انتصارات تونسية

21 أكتوبر 2019
الصورة
مشهد جديد يرتسم في تونس (ياسين قائدي/الأناضول)
+ الخط -
لا تزال تداعيات كثيرة ومثيرة تعتمل في تونس بعد حراك الانتخابات، ما يؤكد أن هناك ميكانزمات اجتماعية عميقة تقوم بتحريك المشهد وإعادة ترتيبه وتتولى دور القيادة وجر الفاعلين السياسيين إلى مناطق أقل رفاهة، وهو ما يربك مكونات هذا المشهد، خصوصاً الأحزاب، إذ تعودت الأخيرة أن تكون هي القاطرة التي تحرك الأشياء، تتوهم أنها تقود الجماهير إلى حيث تبغي، إلى حين، ولهذا فهي تحاول أن تلاحق نسق الأحداث وتتبناها وقد تدعي أحياناً باحتشام أنها صاحبة المبادرة، بمعنى أنها تحاول الالتفاف على ما يخرج عن سيطرتها.
وولّدت قنبلة الانتخابات انفجاراً اجتماعياً حقيقياً في تونس، يأخذ بعداً إيجابياً للغاية في الوقت الحالي، ونتمنّى أن يبقى كذلك ولا ينحرف تحت أي عنوان، أو أن يتم احتواؤه تحت أي يافطة.
وقد خرج التونسيون، أمس الأحد، إلى كل الشوارع، في حملة كبيرة لتنظيفها، ما يعكس رغبة في كنس الأدران، على مستوياتها البيئية كما يظهر، أو السياسية كما يستبطن، التي تكدست على مدى السنوات الماضية، وهي بمثابة عملية تطهّر أو تطهير، وكأن الشعب يريد أن يبني من جديد ويعيد الألق والنضارة إلى ما حوله، ولكنه من حيث لا يريد قصدا يكشف في الوقت ذاته فشل من سبقه من هذه الأحزاب والمؤسسات في إحداث فارق حقيقي.
ويستعيد التونسيون أملهم في التغيير، ويجددونه بعد أن أسكتته خصومات أهل السياسة وصراعاتهم المنهكة، وكادت تقتله خنقاً يوماً بعد يوم، إلا أنه لا يزال حيّاً ونضراً وقوياً، وبإمكانه دائماً أن يقلب الطاولة على الجميع، ويبثها إلى بقاع كثيرة أخرى.
وما تغاضت عنه الاهتمامات في زحمة القراءات العديدة في تونس، انتصار اللغة العربية التي عادت لتثأر لنفسها، بعدما حاول الكل دفنها، وروّج لكونها لغة لا يفهمها الجيل الجديد ولا يريدها، لكن الشباب أثبت أنه لا توجد غرابة بينه وبينها، بل إن من المفارقات العجيبة أن منافس قيس سعيد، نبيل القروي، نظّر مطولاً لأهمية اللهجة الدارجة، حتى إن الأخبار تُقدم في قناته نسمة بهذه اللهجة. لكن لغة سعيّد انتصرت ووصلت إلى الناس في كل مكان، وكان المثقف أيضاً يثأر لنفسه بعد أن استبعده السياسيون طيلة سنوات من دائرة التفكير في مستقبل البلد.

المساهمون