استهداف وصل إلى المناطقية، ولد انعكاساً وحقداً ضد الإمارات، فضلاً عن تنامي الغضب ضد أتباعها أيضاً. كما أن خسارة الإمارات ووكلائها ستكون عاملاً مساهماً ليس فقط في إلحاق هزيمة عسكرية بهم بل أيضاً لإخراج الإمارات بطريقة عسكرية من واحدة من أهم محافظات الثروة ووقف تفكيرها في السيطرة على مناطق الثروة الأخرى تحضيراً في حضرموت ومأرب، وهو ما يبقي على الآمال بتنفيذ مشروع الأقاليم بل ويعطي الشرعية السبب لاستخدام قوات تابعة لها من مأرب في فرض وجودها جنوباً وتحجيم دور الإمارات وكلائها. كذلك من شأن سيطرة الشرعية على شبوة أن تفضي إلى تأمين تصدير النفط والغاز من مأرب وشبوة عبر موانئ البحر العربي الذي تطل عليه شبوة. وفي المجمل فإن الصراع الذي نقلته الإمارات عبر وكلائها إلى شبوة ليس في صالحها، خصوصاً أن لسلطنة عمان والسعودية موقفهما الرافض من تمدد الإمارات ووكلائها باتجاه حدودهما.

دلالات