انتقام حفتر: استهداف مدنيي طرابلس بعد فشل تهديداته لتركيا

02 يوليو 2019
الصورة
من آثار قصف حفتر على طرابلس (محمود تركية/فرانس برس)
+ الخط -
بعدما فشل اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، في استعادة المبادرة والردّ على خسارته مدينة غريان الاستراتيجية يوم الأربعاء الماضي، وبعدما بدا واضحاً انعدام قدرته على تنفيذ تهديداته باستهداف المصالح التركية في ليبيا، إثر اضطراره لإطلاق سراح 6 مواطنين أتراك اعتقلتهم مليشياته بعدما هددته أنقرة بعواقب وخيمة، فإنه اتجه إلى الانتقام من سكان العاصمة طرابلس، بإطلاق حملة جوية ضدهم، تثير مخاوف من سقوط ضحايا مدنيين إضافيين في حربه المستمرة منذ نحو ثلاثة أشهر.

واضطر حفتر أمس للاستجابة للمطالبة التركية بإطلاق سراح ستة مواطنين أتراك كانت مليشياته قد اعتقلتهم، بعد تهديد تركي صريح باستهداف مواقع حفتر إذا لم يفرج عنهم. وبدا واضحاً ارتباك مليشيات حفتر، فبعد إعلان المتحدث باسمها، أحمد المسماري، عن أوامر حفتر باستهداف المصالح التركية في ليبيا، بل اعتقال أي مواطن تركي، عاد ونفى أنباء اعتقال المواطنين الستة، على الرغم من تأكيد مديرية أمن اجدابيا قبل نفيه بساعات اعتقالها مواطنين تركيين اثنين في المدينة، ومطالبتها بضرورة التبليغ على أي شخص يحمل الجنسية التركية أو شركة تركية تعمل في مدينة أجدابيا.

وبعد التهديدات التركية، أطلقت مليشيات حفتر سبيل البحارة الأتراك الستة، الذين كانوا محتجزين لديها. وبحسب وسائل إعلام تركية، فإن البحارة الأتراك عادوا إلى سفينتهم مع أصحاب الشركة الليبيين، وقرروا مواصلة عملهم، بإرادتهم.
وكان نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي، قد توعّد بعواقب وخيمة، في حال عدم إطلاق سراح الأتراك الستة. وأكد أوقطاي، في بيان أمس قبيل إعلان الإفراج عن مواطني بلاده، أن أنقرة وعبر كافة مؤسساتها، عازمة على ضمان أمن مواطنيها وحماية حقوقهم، في أي مكان في العالم. ولفت إلى أن وزارة الخارجية والسفارة في ليبيا وكافة المؤسسات المعنية، تعمل منذ اللحظة الأولى بمنتهى الحرص لضمان عودة المواطنين الأتراك المحتجزين في ليبيا، في ضوء تعليمات الرئيس رجب طيب أردوغان. وأعلن أنه في حال عدم إطلاق سراح المواطنين الأتراك المحتجزين بشكل عاجل، فإن من قاموا بهذا الفعل سيكونون "هدفاً مشروعاً"، وستكون هناك عواقب وخيمة.

من جهته، اعتبر المتحدث باسم حزب "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا عمر جليك، في تغريدة على "تويتر"، أن مليشيات حفتر أثبتت عدم قانونيتها مجدداً، من خلال اختطاف المواطنين الأتراك بطريقة قُطّاع الطرق. وأضاف جليك: "الشعب التركي والليبي إخوة، وهذه الأخوّة لها جذور عميقة وستستمر إلى الأبد، ونسعى دائماً لإحلال السلام والاستقرار في ليبيا وتركيا إلى جانب كل من يريد الاستقرار والسلام لهذا البلد".

وفي السياق، أدانت السفارة الليبية في أنقرة، تصريحات المتحدث باسم مليشيات خليفة حفتر، التي أعلن فيها استهداف المصالح التركية. ووصفت السفارة في بيان أمس، تصريحات مليشيات حفتر بـ"غير المسؤولة". وأوضحت أن حكومة الوفاق تبذل جهوداً مضاعفة لحماية الشركات التركية العاملة في البلاد، ولن تسمح لأي جهة بإلحاق الضرر بعلاقات الصداقة والأخوّة القائمة بين الشعبين التركي والليبي. وتابعت: "حكومة الوفاق الوطني ستتصدى لأي جهة تريد إلحاق الضرر بالمواطنين الأجانب، الموجودين داخل الأراضي الليبية بمن فيهم الأتراك".


فشل حفتر في تهديد أنقرة وفي الرد على خسارته غريان، وتراجع قواته في محيط طرابلس في الآونة الأخيرة، دفعه لإعلان الحرب على سكان طرابلس. وأعلنت قيادة مليشياته إطلاق عملية جوية تستهدف العاصمة تحت مسمى "عاقبة الغدر"، مشيرة إلى أن أولى عملياتها بدأت الأحد بقصف طائرة مسيّرة داخل مطار معيتيقة. وقال محمد منفور، آمر غرفة عمليات سلاح الجو في مليشيات حفتر، في تصريح صحافي أمس، إن هذه المليشيات ستبدأ بتوجيه ضربات جوية مكثفة لأهداف في طرابلس، بعد "استنفاد كل الوسائل التقليدية" للحرب في إطار السعي إلى "تحرير" العاصمة، مطالباً في تصريحه أهالي طرابلس بـ"الابتعاد عن المواقع العسكرية".
وبحسب تصريحات المنفور، فإن أولى الغارات التي نفذها طيران حفتر كانت باتجاه مطار معيتيقة حيث دمرت طائرة تركية مسيرة، فيما نفذت غارات أخرى ليلة الأحد على معسكر اليرموك داخل طرابلس أوقعت قتلى وجرحى. وكانت إدارة الملاحة الجوية في مطار معيتيقة أعلنت تعليق رحلات المطار، مساء الأحد، بعد تعرض المطار لقصف جوي، قبل أن يتكرر القصف مرتين أخريين ليلاً. فيما أكد القيادي في "لواء ثوار طرابلس" التابع لقوات حكومة الوفاق، عاطف بالرقيق، سقوط عدد من القتلى في القصف الذي طاول معسكر اليرموك الذي يتمركز فيه "لواء الصمود"، التابع لقوات الحكومة.

كما أعلن القائد الأعلى لمليشيات حفتر، رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح، حالة التعبئة العامة، في ساعة متأخرة من مساء الأحد. وتعليقاً على ذلك، قال الخبير العسكري الليبي محيي الدين زكري في حديث لـ"العربي الجديد"، إن العملية الجوية اعتراف ضمني بخسارة المعركة على الأرض، ومحاولة من حفتر للقول إنه لا يزال قوياً. وأشار إلى أن تسمية العملية بـ"عاقبة الغدر" تشير إلى أنها موجهة في الأصل لمدينة غريان التي اتُهم أهلها بـ"الخيانة"، معتبراً أن العملية تهدف إلى محو آثار أدلة تكشف تورط حفتر في جرائم حرب كبيرة، وتؤكد انخراط دول أجنبية في دعمه. وتابع "قصف حفتر المتتالي لمعسكر الثامنة الذي يمثل إدارته الرئيسية، يعني أنه يحاول إخفاء شيء ما بتدميره وليس محاولة منع قوات الحكومة الاستفادة من الذخائر والأسلحة التي تركها خلفه".

هذا التطور جاء بعد فشل حفتر في تحقيق أي تقدّم في حربه على طرابلس منذ 4 إبريل/ نيسان الماضي، بل تراجعه في الفترة الأخيرة وخصوصاً خسارة غريان. حتى إن تهديداته تجاه تركيا لم تكن واقعية، فليبيا ما بعد عام 2014 ودخولها في انقسام حادّ وتردٍ أمني كبير، شهدت خروج كل الشركات ومعظم البعثات الدبلوماسية من البلاد. ومنذ ذلك الوقت، لا توجد مصالح تركية في ليبيا باستثناء التمثيل الدبلوماسي لدى حكومة الوفاق، كالسفارة في طرابلس والقنصلية في مصراتة، بالإضافة لمئات المواطنين الأتراك المنتشرين في طرابلس ومصراتة ومدن في غرب ليبيا، تقع ضمن سيطرة حكومة الوفاق، يديرون مصالح خاصة كالورش والمطاعم ومكاتب هندسية، بينما انحسر وجودهم في مناطق شرق ليبيا بشكل كبير، إثر خطابات ومواقف عدائية لحفتر وحلفائه في مجلس النواب من الدور التركي.

وكانت بلدية بنغازي قد أعلنت السبت الماضي، بدء جهاز الحرس البلدي في المدينة بإزالة كل الأسماء التركية من لافتات المطاعم والمقاهي ومحالّ بيع الحلويات، مؤكدة أن "الجهاز تحرك لإزالة كل مسميات الدولة التركية الموجودة على لافتات كل المحالّ، بناءً على تعليمات قائد الجيش خليفة حفتر بشأن عدم التعامل مع تركيا". كما أن شهود عيان أكدوا لـ"العربي الجديد" الأحد، أن إجراءات مشابهة اتخذها المجلس البلدي لمدينة البيضاء أيضاً.

وكان رئيس المجلس التنفيذي لرابطة المقاولين الأتراك، مدحت ينيغون، قال في تصريح لوكالة "الأناضول" التركية مطلع مارس/ آذار الماضي، إن الاضطرابات الداخلية في ليبيا عام 2011، أثّرت بشكل سلبي على الشركات التركية الناشطة في ليبيا بكثرة. ومنذ مطلع العام الحالي، شكلت تركيا مجموعة عمل مشتركة مع حكومة الوفاق في طرابلس، بهدف إيجاد حلول للمشاريع التركية العالقة في ليبيا وتحصيل مستحقاتها، ودعت المجموعة في أول بياناتها مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي "الجهات المسؤولة في ليبيا تحديد المشاريع العالقة التي تشكل أولوية بالنسبة لهم، كي نواصل تلك المشاريع قبل غيرها"، لكنها اشترطت "توفير الأمن والظروف اللازمة لاستئناف الشركات التركية عملها في المشاريع المطلوبة استكمالها".

وفي موازاة التصعيد في ليبيا، انتشرت أمس معلومات عن منع تونس الشباب الليبيين دون 35 سنة من دخول أراضيها، وهو ما تسبّب ببلبلة في النقاط الحدودية ولا سيما عند معبر راس جدير. لكن رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبد الكبير، نفى في تصريح لـ"العربي الجديد" صحة هذه الأخبار، موضحاً أن الإجراءات في المعابر الحدودية والموانئ عادية، ونسبة الذين دخلوا عبر المعابر في الذهبية وراس جدير والمطار تسير بنسق عادي. وأوضح أنه عادة يتم التحري حول فئة الشباب، وخصوصاً صغار السنّ وغير المرافقين من عائلاتهم، أو من تحوم حولهم أي شبهات، ثم يسمح بالعبور لمن لا شبهات حوله، موضحاً أنه لا جديد في ما يتعلق بحركة التنقل سواء للتونسيين أو الليبيين الأقل من 35 سنة.
كما قالت مصادر أمنية تونسية مطلعة لـ"العربي الجديد"، إنه عادة ما يتم تشديد المراقبة على الداخلين من مختلف الحدود البرية، وخصوصاً في حالات التوتر، موضحة أن ما تشهده ليبيا في هذه الفترة يدعو إلى مزيد من اليقظة والانتباه خوفاً من تسلل عناصر مشبوهة، مضيفة أن الأوضاع الداخلية في تونس في الأيام الأخيرة دعت أيضاً إلى مزيد من الانتباه والتحري، وهي إجراءات يمكن تفهمها حفاظاً على الأمن الداخلي.

المساهمون