انتخابات مصر الرئاسية بين الانقلاب وموازين الديمقراطية

25 نوفمبر 2017
الصورة
+ الخط -
بعيداً عن الجدل الذي يقوم حالياً في مصر بشأن مقاطعة الانتخابات الرئاسية المقبلة في العام 2018 أو المشاركة فيها، ثمّة أسئلة غائبة لفهم معنى الانتخابات بالنسبة للقوى المسيطرة على السلطة (الجيش). وتبدو انتخابات 2012 بعد عام من ثورة 25 يناير مختلفة عن التي ستجري العام المقبل، انطلاقاً من مبدأ أن المؤسسة العسكرية التي تهيمن على السلطة تتسم بالثبات في داخلها، وتلتف حول عقيدة واحدة، هي طاعة الأوامر والتراتبية الهيكلية داخل هذه المؤسسة والولاء لتقاليدها، ولعل هذا ما جنّبها الانقسامات التي شهدتها مؤسسات أخرى في أماكن مختلفة (هناك عوامل أخرى). ارتكب المجلس العسكري، إبّان سيطرته على زمام الأمور، خصوصاً بعد إطاحة حسني مبارك، وتمرير الانقلاب الناعم على السلطة، أخطاء عديدة كلفته الكثير، وجعلت العلاقة التاريخية بينه وبين الشعب المصري غير موجودة، وهي العلاقة نفسها التي يركن إليها دائماً ويجيد استخدامها في الحفاظ على مكتسباته الاقتصادية. الأخطاء والمجازر (ماسبيرو، مجلس الوزراء، محمد محمود... إلخ) والتي ارتكبها المجلس العسكري أدت إلى نشأة ظروف مختلفة، جعلت الانتخابات ضرورةً لابد من تنظيمها في تلك الفترة، ومن الضروري أن يكون الفائز فيها مدنياً، لأن الانقلاب عليه سيكون سهلاً، لاستعادة السلطة. في المقابل، لا يريد الجيش أن يكرر السيناريو نفسه مع مبارك، حتى لا يرسخ لعملية الانقلابات العسكرية داخل المؤسسة نفسها. ولذا، فإن الإتيان بشخص عسكري في تلك الفترة، مثل أحمد شفيق أو عمر سليمان أو سامي عنان، كان سيخلق انقساماتٍ داخل المؤسسة، فيما يتعلق بعملية الولاءات لهؤلاء، وهم ذوو خلفيات عسكرية. وهذا لا يعني أن الانتخابات كانت مزورة، وإنما أن هناك أسئلة عديدة لا تزال معلقة وتحتاج إلى إجابات.
ليس اليوم هو الأمس، فبعد انقلاب عسكري واضح في العام 2013 ، قامت به المؤسسة
 العسكرية، بدعم كامل من التيار المدني، أصبح الوضع مختلفاً، وتغيرت المعادلة كثيراً، فالرجل الذي استحوذ على السلطة من خلال هذا الانقلاب أثبت فشلاً ذريعاً على مستويات متعددة، وبدا واضحاً انتهاجه سياسة المقامرة، والخروج من أزمة أصغر إلى أزمةٍ أكبر، للتغطية على الفشل الذي أصبح ملازماً له ولسياساته، فبدءاً بسياسة العداء مع الجميع، وتحول الجيش ودخوله في حربٍ مفتوحة مع الإرهاب (كانت أميركا تسعى إلى تحويل الجيش إلى قوات لمكافحة الإرهاب)، مروراً ببيع الأرض، وضرب العقيدة العسكرية التي أسست على أساسها الجيوش، وهو الدفاع عن الأوطان. وآخراً وليس أخيراً التفريط في حقوق مصر التاريخية الخاصة بنهر النيل.
أصبح الوضع بالنسبة للمؤسسة في غاية التدهور، والعلاقة التي قامت بتحسينها بعد 2012 مع الشعب، واستطاعت من خلالها تمرير الانقلاب، الآن في أسوأ أحوالها. لذا لابد من الذهاب إلى الانتخابات. ولكن، في أي شكل وبأي صيغة ستكون؟. يبدو واضحاً أن الرجل الذي يمسك بزمام السلطة أصبح عبئاً على المؤسسة. ولذا سيكون التفكير في إطاحته هو المرحلة التالية. ولن تكون إطاحة على غرار إطاحة المرشح المدني، بل من خلال أسسٍ تضعها المؤسسة نفسها في إدارة العملية الانتخابية، لتتجنب المؤسسة كسر مسألة الثبات والولاء التي تتمتع بها منذ عقود. وبالتالي، تكون الإطاحة عبر هذا الوسيط الديموقراطي في شكله، لكنه انقلابٌ في جوهره، لاحت في أفقه بعض الدلالات، فإطاحة رئيس الأركان الذي يعتبر العمود الفقري للرئيس عبد الفتاح السيسي تؤكد أن هناك علاماتٍ وتوجهاً داخل المؤسسة العسكرية إلى تقليم أظافره ومحاصرته، واللعب من أجل مصلحة المؤسسة، لفرض أمر واقعي في المستقبل. وحتى اللحظة، لم يعلن السيسي ترشحه للانتخابات، لكنه قال إنه لا يريد البقاء لولاية ثالثة، ولم تكن هذه الجملة موجهة إلى الشعب المصري كما ظن كثيرون، بل إلى المؤسسة، بأن الرجل يريد العبور إلى مرحلة ثانية، وأنه سيحترم الدستور الذي عصف به مرات عديدة، وسيلتزم بالترشح لولايتين. ولعل هذا ما يفسر قيام أجنحة أخرى، يرعاها الرجل بنفسه، لتدشين حملاتٍ تطالب بترشحه مرة أخرى، بينما تبقى المؤسسة صامتةً، على خلاف ما كانت عليه في فترة الإعداد للانقلاب العسكري على الرئيس المدني، فالمرور إلى مرحلةٍ ثانيةٍ لن يكون يسيراً، ولن يكون محمود العواقب على المؤسسة نفسها، والأعضاء الفاعلين فيها، ناهيك عن أثره على مستقبل الدولة ووجودها.
إذن، البديل المدني هو المنقذ مرة أخرى، وليس العسكري. ويُطرح اسم المرشح الخاسر في 
انتخابات 2012، الفريق أحمد شفيق، بقوة، ويبدو أن له رصيداً في الشارع، لكن الجناح الذي يهيمن، وهو جناح حسين المشير طنطاوي، والذي يعلم أن وصول شفيق إلى السلطة يعني تصفية حساباتٍ ستؤثر على جوهر المؤسسة العسكرية وثباتها وتماسكها. وفي تلك اللحظة، أصبح الإبقاء على السيسي لولايةٍ ثانيةٍ يحمل الخطر نفسه لوصول شفيق إلى السلطة. إذن، لابد من بديل مدني تدعمه المؤسسة وتقف خلفه، وهو لن يكون المرشح الديمقراطي خالد علي، فتوجهاته تقف على النقيض من توجهات المؤسسة التي تري فيه خطراً على مكتسباتها حال وصوله إلى السلطة. لكن تمرير سيناريو البديل المدني الذي يعني انقلاباً على الرجل الحالي بالطريقة الديمقراطية يحتاج إلى موافقاتٍ خارجية، تبدأ من الولايات المتحدة وإسرائيل، مروراً بالحليفين الخليجيين (السعودية والإمارات) اللذين أضحيا لاعبين أساسيين في السياسة الداخلية المصرية. قد يكون هذا السيناريو محتملاً، وقد لا يكون، وقد تتغير كل هذه المسائل، وتأخذ شكلاً آخر، وتكون انتخابات ديمقراطية حقيقية، وذلك في حالة واحدة، هي خروج الملايين للشوارع مطالبة بالتغيير الواضح والديمقراطية الحقيقية. ويبدو أن هذا الأمر يحتاج مزيداً من الوقت، في منطقةٍ تزداد صراعاتها السياسية يوماً بعد يوم، كما أن الشعوب تحتاج وقتاً، حتى تدرك قوة تأثيرها، وتخرج مرة أخرى، لكن الأكيد أنها ستخرج يوماً ما.